Archive for مارس, 2008

الإجهاز … على الفيديو والتلفاز !

مارس 30, 2008

 

من السهل أن تتنبأ بردة فعل الأغلبية الساحقة من المحيطين بك ما إن تأتي سيرة برنامج من نوع “ستار أكاديمي”، بل إذا كنت مشتاقاً -ولا أظن هذا متوقعاً- لترى الرؤوس تهتز والوجوه تعبس والعيون تبرق على نحو درامي، فما عليك إلا أن تأتي على ذكر برامج من هذا النوع لتجد الذي أمامك في أغلب الحالات كأنه تلقف فريسة سيتلذذ بنهشها، أو كأنه وجد أخيراً ما ينغص عليه حياته ويرفع عليه أسعار المحروقات والمواد الغذائية وحليب الأطفال، ومن يقرع قفاه في النظارات، ومن يكسر الهروات على ظهره، ومن يمتص دمه بالرسوم والضرائب ومخالفات السير، نعم,, لا بد أنك ستسمع تنهيدة من النوع الذي يقول “اخص على هالزمن” متحدثة بالنيابة عن المقولة الشائعة التي تفترض أن الزمن الماضي “زمن أهل المروة والعزة والكرامة والطيبة والنخوة والشرف والشهامة” هو أفضل الأزمان وأن هذا الزمن هو أحطها.

.

ولست مولعاً بهذا النوع من البرامج على كل حال وأتحفظ على أمور كثيرة فيها، ولا أنوي الدفاع عنها هنا.. لكن ذلك الموقف الشعبي الصلب والمبدئي ولد لدي فضولاً كبيراً لأعرف نوعية البرامج التي يتلهف هذا الرأي العام المتنور لمشاهدتها في المقابل.. وقد افترضت وجود برامج مفضلة لديهم لأن معظم البيوت اليوم تقتني جهاز تلفاز واحد على الأقل… ويكفي أن تذهب إلى قسم الأجهزة الكهربائية في أي مول لتجد الأزمة على أجهزة الفلاترون والإل سي دي .. ومع ذلك فمن المتوقع أن يكون كل هؤلاء الناس من جمهور الشيخ أو “العالم” الذي تحدث عن ””الإجهاز,, على الفيديو والتلفاز””..

 . 

وجاءتني الفرصة على أهون سبب، ولم تكن فرصة لمعرفة هذه البرامج فحسب بل للمشاركة في أحدها كمحاور رئيسي… هاتفني في ذلك اليوم صديق عزيز يعمل في أحد الإذاعات الدينية التي لها شعبية كبيرة مقترحاً علي المشاركة في برنامج تيليفزيوني على قناة فضائية دينية .. فقلت له: أنت تعرف يا صديقي أن ما بيني وبين العالم دي دنيا… لكنه أجابني أن الشيخ الذي يقدم البرنامج -وهو شيخ معروف وله شعبية كبيرة بين الشباب- هو إنسان منفتح ويتطلع إلى جمع وجهات نظر مختلفة من الشباب للوصول معهم إلى استنتاجات وخلاصات معينة… ولا أعرف هل أقنعني كلام صديقي أم أن إلحاح رغبة داخلية عندي بالظهور هو ما جعلني أقرر أن أصدقه…

.
وعلى كل حال، فقد ذهبت في الموعد المحدد، ووجدت المسؤولين عن البرنامج بانتظاري بعد أن بلغهم صديقي باسمي… وقابلت الشيخ، ولم يكن صديقي مخطئاً إطلاقاً فيما يخص بشاشة الشيخ وحضوره الجميل، بل إن الشيخ أتاح لي الحديث دون أن يقاطعني أبداً وكان مستمعاً مميزاً أيضاً .. لكن ثمة مشكلة صغيرة بقيت…
المشكلة كانت أن الخلاصة أو الاستنتاج معد مسبقاً .. وحتى المحاور والمحطات والأسئلة معدة مسبقاً… كأنه يقول لك : أنك تستطيع أن تقول ما تشاء.. لكنني مسؤول عن توجيه البرنامج نحو الوجهة التي أريدها … وملزم أمام الله ورسوله والمؤمنين بالوصول إلى النتيجة التي لا حاجة بنا للحوار أصلاً للوصول إليها… لأنها تدرك بالقلب العاقل …

.

وهكذا جرى البرنامج، يطرح الشيخ السؤال على المتحاورين ومن ثم على الجمهور، ولا بد أن يحكم الحلقة مزاج عام ينسجم مع التوجه العام لديه والوجهة التي تسير إليها الحلقة حتماً… وكثير من أسئلته هي من النوع التقريري الذي يجاب عليه بنعم أو بلا.. وأحياناً يحصرك بخيارين، ومع أنه يعطيك المجال لتفسر إجابتك إلا أن كل ما تقوله ويقوله الآخرون يوظفه الشيخ لخدمة الغرض الرئيسي له من الحلقة، وهو فرض وجهة نظره.

فمن الغريب مثلاً بعد الحديث عن موضوع مثل الشهرة والنجومية في نظر الشباب أن يخلص الشيخ إلى أن من أراد الشهرة الحقيقية فعليه أن يطيع الله ورسوله لأن الله إذا أحب عبداً يتقرب إليه نادى على أهل السماء والأرض : إني أحب فلاناً فأحبوه!… لأن استنتاجاً من هذا النوع هو أقرب إلى الإنشاء الذي لا يمت إلى ما كان الحديث يدور حوله بصلة.. والذي اكتشفته هنا هو أن لدى هذا النوع من المقدمين -وهو نوع لا يقتصر على الشيوخ- مهارة تشتيت الحوار لإعادة صياغته على النحو الذي يريده المقدم وباستخدام أكثر الطروحات سطحية وعشوائية..

تلك البرامج لا تنطلق من مقولات بنيوية أو تفيكيكية أو أي مقولات موضوعية في محاولة التفسير والتحليل .. مع أنها تتظاهر أنها تفسر وتحلل .. فهي تعتمد بشكل أساسي على القفزات اللاموضوعية والتي يصعب -مع وجود موضوع رئيسي يفترض الحوار حوله- أن تستوقف المقدم لتبدي له توعكك منها. كما أن وجود نخبة من الشباب المتنور المتناغم تماماً مع أهداف الشيخ وطريقته في الستوديو يعيقك عن أي شيء سوى الاستمرار في لعب دورك كرأي معارض مقامة عليه الحجة أصلاً حتى النهاية- هذا النوع من الشباب يبحث عن أسئلة متسلسلة من النوع الذي يظهر في دعاية ديتول (لماذا تنمو الجراثيم على أيدينا ؟؟ لأننا نلعب بالأوساخ.. والمطلوب؟؟.. ديتول!!)…

الغريب أن معظم الناس أصبحوا ينظرون إلى هذا النوع من البرامج على أنه نوع من التجديد وطريقة معاصرة وموديرن إلى آخر تلك التوصيفات التي خدعت بالبذلة التي حلت محل الثوب واللحية الخفيفة المهذبة التي حلت محل اللحى الكثة المحناة، والبشاشة المحتالة، والنبرة الهادئة التي حلت محل النبرة الكشكية.. والواقع أن كل ما تفعله هذه البرامج هو إعادة إنتاج نفس مقولات السلفية بنفس تفاصيلها في إطار يتظاهر بالحداثة والمعاصرة…

هو إحياء لتراث ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب .. ذلك التراث الذي لم يمت أصلاً.. والذي سيطر على عقول الناس وضمائرها دون منافس بعد أن أتاحت له حالة التردي في كل شيء كل ذلك التغلغل..

ليس هناك محاولات حقيقية للتجديد.. والتصوف السني على أقصى تقدير هو كل ما تتجرأ هذه الفضائيات “التنويرية” على طرحه، وعلى استحياء أيضاً… تحاول دائماً إخفاء وجود مناهج أخرى في التفكير… تتجاهل المعتزلة والمشائية وسائر الفرق التي أعطت العقل دوراً… وتستمر في لعب ذلك الدور الذي لا يساهم إلا في زيادة استلاب عقول الناس التي أرهقتها السياسة، وأرهقها الفكر… وحلبها الغلاء..

تلك هي نوعية البرامج التي يفضلها القوم، ويقبضون على الريموت كنترول كالقابض على جمرة، عندما يظهر هذا الشيخ أو ذاك…وليس من الغريب أن جمهورها هو في الغالب نفس الجمهور الذي يصفق للانتحاريين، ويبشر بفتح رومية والقسطنطينية ! ويمتدح المستبدين والمجرمين ويقيم لهم التماثيل…. (كما قال درويش : في كل مئذنة حاو ومغتصب، يدعو لأندلس ٍ إن حوصرت حلب)..

