
يبدو أن الرأي العام الإسلامي يعاني حالة ً من التوحد autism والذي يمكن تعريفه باختصار بأنه اضطراب يتمثل بشكل أساسي في صعوبة التواصل مع العالم المحيط.
بدا هذا جلياً في عدة مناسبات كان آخرها الحملة التي أطلقها ناشطون مسلمون لإزالة الصور التي نشرتها موسوعة ويكيبيديا المصورة الشهيرة لنبي الإسلام، واستجاب لها عوام المسلمين بشكل قوي حتى أصبح لا يمر يوم لا يصلك فيه على البريد الإلكتروني إيميلان على الأقل يحثانك على التوقيع على رابط معين بهدف إقناع الموسوعة بحذف الصور المنشورة - وهي كلها بالمناسبة تعود إلى مصادر إسلامية مثل البيروني ورشيد الدين ومعظمها تم نقله من نسخ قديمة في عصر الدولة العثمانية وهي من مقتنيات متاحف ومكتبات ومعاهد أوروبية مثل Bibliotheque nationale في باريس ومكتبة جامعة ادنبره ومكتبة قصر توبكابي في اسطنبول.
ومن الطبيعي أن نتساءل عن صحة حرمة مثل تلك الرسومات في التشريع الإسلامي خاصة ً في ظل كون جميع مصوّري هذه الرسوم والمخطوطات مسلمين، وكون معظمها قد حفظ في ظل الخلافة العثمانية، ووجود بعضها في مكتبات تركيا، مع الأخذ في الاعتبار أن التيار الذي يهيمن على العالم الإسلامي اليوم- بحكم عوامل تاريخية بعضها يعود إلى زمن الحروب مع المغول - وهو تيار “أهل السنة والجماعة”هو تيار واحد من بين تيارات كثيرة و الحق يقال بأنه التيار الأقل إبداعاً و الأكثر انغلاقاً وتحجراً.
وبغض النظر عن مدى مشروعية هذه الرسوم في الإسلام، فإن موسوعة عالمية كويكيبيديا ليست مضطرة للنشر وفقاً لأحكام الحلال والحرام في الإسلام، طالما أن الرسوم ليست بها أي إساءة لنبي الإسلام ، فلماذا يتوقع المسلمون دائماً معاملةً خاصة في كل موقع ومن كل جهة، وهل هم على نفس الدرجة من التسامح وتقبل الآخر التي تؤهلهم لطلب هذه المعاملة التي لا تحظى بها أي ديانة أو معتقد آخر على الكرة الأرضية؟!
وما دام المسلمون مغتاظين من ويكيبيديا إلى هذا الحد، لماذا لا يقومون بإنشاء موسوعة منافسة على الطراز السلفي لصرف الناس عن ويكيبيديا بدلاً من هذه الأساليب المضجرة.
الأنكى من ذلك، أن من يقومون بإعادة إرسال مثل هذه الدعوات لإزالة الصور لا يكلفون أنفسهم أن يطلعوا على أبسط الحقائق المرتبطة بهذه الصور ونشرها بل يعتبرون أن واجبهم الديني يتطلب منهم التعجيل في نشر الحملة دون تلكؤ.
ألا يمكن فعلاً تشخيص هذه الأزمة المزمنة في تعاملنا مع الآخر ومع حرية الفكر والعقيدة والتعبير بأنها حالة من التوحد المزمن تعيشها شعوبنا و تعيقها عن التواصل مع العصر الذي تعيش فيه !