ولو لم يتبق أمامي سوى محطتين، الأولى تبث ستار أكاديمي والثانية تبث البرنامج الذي ظهرتُ فيه، فلا بد أنني سأختار المحطة الأولى بدلاً من تتحفني طلعتي البهية في ذلك البرنامج..

لأن ستار أكاديمي ببساطة، واضح .. مع كل عيوبه الكبيرة .. لا يتظاهر مثل البرنامج الآخر بما هو منه براء.. وإنما يقول للناس … هأنذا، فإن شئتم فتابعوني.. ولا يهزأ من البرنامج الآخر كما يفعل هو عندما يحذر الشباب من البرنامج الأول..

وفي النهاية، كم كان صادقاً الشيخ الذي دعا بصراحة إلى :

الإجهاز !.. على الفيديو والتلفاز !

يعني لو أطاعوه.. مش كانوا ارتاحوا و ريحوا!!

كروبوتكين .. وأفكاره الفدرالية (2)

مارس 29, 2008

 

للمفكر الأناركي الإيطالي Camillo Berneri
نشرت لأول مرة سنة 1922

(ترجمها للعربية محمد عبد القادر الفار)
.

من النصوص التي نشرها كروبوتكين ما بين عامي 1879 و1882 ضمن مقالاته “الثورة” (Révolté) في جنيف، يتضح لنا أن كل ما زوده به النظام الإداري للغرب هو مواد إضافية لانتقاداته ضد الدولة، بل وعمل على ترسيخ أفكاره الفدرالية والليبرتارية أكثر فأكثر. فأينما كانت المركزية حاضرة، وجد لها كروبوتكين بيروقراطية نافذة.
“” إنها تخلق جيشاً من الموظفين الرسميين، جالسين كما تجلس العناكب في شباكها، فهم لم يروا العالم أبداً إلا من خلال ألواح زجاج نوافذهم القذرة، ولم يعرفوه إلا من ملفاتهم وصيغهم السخيفة – فرقة سوداء، ليس لها دين غير المال، ولا أي فكر غير التمسك بأي حزب، أسوداً كان أو أرجوانياً أَو أبيض، طالما ظل يضمن لهم أكبر راتب ممكن بأقل قدر من العمل “” P. Kropotkin, Paroles d un revolté

المركزية – التي تؤدي إلى بيروقراطية مفرطة – بدت لكروبوتكين كأحد سمات النظام التمثيلي. رأى في النظام البرلماني نجاحاً لانعدام الأهلية والكفاءة، ووصف بسخرية بديعة الأنشطة الإدارية والتمثيلية لعضو البرلمان الذي لا يـُستدعى ليتعامل أو يتصرف بشأن أمور هو كفؤ لها، بل يـُطلب منه أن يصوت على سلسلة مقترحات ذات تنوع لا محدود، نابعة من تلك الماكينات الضخمة التي تشكل الدولة المركزية.”" سيكون عليه أن يصوت على الضرائب المدفوعة على الكلاب، وعلى إصلاح التعليم الجامعي، دون أن يكون قد خطا خطوة واحدة داخل جامعة من قبل أو تعرف في حياته على كلب ريفي. سيكون عليه إبداء رأيه حول إيجابيات بندقية غراس (Gras Rifle) وحول اختيار موقع اصطبلات الدولة. سيكون عليه أن يصوت حول الفيلوكسيرا التي تصيب الحبوب (آفة زراعية، المترجم)، وحول التبغ، وحول التعليم الابتدائي، وتحسين الأوضاع الصحية في المدن؛ حول كوتشين، والصين، وغيانا، وحول المداخن، وحول مرصد باريس. هذا العضو البرلماني لم ير جنوداً في حياته إلا في المناورات، لكنه سيرتب فيالق الجيش، لم يقابل عربياً في حياته، لكنه سيقوم بإعادة صياغة الشريعة الإسلامية في الجزائر. سيصوت على قبعة الشاكو أو الكيبي (أنواع قبعات عسكرية، المترجم) وفق ذوق زوجته. سيحمي جهاز حفر الأرض ويضحي بالحبوب. سيدمر كروم العنب ظاناً أنه يحميها. سيصوت للتشجير في مقابل التعشيب، وفي نفس الوقت يحمي المراعي في مقابل الغابات. سيكون عليه أن يظهر مقدرته في أعمال البنوك، سيقوم بالتضحية بقناة أو بسكة حديدية دون أن يعرف حتى في أي جزء من فرنسا تقع هذه أو تلك. سيضيف نصوصاً جديدة للقانون دون أن يكون قد تشاور بشأنها مع أحد. هو بروتيوس حقيقي (بروتيوس هو إله إغريقي واستخدمه هنا كناية عن شخص متعدد المواهب، المترجم)، خبير في كل شيء، وسلطته واسعة، اليوم جندي وغداً رجل خنازير، ثم خبير بنوك، ثم أكاديمي، ثم مكنس للشارع، ثم طبيب، ثم عالم فضاء، ثم مصنـّع أدوية، ثم دباغ، أو مقاول، على حسب تعليمات ذلك اليوم في البرلمان. هو لا يعرف أبداً لحظة تردد. وبحكم اعتياده على مقدرته كمحام، أو صحفي، أو خطيب عام، هو يتحدث في أمور لا يعرف عنها شيئاً، يصوت على كل تلك الأمور وغيرها بفرق واحد فقط : ففي حالة الصحف هو بالكاد يسلي نفسه بشائعاته، وفي قاعة المحكمة يوقظ صوته القضاة الغافين فقط، بينما في البرلمان فهو سوف يسن القوانين لثلاثين أو أربعين مليون نسمة. “” P Kropotkin, Paroles d un revolté.

لكن الدول الغربية، ومعها الإدارات السخيفة للأنظمة البرلمانية المركزية، كشفت له عن القوة الهائلة، التي يمكن ملاحظتها بشكل أكبر وأكثر تعقيداً في “المير” الروسي (المشاعيات الفلاحية)، أو الاتحادات الحرة التي “” تمتد لتغطي كل فرع من فروع الأنشطة الإنسانية “”، والتي جعلته يعلن أن “” المستقبل هو في أيدي الاتحادات الحرة وليس في أيدي الحكومات المركزية”". والسنوات التي قضاها كروبوتكين في إنجلترا بشكل خاص - حيث استقلال الشعب والتطور الضخم للمبادرة الفردية لم يكن من الممكن ألا يدهش الأجنبي القادم من الدول السلافية أو اللاتينية - جعلته يعلق أهمية عظيمة – وأحياناً زائدة – على الاتحادات.

ومن معرفته المباشرة بالعالم الغربي، أضاف كروبوتكين نزعة جديدة لدراساته. فكروبوتكين الذي كان جغرافياً في روسيا، أصبح مؤرخاً متحمساً في بريطانيا. كان يتمنى أن يفهم الدولة وكان يعرف أنه في سبيل ذلك “” يوجد طريق واحد فقط، وهو دراستها في سياق تطورها التاريخي”". واكتشف بحماس أن النزعة العامة للعلم هي
“” تلك النزعة لدراسة الطبيعة ليس من نتائجها الضخمة واستنتاجاتها الكبيرة، بل عوضاً عن ذلك من خلال دراسة ظاهرة منفردة، ومن خلال عناصر منفصلة”". فالتاريخ أيضاً يكف عن كونه تاريخ السلالات الحاكمة، ليصبح تاريخ الشعوب. وإذا كان ذلك الأسلوب أفضل بكثير كمنهج تاريخي فهو كذلك أيضاً كمنهج فكر فدرالي، لأنه يصبح واضحاً أن التغيرات التنموية العظيمة لم تجر أحداثها في البلاطات والبرلمانات، بل في داخل المدن والأرياف.

رأى كروبوتكين –الذي نذر نفسه للدراسات التاريخية – في المركزية المفرطة للإمبراطوية الرومانية سبب انهيارها. وفي عصر الكوميونات نهضة العالم الغربي.
“”إنه في منح الكوميونات أعضاءها حق الاقتراع، وفي تمرد الشعوب والكوميونات ضد الدولة، حيث نجد أكثر صفحات التاريخ جمالاً. عندما ننظر إلى الماضي، فإننا لا نلتفت إلى لويس الحادي عشر أو لويس الرابع عشر أو كاثرين الثانية، بل إلى كوميونات جمهوريات أمالفي، وفلورسنا، وتولوز، ولاون، ولياج أو كورتراي، و أوغسبرغ ونورمبرغ، بسكوف و نوفغورود.

في محاولة منه لأخذ أمثلة من مجتمع العصور الوسطى، وقع كروبوتكين في عدة أخطاء في التفسير، عائدة –بشكل رئيسي - إلى حقيقة أن النصوص التي أخذ بها (مثل كتابات سيسموندي) لم تكن متطورة بنفس درجة الدراسات التاريخية المعاصرة. ولا حاجة بنا للتفكير -بالرغم من ذلك- كالأشخاص السطحيين الذي فكروا أن كروبوتكين تصور عهد الكوميونات كنوع من العصر الذهبي. “” سوف يقال، بلا شك، أنني نسيت الصراعات والنزاعات الداخلية التي يمتلئ بها تاريخ الكوميونات، والمعارك المريرة ضد النبلاء، وتمرد “الفنون الناشئة ضد “الفنون القديمة”، وإراقة الدماء والانتقامات التي كانت تحدث دائماً خلال تلك المعارك. لا، لم أنس شيئاً. ولكن، مثل ليو و بوتا Leo and Botta مؤرخي جنوبي إيطاليا، ومثل سيسموندي، فراري، جينو كابوني وآخرين كثر، أستشهد بأن هذه المعارك كانت في حد ذاتها البرهان على حرية الحياة في المدن الحرة”" (انظر إلى كتابه “الاستيلاء على الخبز” ). كانت “صراعات المصارين أو الأمعاء” تلك، حسب كروبوتكين، التي أتاحت تدخل الملوك وميل تلك الكوميونات للانغلاق على نفسها في داخل جدرانها. (”Paroles d un Revolte”)

حقل تاريخي آخر تحرى عنه كروبوتكين كان الثورة الفرنسية، كان معارضاً لبرجوازيي 1789 الذين “” كانت غايتهم المثلى هي محو كل القوى المحلية التي شكلت في ذلك الوقت وحدات تلقائية كثيرة داخل الدولة. أرادوا تركيز كل القوى الحكومية في أيدي سلطة مركزية تنفيذية، محكومة بصرامة من قبل البرلمان، ولكن أيضاً مطاعة بصرامة داخل الدولة، وتشمل كل دائرة — الضرائب، المحاكم القانونية، الشرطة، الجيش، المدارس، الإشراف المدني، الاتجاه العام للتجارة والصناعة—كل شيء”"
(”The Great French Revolution”).
لام كروبوتكين الجيرونديين على محاولاتهم لحل الكوميونات، وأشار إلى أن فدراليتهم كانت فقط شعارا مرفوعاً كمعارضة، وأن أفعالهم أظهرت أنهم على نفس الدرجة من تفضيل المركزية مع المونتغراديين. (الجرونديون والمونتغراديون أسماء لكتل سياسية مهمة في عصر الثورة الفرنسية، المترجم).

ووفقاً لكروبوتكين، فإن الكوميونات كانت روح الثورة الفرنسية، وأعطى لذلك تصورات شاملة للحركة الكوميونالية، راغباً في إظهار أن أحد الأسباب الأولية لتدهور المدن كان إلغاء الاتحادات كاملة الصلاحيات للمواطنين، والتي أشرفت على العدالة والإدارة.

كان عصر الكوميونات وعصر الثورة الفرنسية بالنسبة لكروبوتكين، كما كانا لسالفيميني Salvemini، الحقلين التاريخيين اللذين وجد فيهما تأكيداً على أفكاره الفدرالية، وعنصرين فاعلين في تطور مفهومه التحرري للحياة والسياسة. ولكن ظل حياً فيه دائماً سجل ملاحظاته على “المير” الروسي والاتحادات الحرة بين الشعوب البدائية، وهذه الذكريات رسخت فيه فدراليته، التي تجعله أحياناً يبدوعامياً بسيطاً كما في كتابه “الاستيلاء على الخبز”.

يتبع…

الموقع الأصلي للترجمة الإنجليزية التي أترجم عنها

 

 

أين أخطأ الشيخ إمام !

مارس 25, 2008

 

“جيفارا مات” … إحدى أشهر أغنيات الثنائي نجم والشيخ إمام,, كان لها أثر خاص علي دائماً .. ليس فقط لأنها أول ما أسمعه لذلك الثنائي -الذي أصبحت بعد ذلك أردد أغانيه وأعزفها في مناسبات كثيرة- ولا لأنها عن جيفارا الذي أكن له من مشاعر الحب والتقدير ما أعجز عن وصفه.. بل لأنها كانت أيضاً سبباً في أحد مواجهاتي مع المحيطين بي؛ وذلك حين استنكر الكثير منهم عليّ غناءها في مهرجان أقامته المدرسة أيامها لتأبين الإرهابي أحمد ياسين (حيث أخطأت بالمشاركة التي جاءت تجنباً للاتهامات المتوقعة الدارجة في مثل هذه الحالات من قبل العقلية الشعبوية )، ومع أنني قدمت للأغنية باعتبار جميع المناضلين الذين سقطوا وهم يدافعون عن قضايا عادلة شركاء ورفاق، إلا أن التعليقات والسخرية لاحقتني من الكثيرين.

وبرغم تلك العلاقة التي ربطتني بالأغنية -والتي قادتني أخيراً إلى فيديو الشيخ المتخلف السيسي الذي قادني بدوره إلى مقالة تصديت فيها لتجريحه لجيفارا- إلا أن ثمة جملة في الأغنية وقع فيها نجم في خطأ خطير لا ينبغي تجاهله :

“ده منطق العصر السعيد، عصر الزنوج والأمريكان”

والحقيقة أنني كنت أتجنب هذه الجملة دائماً عند غناء الأغنية، وأستعيض عن “عصر الزنوج والأمريكان” بكلمات أخرى أو حتى أكتفي بالعزف خلالها… لأن تلك الجملة تنطق بعنصرية هي أبعد ما يكون عن كل قيم الشيوعية والاشتراكية.. قيم جيفارا نفسه الذي يرثيه نجم!

وأول ما يتبادر إلى الذهن عند سماع كلمة “الزنوج” التي جاء بها نجم هنا في غير مكانها، بل في أسوأ مكان على الإطلاق، هو نظام الأبارتيد العنصري في جنوب افريقيا… كما أن وصف “الأمريكان” هو أيضاً وصف خاطئ يجعلنا في مواجهة شعب كامل (بل إن جيفارا نفسه هو أمريكي في النهاية!.. لأنه من “أمريكا” اللاتينية).
وإنما كان يجدر بنجم اختيار وصف آخر للتعبير عن الإمبريالية الأمريكية لا الإساءة إلى شعوب كاملة بهذا الشكل، خاصة وأن الأمريكيين قدموا للعالم نخبة من العلماء والمفكرين والفلاسفة والفنانين والأدباء لا يمكن تجاهلهم (وكثير منهم اشتراكي!).. والتفريق بين النظام والشعب هو قاعدة انطلق منها نجم نفسه في كثير من شعره، لا سيما ذلك الذي جاء رداً على تصرفات أنور السادات التي أدت إلى عزلة مصر عربياً..

منها قوله : “”يا عرب في أي مصر.. اسمعوا صوت أهل مصر … مصر أوفى من زمان .. وانتوا عارفين شعب مصر”"

لا أقصد من هذا الكلام أن أتهجم على نجم والشيخ إمام إطلاقاً … بل شعرت أن من الضروري تنقية تراثهما الجميل من جملة لم يوفقا فيها وهي كافية لتجعلهما -لمن يجهلهما- في مصاف العنصريين الذين هما منهم براء -بدليل أغانيهما الأممية الكثيرة التي حيت نضال كافة الشعوب- ..

ولكل جواد كبوة، وتدارك هذه الكبوة في أغنية “صرخة جيفارا” لا زال ممكناً.. فلنغن الأغنية دون تلك الجملة… أو فلنقل عوضاً عنها :

“ده منطق العصر السعيد، عصر اسرائيل والبانتوستان*”….

وتحية إلى الفاجومي الذي نحبه من القلب :)

*البانتوستان : اسم كان يطلق على الكيانات المتعددة التي أقامها نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا لعزل السكان السود وتفريقهم.

محمد عبد القادر الفار
mohammed.alfar@hotmail.com
الحوار المتمدن - العدد: 2232 - 2008 / 3 / 26

………………………

رد الكاتب عديد نصار على ذلك المقال بمقال نشره الحوار المتمدن في 3/03/2008 .. من هنا

وقادني رده المنطقي إلى نشر تدوينة جديدة هنا.

كروبوتكين .. وأفكاره الفدرالية (1)

مارس 23, 2008

محمد عبد القادر الفار
mohammed.alfar@hotmail.com
الحوار المتمدن - العدد: 2230 - 2008 / 3 / 24
المحور : ابحاث يسارية واشتراكية

للمفكر الأناركي الإيطالي Camillo Berneri

(ترجمها للعربية محمد عبد القادر الفار)

أحد أهم سمات أفكار كروبوتكين السياسية هي فكرة الفدرالية التي تتردد في كتاباته باستمرار وتشكل أحد العناصر الأساسية في إديولوجيته الأناركية.

مع أن فدرالية كروبوتكين ليست نظرية نظامية ولا يمكن تفريقها بوضوح عن فدرالية برودون أو باكونين، إلا أنها تقدم خصائص متنوعة تجعل دراستها أمرا مهما.

وللقيام بدراسة من هذا النوع، يلزمك استطراد مطول في السيرة الذاتية لكروبوتكين من أجل تسليط الضوء على بدايات أفكاره الفدرالية وارتباطها بالبيئة المحيطة بها حيث كونت تلك الأفكار نفسها وتطورت.

الكاتب “أدريانو تيلغر” في معرض كتابته عن كروبوتكين، أصاب عندما علق بقوله :
” من المستحيل أن تفهم الروح الحقيقية للحركة الأناركية إذا لم تفكر فيها –تاريخيا- على أنها ردة فعل ثورية وعنيفة ضد التحول العميق في إقامة الدولة في القرن التاسع عشر”.

كروبوتكين، “الأمير الأناركي”، يقدم لنا المثال الأفضل لتأكيد ذلك.

فسيرته الذاتية الواضحة والمفصلة تتيح لنا اتباع المراحل المختلفة لتطور فكره الفدرالي، خطوة بخطوة.

في عمر التاسعة عشرة، كان ضابطاً للقفقاز، وذهب إلى “ترانسبايكاليا” حيث شدت انتباهه وحماسه الإصلاحات الكبيرة التي شرعت بها الحكومة سنة 1862 وتولتها الإدارة العليا لسيبيريا. وكسكرتير لمجلس الحكومة، كان على صلة مباشرة بأفضل الموظفين المدنيين، وبدأ دراسة المشاريع المتنوعة لإدارة الحكومة المحلية. لكنه بعد فترة قصيرة جداً وجد أن الإصلاحات المقترحة من قبل مديري المقاطعات والمحمية من قبل الحكام العامين، كانت خاضعة لتعليمات وتأثير الحكومة المركزية. وكشفت له الحياة الإدارية السخافات اليومية في النظام والمنهج المتبع.

ولما رأى استحالة تحقيق أي نوع من الإصلاحات، اشترك كروبوتكين سنة 1863 في حملة استطلاعية حول نهر “أمور”.

وهناك حدثت عاصفة غرق خلالها أربعون مركباً لتحميل البضائع وتمت خسارة 2000 طن من الطحين. هذه الكارثة أتاحت له الفرصة للتعرف على النظام البيروقراطي بشكل أفضل. رفضت السلطات تصديق الحدث، بينما أظهر الموظفون المدنيون المعنيون “بالشؤون السيبيرية” في بيتروغراد جهلاً تاماً بكل ما هو أصلاً من صميم تخصصهم. وقال له أحد كبار الموظفين: “ولكن يا زميلي العزيز، كيف يمكن لأربعين مركباً أن تتدمر في نهر “نيفا” دون أن يقفز أحد لإنقاذها !”، وعندما رد كروبوتكين عليه بأن نهر الأمور أكبر بأربع مرات من نهر نفيا، سأل الموظف المندهش : “ولكن أهو حقاً بهذه الدرجة من الضخامة؟”وتجاهل الأمر منزعجاً للحديث في أمر بهذه التفاهة.

ذهب كروبوتكين إلى “منشوريا” فاقداً ثقته في الحكومة المركزية أكثر من أي وقت مضى. وربما تذكر بيروقراطيي بيتروغراد عندما رفض موظف رسمي من الإمبراطورية السامية جواز سفره على الحدود الصينية لأنه كان يتكون فقط من صحيفة متواضعة من الورق المختوم، مظهراً في نفس الوقت أكبر الاحترام لنسخة قديمة من جريدة موسكو المكتظة، والتي أبرزت له على أنها جواز سفر.

وكملحق “للحاكم العام لشؤون القفقاز”، أجرى كروبوتكين استعلاماً دقيقاً عن الظروف الاقتصادية لقفقازيي نهر “أوسوري”. وعند عوته إلى بيتروغراد، تمت تهنئته، وترقيته، وحظي بمكافآت خاصة. لكن مقترحاته لم توضع حيز التنفيذ بسبب الموظفين الرسميين الذين سرقوا المال واستمروا في تبديد جهد الفلاحين، بدلاً من تزويدهم بالمواشي، أو تفريج آثار المجاعة بالاستجابة السريعة والإسناد المناسب.

“وهكذا استمر الحال في جميع الاتجاهات، بدءاً بقصر الشتاء في سانت بطرسبرغ وانتهاء بالأوسوري وكامتشاتكا، حيث تم التأثير على الإدارة العليا لسيبيريا بالنوايا الممتازة، ويمكنني فقط أن أكرر أنها الآن–بأخذ كل شيء بالاعتبار- أفضل بمراحل، وأكثر تنوراً بمراحل، وأكثر اهتماماً بمراحل بصالح الناس ورفاهيتهم من إدارة أي مقاطعة أخرى في روسيا. لكنها إدارة واحدة، وفرع من شجرة تقع جذورها في سانت بطرسبرغ، وهذا كان كافياً لشل كل نواياها الممتازة، وكافياً لجعل تلك الجذور تتدخل في كل بدايات الحياة المحلية والتطور، وقتلها.
وكل ما كان الأهالي المحليون يشرعون بفعله لمنفعة البلدة كان يـُـنظر إليه بتشكك ويتم شله بالصعوبات الكثيرة التي تأتي، ليس -في الجزء الأكبر منها- من النوايا السيئة للإداريين، بل ببساطة من حقيقة أن أولئك الموظفين الرسميين كانوا ينتمون إلى إدارة مركزية هرمية.
الحقيقة الأساسية عن انتمائهم لحكومة تشع من عاصمة بعيدة جعلتهم ينظرون إلى كل شيء من وجهة نظر مسؤولي الحكومة، الذين يهمهم أولاً ما سيقوله رؤساؤهم في الوظيفة وكيف سيظهر هذا الشيء أو ذاك في الآلية الإدارية. أما مصالح البلدات فهي أمر ثانوي.”

وبموازاة معرفته بعدم كفاءة هياكل الإدارة المركزية، كانت ملاحظاته عن “” الاتحاد الحر لأولئك الذين تجمعهم مصالح مشتركة”" والتي قام بها خلال رحلته الطويلة في سيبيريا ومنشوريا، وتلك الملاحظات أسهمت أيضاً في تشكيل شخصيته الأناركية. حيث رأى بوضوح الدور الذي لعبته الطبقات الدنيا المغمورة في أحداث تاريخية عظيمة، وفي تطور الحضارة. وهذا الفهم، كما سنرى لاحقا، أثر في كل نقده السوسيولوجي، وكان أساسياً لمنهجه في البحث التاريخي.

وعندما ذهب كروبوتكين إلى سويسرا، تأثرت ميوله الليبرتارية والفدرالية باتصاله باتحاد “جورا” الذي أظهر ميولاً واضحة للأناركية واللاسلطوية سنة 1872. والجدير بالذكر أن تطور هذه النزعات نجم بالشكل الأكبر من المركزية القوية – أو حتى الاستبدادية- لسيطرة الأممية الأولى.

ومن الضروري إضافة أن مناضلي اتحاد جورا تشربوا أناركية باكونين الذي هو في الأساس فديرالي. وبالنسبة لكروبوتكين، وكما يقول هو عن نفسه، لم يكن أبداً على اتصال مباشر بباكونين.

وعند عودته إلى روسيا، أصبح على صلة مباشرة بمجموعات مفكري الجناح الأيسر، وأدرك من جديد عدم جدوى محاولات أولئك الذين حاولوا تجديد البلدات عن طريق” الزيمستفو” (وهو شكل للحكم المحلي سمح به القيصر ألكسندر الثاني، المترجم) . فمحاولات من هذا النوع صار يشتبه بكونها انفصالية أو محاولات لتشكيل دولة داخل الدولة وجرى اضطهادها لدرجة أن أي محاولة لتحسين الإدارة الريفية في ما يتعلق بالخدمات الصحية أو المدارس كانت تمنى بفشل كبير ويحل من ورائها خراب يلحق مجموعات كاملة من الأعضاء المنتخبين للزيمستفو.

وبالرغم من الإحباطات التي شهدها من خلال خبرته الإدارية، بدأ كروبوتكين العمل مرة أخرى قبل مغادرته لروسيا. فعندما ورث أملاك أبيه في “تامبوف”، ذهب ليعيش هناك ووهب كل طاقته للزيمستفو المحلي. لكنه أجبر مرة أخرى على إدراك حقيقة استحالة إقامة المدارس أوالجمعيات التعاونية أو المصانع النموذجية، بدون خلق ضحايا جدد للحكومة المركزية.

يتبع…

الموقع الأصلي للترجمة الإنجليزية التي أترجم عنها

إلى الأم … نبع الحياة الظافرة

مارس 21, 2008

حمله مشكورا على اليوتيوب mujaqo

………………….

 نشيد للأمهات …

مكسيم غوركي

لنحتفل بالمرأة الأم التي لا يعرف حبها الموانع … هي التي أرضعت الكون . . .

كل مافي الإنسان من جميل، كل مايملؤنا حباً للحياة يصدر عن أشعة الشمس، وعن حليب الأم . . .

المرأة أم العالم وما هي تلك لأنها تنجب له الأولاد وحسب،

 بل وهذا هو الأساسي لأنها تكوّن الإنسان مُعطية ً إياه خيرة مباهج الحياة . . .

الأزهار لا تتفتح بدون الشمس والسعادة لا وجود لها بدون الأم . . .

والحب لا وجود له بدون الأم ( المرأة ) والشعراء والأبطال لا وجود لهم بدون الأم . . .

كل اعتزاز العالم مبعثه الأمهات . . .

كل ماهو جميل على الأرض يتولد من الحب للمرأة . . .

الأم عدو الموت…

أيتها الأمهات أنتن ملايين ومئات الملايين..

فلم لا تصرخن قائلات لأولادكن الذين فقدوا الصواب ..

  كفى ! إننا نمنعكم عن التقاتل فيما بينكم ..

  جئنا بكم إلى الدنيا من أجل الحياة من أجل العمل ..

  من أجل أن تزدهر عبقريتكم الخلاقة..

  من أجل أن تجدوا الفرح..

  من أجل أن تجعلوا الحياة أكثر صواباً وأكثر عدلاً وأكثر جمالاً ..

فلنمجد المرأة الأم .. الينبوع الثر للحياة الظافرة..

جيفارا … والشيخ السيسي !

مارس 21, 2008

sisi.jpg

جيفارا  …  والشيخ السيسي !

كنت أبحث في موقع اليوتيوب عن فيديو للشيخ إمام في أغنية “صرخة جيفارا”، وإذا بنتائج البحث تفاجئني بفيديو بعنوان: “الشيخ أحمد السيسي يتحدث عن جيفارا”.

ومن الطبيعي أن أتساءل ماذا يريد هذا السيسي من جيفارا؟؟

لا بد أن أتوقع ما يمكن لشيخ أن يقوله في حق جيفارا… وقد سبق لي أن تقيأت على الشاشة عندما صدمتني مقالة لأحدهم بعنوان “جيفارا وآخر حقارة” بلغت فيها همجيته وصف جيفارا بأنه جيفة هالكة!

لكن لم العجلة.. ألا يمكن أن يكون السيسي هذا مثل جيفارا..”" يقشعر من الغيظ كلما صادف ظلماً”"…. وساءه ما نال جيفارا من زملائه الشيوخ أو أهل “”العلم”" من تجريح .. فأراد أن ينصفه..

وما إن بدت لي التعليقات على الفيديو حتى انتفت الحاجة إلى تشغيله… “المكتوب باين من عنوانه”

وهذه بعض الدرر …

***
“ومات الكافر الملعون هل نسيتم ابطال المسلمين هل نسيتم احمد ياسين والقائد خطاب وابو الوليد والزرقاوى الذى ارغم انوف الصليبين جيفارا كلب كافر شيوعى حاقد انصح كا مسلم ان يستمع للشسيخ احمد السيسى حفظة الله وهو يتكلم عن جيفار الملعون الهالك”

….

“احسنت احسنت احسنت”

….

“جزاكم الله خيرا أخي الفاضل”

***

ذلك غيض من فيض مما يمكن أن تتحفك به هذه العقول المتحجرة والقلوب الميتة!

وما الذي كان يمكن أن تتوقعه من نفوس قاحلة - بلغ فيها قيء البداوة وساديتها مبلغ الحناجر- سوى تشكيل جوقة من المهرجين لتنهش بإنسان بقامة جيفارا!!

ورغم كل ذلك.. قررت أن أستمع للسيسي.. لعل في جعبة الرجل ما يقيم به الحجة علي.. تماماً كما كان أبو حنيفة يقيم الحجة على الدهريين… لم لا… لعلي أصبح من مريدي الزرقاوي كما أرادني ذلك الأخ المعلق… ألا يمكن أن يفحمني السيسي بمنطقه لأصبح من المبهوتين…؟!

انتظرت اكتمال التحميل بفارغ الصبر على مقولة “وقوع البلا ولا انتظاره”…

واكتمل التحميل…
.
.
ظهرت المقدمة : منتديات طالب علم ,,

(ومن المفترض هنا أن تتوقع من طلاب العلم هؤلاء أن يأتوا لك بدراسة أو بحث أو تقرير علمي… ولكن إذا كانت لك أدنى خبرة بهؤلاء القوم لعلمت أن لكلمة “العلم” عندهم معنىً مختلفاً تماماً عن كل ما يمت للمعنى الأصلي بصلة)…

“مقطع هام عن جيفارا للشيخ أحمد السيسي”

وفجأة… انطلقت وصلة من الصياح من رجل يشع النور من وجهه على نحو يضر بالقرنية…

وتحته كتب بخط كبير :

خطبة بعنوان “رحمة للعالمين” !!!

أخذ الصوت الجهوري يستنكر انتشار صور جيفارا -”"الشيوعي الكافر الزنديق”" على حد تعبيره- على ثياب الأولاد والبنات والسيارات…

وهنا يتجلى الفن والابتكار لتنقسم الشاشة إلى قسمين بالطول … الأيمن للشيخ المتيقظ (جعلنا الله وإياه من أهل اليمين) والثانية تعرض صوراً لجيفارا مع إشارة X سوداء كبيرة (وكأنك تستطيع شطب إنسان بإشارة إكس… وهي تدل على طريقة البعض الإقصائية في إلغاء الآخر)…

يتابع الصوت كلامه… وتركز الشاشة اليسرى على صورة جيفارا وهو مقتول… تقربها وتوقفها… بشماتة مقززة…

sisi2.jpg

وهنا يتهم الصوت من يعلقون صور جيفارا بالجهل، مطلقاً الكلام على عواهنه… ولم لا يفعل.. وهو يطلق حقده أمام جموع من المتلقنين الذين لا يفعلون شيئاً سوى انتظار دعائه بتيتيم الأطفال وتثكيل النساء ليرفعوا أكف الضراعة وتنهمر منهم دموع النفاق والاستعراض .. لم لا يفعل وهو واثق من أن العشرات ستسارع إلى تحميل حقده على الإنترنت لنشره للعالم دون تفكير أو تدبر…..

يتهم السيسي رافعي صور جيفارا قائلاً “ربما بعضهم لا يعرف من هذا الملعون”…

لنر الآن مدى معرفة السيسي بجيفارا كما سيتضح من كلامه … أو بمعنى أدق : صياحه ….

وهنا صدمني ادعاء غريب أتحفني به السيسي :

“سقطت الشيوعية في بلادها … وما زال الشيوعيون العرب يتلمظون غيظاً باحثين عن فرصة يقفزون منها إلى واجهة الأحداث ! “

ولا أعرف لماذا يحرج الرجل نفسه أمام ملايين مستخدمي النت بهذا الكلام المضحك… يتحدث عن سقوط للشيوعية، علماً بأننا نعرف أن الذي سقط هو الاتحاد السوفييتي ومعه الكتلة الشرقية التي تمثل “”بيروقراطية”" اليسار، ولا علاقة لسقوطها بسقوط الفكر … فالشيوعية لم تبدأ بالاتحاد السوفييتي لتنتهي بانتهائه …
أما “”التلمظ”"… فقد أصبح واضحاً للجميع من هو المتلمظ يا صديقي السيسي…

وهنا يقفز السيسي قفزة لا يجيدها إلا بهلوان تدرب في السيرك طويلاً

“لقد سلمهم عبد الناصر الدولة قديماً … فتحكموا بالصحافة والإعلام وفعلوا ما يريدون .. فمرغ الله أنوفهم بالنكسة الناكسة.. حتى تواروا بالحجاب”

وهنا فعلاً بدأت أشعر ببعض الأسى على الرجل الذي زج بعبد الناصر في غير مكانه بطريقة ستضحك أي عاقل عليه…

عبد الناصر سلم الدولة للشيوعيين ؟؟ … هل فعل بربك؟؟ يا خرابي!…

هل تعرف أين كان يقضي معظم الشيوعيين أوقاتهم في حقبة عبد الناصر يا سيسي…؟؟
هل تعرف شيئاً عن الاختلافات الجوهرية بين عبد الناصر والشيوعيين؟؟
وهل كان الشيوعيون يؤيدون نظام تحالف قوى الشعب العاملة أي التعاون الطبقي التحريفي والاحتفاظ بالرأسمالية الوطنية؟؟
ماذا عن موقف عبد الناصر من عبد الكريم قاسم؟؟

لا أعرف على من يضحك بذلك الكلام.. “” سلملي على جوزك يا اسماعيل بيه “”…

أما النكسة الناكسة… فهي لا تأتي شيئاً أمام الخيبة الخائبة التي يطالعنا بها المتحذلقون والمتشدقون على أمة الله الغلبانة.. والتي تنتظر بفارغ الصبر انتهاء الخطبة لترفع أكف الضراعة ليدعو كل واحد منهم في سره - بعد التأمين على التيتيم والتثكيل- بأن يهبه الله قوة عشرة رجال في الجماع، أو يرزقه من حيث لا يحتسب بما يمكنه به أن يحصن نفسه… بزوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة!!

أما قمة الكوميديا فتتجلى في توصيف الشيخ لحالة انتشار صور جيفارا

حيث وصفها “بالغثائية .. الإمعية .. أصبح الناس إمعات… جهلة … لا يعرفون شيئا… يرسم لهم من يرسم الطريق فيسيرون”

أضحك الله سنك يا سيسي… كأني بك تصف بدقة كل من نشر الفيديو… وكل من سيسارع بعد انتهاء كلامك إلى صور جيفارا المعلقة في الشارع لينزعها.. أو ربما يفجر نفسه وسط مجموعة من الشبان الذين يرتدون هذه القمصان… الملعونة!

والأكثر من هذا هو أن الشيخ يحذر من أن نشر صور جيفارا إلى هذا الحد يمكن أن يؤدي إلى محبته أكثر من قبل الناس……….

وما أكثر الصور التي نراها يا صديقي…ولو كانت المحبة بكثرة الصور .. لوقع الناس في غرام هذا المرشح أو ذاك من مرشحي الانتخابات النيابية..
كما أن صور صدام وبن لادن والزرقاوي وغيرهم منتشرة هي الأخرى… ولم أخش على نفسي في يوم من الأيام من أن أقع في حب أي منهم… ولو كان الناس يقعون في غرام جيفارا هكذا من أول نظرة بسبب وسامته -في مقابل طلعتك البهية- … ما كانش حد غلب…

دعك يا صديقي من الكلام بهذا المستوى…. لأن الإخلاص للحقيقة في الفكر… والتضحية للقضايا النبيلة هو ما يشد الناس إليك… وليست الصور!!!!

يواصل السيسي : “كان شيوعياً عاتياً … أهلكه الله تعالى في غابات أمريكا الجنوبية!”

ولا أعرف ما يريده الشيخ من الجملة الأخيرة بالذات…
هل يريد استعراض معرفته بجيفارا… ربما
أما “أهلكه الله”… فهذه وحدها تحتاج إلى وقفة طويلة…

لم لم يأت الشيخ على ذكر أولئك الذين أهلك الله جيفارا على أيديهم… لم تجاهلهم؟؟؟… لم لم يذكر سبب قتل جيفارا؟؟؟… لم لم يذكر ما كان جيفارا يفعله في تلك الغابات التي هلك فيها؟؟؟ لم اختصره بقوله “كان يقاتل في سبيل الطاغوت”

ربما لأن أحداً من المتلقنين لن يسأله … لأن الجدال لجاجة مكروهة…ربما…

وربما لأنه لا يعرف… هذا وارد بقوة أيضاً…

أو حتى لا يطيل على المساكين الذين ينتظرون دعاوي التيتيم والتثكيل… ممكن برضه

وربما أيضاً لأن الإله في نظر البعض هو نفسه من قتل جيفارا وحارب منهجه وخلق صنائعه ومهرجيه لمحاربة قضيته النبيلة باسم الدين أحياناً… هذا هو الإله في نظر البعض!

فربما كان البعض يعبد النظام الأمريكي…. أمريكا الشمالية يا شيخ… اطمن

ولأن الشيخ مصر على الحديث عن الشيوعية.. محاولاً إلباس جرائم النظم الستالينية لجيفارا الذي هو منها براء، فإنه يواصل الحديث بالأرقام عن الضحايا المسلمين الذين سقطوا على يد الاتحاد السوفيتي والصين وغيرهم… مع أن معظم الشيوعيين الإنسانيين يتبرؤون من تلك الجرائم تماماً مثلما يتبرأ كثير من المسلمين من أعمال همج القاعدة أو كما تبرأوا من أعمال باساييف الذي لن ينسى العالم له مجزرة مدرسة بيسلان للأطفال.. والذي ذكره السيسي مع الأبطال الذين يجب أن نرفع صورهم عوضاً عن جيفارا!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

كما أن تقسيم ضحايا أنظمة ستالين وماو وغيرها حسب الديانة هو تقسيم طائفي عفن، لا يتقبله من يتحلى بذرة إنسانية!

أشعر أنني اكتفيت من التعليق على وصلة الردح السوقية هذه .. والتي سماها صاحبها - وكأنه يسخر منا- “رحمة للعالمين”…

وسأختم بهذه الكلمات لل”زنديق” جيفارا

“لا يهمنى متى واين سأموت، لكن يهمنى ان يبقى الثوار منتصبين، يملأون الارض ضجيجاً، كى لا ينام العالم بكل ثقله فوق اجساد البائسين والفقراء والمظلومين”

“إنني أحس على وجهي بألم كل صفعة توجه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني”

“إن الطريق مظلم وحالك ..فإذا لم تحترق انت وانا فمن سينير الطريق؟ “

“لا بد احيانا من لزوم الصمت ليسمعنا الاخرون …. والصمت فن عظيم من فنون الكلام … هو حوار بطريقة مختلفة”

“لا يمكنك أن تكون واثقاً من وجود شيء تعيش من أجله… حتى تكون مستعدا للموت في سبيله”
وهو ما حدث فعلاً….

هذا هو جيفارا…… فإما أنك تحبه…. أو أنك لا تعرفه !

محمد عبد القادر الفار / الحوار المتمدن - العدد: 2227 - 2008 / 3 / 21

سلمى 3

مارس 20, 2008

سلمى 3

.

- شفاعة -

قد غابَ عني وحيُ سلمى مدة ً

حتى فــَــزِعْت ْ….

يا أخت نوفل لا تغيبي

أنت ِ ما أتلو وما يوماً سَمــِعْــتْ

أخشى إذا طال انتظارك ِ

من قنوطي قتلَ نفسي

إن على موتي استطعْـتْ…

أخشى الغرانيق العلى

وأخافُ رفضي إن شَـفعْـتْ

” لا تتركيني شاحباً “

أرأيت ِ كيف غدوتُ أسرقُ وحيَ غيري

إذ ْ مُــنـِِعـْـت ْ !

لا تمنعيني وصلك ِ

بل كمّـلي نقصي وقولي

” أنتَ عبدي.. فاستقم..

هلا ركــَعْت……  “

قالت كفى

لا لستَ عبدي !

لستُ ؟؟

لا !!

ولـِـعلمك َ … الإلحاحُ عندي

ليسَ مندوباً ولا

أرضى بذلٍّ أو نـصَـبْ !

هلا سألتَ عن السبب …

هلا هممتَ بأن تعالجَ ما الغيابُ به وجبْ  !

فسألتها

ماذا جرى؟؟

قالت :  تــُوُفــِّيَ .. قلت ُ : مـَن ؟؟

صوصٌ ببيتك من شهور !

صوصٌ أيا سلمى ؟؟؟؟!

نعم !

شاهدتــَهُ يذوي فقلتَ : نصيبُه ُ

تبـّت يدا صوصي .. وتب ْ

- لكنني أطعمتــُهُ .. وسقيتــُه

لكن تقلــَّصَ وانتكب ْ

قالت : ولم تحزنْ

ولم تشعر بذنب ٍ .. أو غضب ْ

- أفعلت َ ؟؟

- لا..

- طبعاً .. ولا حتى دمعـْـت ْ

ذاك الصغير أكان يحلم بالبلوغ

أم كان يفزع من نضوج ِ عظامه

في قدْركم…

  رُبـَـما بلعتَ صديقــَه ُ… أو أختــَه … أو أمَّــهُ …

في ما بلعــْـتْ…….

يا ماضغاً لحماً ودمّـاً … ذكرياتٍ… أو حناناً

هل شبعـْـتْ ؟؟

هل كنت تلحظ ُ قشعريرة َ قلبه …

ذاك الصغير …

هل كنتَ تسمعها أم استكفيتَ بالتغريد ِ تحسبه غناء ً

إن سَمعْـتْ..

هل كنتَ تسألُ .. ما يقول

إنْ كان يسألُ  .. أين أمي

أين حضنٌ دافئٌ  ..

بالعش كان مهدهدا…

.

منقاره ُ…

هل كان يفتحه .. ويغلقه

سدى …

مستفسراً

منقار أمي أين غاب؟؟

ماذا يهمك أنت يا من نلتَ حقــَّـك إذ رضعْت..

عجباً ..

تــُرى

هل كان يعلم أنه

لو عاشَ أصبحَ ديككم

أو هل تخيَّـلَ عُرفــَهُ .. أو لونه؟؟

أو صوته لمّـا ينادي موقظاً

من قد يكون مجهّزاً سكــّينه

منذ الصباح لذبحه !

مهما توسـَّـلَ قائلاً ..

يا ذابحي

إني بصبح ٍ كنتُ أوقظه .. ضرعْت…

 .

ماذا ستشعر لو علمتَ بأنه

قد كان يدرك كل هذا

هل ستبكي؟؟

فليكن ! …

قد مات صوصك غائراً

في خوفه

من رعبه … لم يحتمل ْ

لو كنت تشعر ما اعتراه وقد ذوى

ما كنت َ بالدنيا طمعْت…

..

أو كنتَ أبصرتَ الهواء َ مربّـتاً

في ريشه.. من رفقه ِ

.

أو دودةً مسكينة ً

حزنت عليه … وأمّــُها

كانت لأمه لقمة ً .. 

لكنها …

غفرت لهم … رغم الأسى

لما رأته يموتُ .. آه ٍ

لو رأيتَ سقوطه ..

هل كنت تسألني لماذا

لم أطق رؤيا بلادة آدمي !

.

والله لولا الدودة المسكينة انتصرَتْ

بموقفها العظيم لأمها

ما كنتُ أدري

 كيف يمكن أن أسامحَ .. فاعتذر ْ

إنْ دُستــَها

أو بالحذاء اللامبالي

أختــَها .. يوماً

صفعْتْ..

.

إذ ْ أنني

لولا شفاعتها …

وربّـك ما رجعْت……..

 .

محمد عبد القادر الفار

.

سلمى 2

سلمى 1

سلمى 4

الصفحة الرئيسية

حان الوقت لتصبح نباتياً !

مارس 19, 2008

  wings.jpg

جوانح !  كانت في الأصل للطيران والتحليق !!!

.

 طالما ظل البشر يذبحون الحيوانات … سوف يظلون يذبحون بعضهم البعض… لأن من يزرع بذور الجريمة والألم، لا يحصد البهجة والحب ..

(فيثاغورس) 

.

 لا بد أن يأتي وقت على البشر، ينظرون فيه لقتل الحيوانات كما ننظر اليوم لقتل البشر…

(ليوناردو دافينشي)

.

إذا هبطت مجموعة من الكائنات الفضائية على كوكب الأرض، كائنات تعتبر نفسها أرقى منك أيها الإنسان بنفس الطريقة التي تنظر بها أنت إلى الحيوانات… هل سترضخ لهم وتقر بحقهم فيك… نفس الحق الذي تزعمه لنفسك في الحيوانات ؟؟!

(جورج برنارد شو) 

.

إن الإنسان المتحرر العقل،  يرى في معاناة الحيوانات أمراً لا يحتمل أكثر من معاناة البشر أنفسهم.. فمعاناة البشر على الأقل يضعها الجميع في خانة الشر ويدين المتسبب بها… بينما يتم ذبح الآلاف من الحيوانات يومياً دون فائدة، ودون أي حزن أو ندم. وإذا اهتم أي إنسان بمعاناتها فسيعتبر الناس ذلك سخفاً…  وهذه جريمة لا تغتفر…..!!

 (رومان رولاند)

.

جميع البشر ” نازيون ” في تعاملهم مع الكائنات الأخرى، فهم لا يتذمرون من القمع والاضطهاد إلا حين يكونون في موقع الضحية، وبعيداً عن ذلك يضحون بغيرهم دون أن ينظروا إليه أو حتى يفكروا !

(إسحق سينغر)

.

مهمتنا يجب أن تكون تحرير أنفسنا.. بتوسيع دائرة رأفتنا وشفقتنا لتضم كل الكائنات الحية وكل الطبيعة وجمالها…

لا شيء سينفع صحة الإنسان ويزيد فرص بقاء حياته على الأرض مثل التحول إلى نظام غذائي نباتي.

(ألبرت آينشتاين)

.

أنا منحاز لحقوق الحيوان تماماً مثل حقوق الإنسان.. وهذا هو الطريق للوجود الإنساني الكامل.

(آبراهام لينكولن)

.

طالما بقيت هناك مسالخ ومجازر ,،، ستبقى هناك ساحات للحروب والقتال.

ما أعتقده بالنسبة لتشريح الحيوانات للأغراض العلمية هو:  أن اتفاق الناس بأن لهم الحق بسلب حياة الكائنات الحية أو تعريضها للخطر للمنفعة العامة، لن تعود معه حدود لقسوتهم !

(ليو تولستوي)

.

 

رفعه مشكوراً على اليوتيوب Johnnyelpistolero

 *

*

*

*

وفي النهاية ———–>

vegan.jpg

ادرس طب … وابتسم للحياة !

مارس 17, 2008

ادرس طب وابتسم للحياة !

 untitled.jpg

 في المسلسل المصري اللطيف “تزوج وابتسم للحياة” وتحديداً في بداية شارة المقدمة، يتقدم كل واحد من أبطال المسلسل ليلخص الزواج بالنسبة إليه بجملة طريفة تعبر عن تجربته الشخصية.

 ومع أنني أصبحت لا أحب “القياس”، وكأنما أصابتني عقدة منه لكثرة ما ابتـُليت به من محاورين يلجؤون إلى الزج به في غير مكانه و بإفراط  “abuse”‏ مستفز، لكنني أجد ما يغريني في قياس خواطري حول دراستي للطب على مقدمة المسلسل، لجهة كون كل تصور تكوَّن عندي حول هذا الموضوع انعكاسا لتجارب “خاصة” جداً، ربما ساعد تكررها بصور مختلفة على بناء مواقف واتجاهات معينة - في مكان ما من عقلي الباطن! - خلقت عندي نفوراً غريباً من كل ما يمت لدراسة الطب بصلة! تماماً كما بنى بعض أبطال المسلسل مواقفهم من الزواج! 

ولو كان لي أن ألخص تجربتي من لحظة التحاقي بكلية الطب وحتى اتخاذي القرار بتأجيل السنة الحالية، فربما كنت استعرت جملة الفنان أحمد بدير “الجواز زي الأكل المسلوق، لا طعم ولا ريحة” واضعاً “الطب” مكان “الزواج”، فهو ليس بحال من الأحوال “شدة وتزول” كما وصف الزواج بطل آخر، لأنه شدة ترافقك طوال اشتغالك بها، بل تحكم قبضتها على عنقك لتجد أن لا مفر، تماما مثل الزواج! 

ولا بد أن تسألني: ولماذا دخلت سجن الطب من الأساس؟

وما الذي يمنعك من أن تطلـقّه بالثلاثة الآن؟ 

 وأعترف أولاً أنني لم ألتحق بالطب تحت أي ضغط ممن حولي.

لا شك أن الجميع نصحني به دوناً عن غيره لما له من مستقبل مادي ووضع اجتماعي و”برستيج” على حد تعبيرهم، ولمـّـا لم أجد فعلياً ما يناسب ميولي ومواهبي، تقدمت للطب تحت إغراء المعدل العالي، وتأثير كل تلك النصائح، ومشاهدتي لمعظم أقراني يفعلون المستحيل -حتى وصل الأمر ببعضهم لإعادة الثانوية العامة أو حتى السفر لباكستان - في سبيل دراسة الطب!

 ولماذا لم أجد ما يناسب ميولي؟

 في بلاد كبلادنا، ذات “اقتصاد ريعي”، لا تنتج و لا تنفق على البحث العلمي، ومع مجتمعات “ميتة” كمجتمعاتنا، لا يجد الإنسان أمامه فرصاً واسعة للاختيار، وعليه طبعا أن يبحث عن أكثر الميادين دخلاً و مالاً، وأعلاها وضعاً اجتماعياً، في ظل علاقات الإنتاج السائدة، وما لحقها من بـُنية طبقية للمهن جعلت مهنة معينة أكثر قيمة واحتراما من غيرها!

 قبل انتهاء الثانوية العامة، كنت متحمساً بشكل كبير لمجال الإخراج السنيمائي وأحسست أنني سأكون على أعلى درجة من العطاء في مجال أحبه وأظن أنني أمتلك الكثير من العناصر النفسية والشخصية التي يحتاجها. وفعلاً بدأت أبحث عن كليات تعليم صناعة الأفلام  film schools‏ لمراسلتها والتقدم لها. من ناحية أخرى كانت تلك الرغبة القوية في استكمال دراستي الموسيقية على آلة العود -التي بدأت من سن 8 سنوات- حاضرة بقوة، وفكرت جدياً في موضوع العزف و الالتحاق ب”بيت العود” الذي أقامه الأستاذ الكبير نصير شمة، وكذلك التلحين والغناء. 

 ولأقول الحقيقة، فإنني لم أقو على اتخاذ قرارات حاسمة في تلك المجالات في ظل النظرة الغبية السائدة عنها عند مجتمعنا المشرف على الانقراض، وجاءت وفاة أبي التي باغتتنا على عتبة الامتحانات لتعصف بي أصلاً في اتجاه آخر، أكثر انسجاما مع طبيعة مجتمعنا ونظرته، نظرة تأخذ في الاعتبار صعوبة الحياة وثقل العبئ وتعمل بجهد لتبدو لناسنا أكثر جدية وعقلانية.

 ومع أنني لم أتخيل نفسي في يوم من الأيام طبيباً في عيادة أو مستشفى لانعدام جاذبية هكذا خيال بالنسبة إلي، إلا أنني فكرت بأن الآلاف ممن حصلوا على معدل أقل من معدلي أو ممن ليست لديهم القدرة على الإنفاق على رسوم الساعات المرتفعة يتمنون لو كانوا مكاني، فلا حاجة للفلسفة الزائدة وتخيل المستقبل، ولا يعقل أن يكون الجميع على خطأ ويكون محمد الفار الصغير وحده على حق. 

 وتناسيت هنا نسبية هذه الأشياء… وراهنتُ… كما راهن عليَّ من حولي.. على أنني: ما إنْ أدخل في عالم الطب -خصوصا في الحياة العملية- حتى أعشقه وأبدع فيه وأحمدَ إلهي على عدم تفريطي في الطب ! 

استطراد لا بد منه!

 بما أنني أتيت على ذكر أسلوب “الرهان” الذي يعمل عند البعض على ما يبدو عمل آليات الدفاع التي يستخدمها “الإيجو” في مواجهة التيارات السلبية التي تواجه النفس، فلا بد أن أعترف أنه هو الآخر من أشد ما يغيظني في نفسي أو في الناس الذين “يراهنون” علي!  

أما عن نفسي…  فهذا الرهان على أن كل الخير سيأتي في نهاية المطاف لا محالة “حتروق وتحلى” لا يخرج عن تفاؤل “كنديد” ، في محاولة للتنصل من مواجهة الواقع، والتعويل على جنات “تأتلق غداً أنهارا وظلا” … وهو خطيئة لازمتني طويلا وجعلت مني في أمور كثيرة  –منها الحب والعلاقات العاطفية-  أضحوكةً ممسوخةً أمام نفسي، وهكذا قلت لنفسي: من يدري، ألا يمكن أن أحب الطب؟!

 أما مراهنة الآخرين عليّ فهي عبء آخر تبدو معه مقولة سارتر “الجحيم هو الآخرون” معقولةً جداً!

أجلس مثلاً مع رجلٍ في الثلاثين لينتهي حواره معي إلى ابتسامة تتظاهر بأنها تعرف كل شيء، وتخلص إلى رهانه: عندما تصبح في مثل عمري، ستكون أفكارك العبثية هذه قد تغيرت لا محالة!

 رهان علينا أن ننتظر 10 سنوات ليتسنى لنا الحكم عليه، وهو من ملامح تعالي المحاور المحافظ الذي قد يكون أمّـيــّـاً ينفي نظرية التطور عن بكرة أبيها بنفس الابتسامة ونفس الثقة الغبية!

 وبنفس الطريقة يتعامل الدكتور مصطفى محمود مع صديقه الملحد المفبرك عبر رهانات وقياسات في غير محلها لا يسعك من خلالها الوصول إلى أي حكم إلا بقدر ما يمكنك أن تحاكم الفكر اللاديني من خلال ضيفة فيصل القاسم الموتور/ة وفاء سلطان.  

خلاصة الكلام أن البعض-بطريقة تقترب بدرجة بسيطة مما ذكرته-  كان يراهن على أن انطلاقي للحياة العملية -أو حتى للمرحلة العملية من الدراسة الطبية- كفيل بتغيير موقفي من الطب برمته!

 بعيدا عن الفن ماذا أحب؟!

 باستبعاد الإخراج، والعزف، والتلحين، والغناء، والإعلام، وكل تلك “الموبقات”، يبقى أمامي “نظرياً” الكثير لأختار منه. أحب الفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والتربية بكل فروعها.  ومن العلوم أحب الرياضيات، خاصة عندما أراها  أكثر من علم بحت،  بل أساساً لفلسفات ورؤى حاولت تفسير لغز الوجود،  مثل ديكارت وليبنتز مثلاً (على ألا أصبح مثل كنديد )

 ومع أن علامتي غير المرتفعة في الرياضيات في الثانوية العامة 169/200 لا تكفي لاستبعادها، إلا أنني أعترف أنني بصراحة لم أكن يوما موهوبا في الرياضيات إلى حد كبير!

 أحب الفيزياء أيضاً، خاصة تلك التي تسعى لتفسير الوعي الإنساني مثل نظرية ” نقطة الأوميغا ” لفرانك تبلر، وكذلك فيزياء الكم والنسبية، فهي أمور تستهويني لكنها أيضاً ليست موهبة عندي…

  أحب الجيولوجيا كذلك.. وأهوى الفلك والفيزياء الفلكية، لكنني بالتأكيد لم أحبَّ الأحياء في يوم من الأيام!

 ولكن! في بلاد كبلادنا “ينثر الغلال فيها موسم الحصاد لتشبع الغربان والجراد” كما قال السياب، حيث مراكز البحث العلمي نادرة ومتواضعة، حيث كل شيء ضئيل ومتهالك، حيث أصبحنا مجتمعاً قائماً على الخدمات فقط، حيث أصبحت مهنة التدريس مثلاً لا تحظى بالتقدير المطلوب..  ستتردد كثيراً قبل أن تفرّط في الطب إلى أي من التخصصات السابقة.

 “فالألم” لا زال مضموناً ، يؤمــّن للطبيب على الدوام زبائنَ لا ينتهون، ودخلاً لا ينقطع، وبرستيجاً لا ينطفئ، في “مجتمع الفاترينات” الذي نعيش فيه كما وصفه الأخ كريم عامر!

 والواقع أنني لا أطمح للبرستيج أو الثراء الكبير، لأن هذا يتضمن بالضرورة رغبة ً في “التفوق” على الآخرين، وهي رذيلة “إيجوية”، وكل ما في الأمر أنني إنسانٌ ضعيفٌ واقع تحت تأثير الخوف من خيبة أمل وحسرة قد تغمر قلب أمي إذا أصبحت فاشلاً أو قليلَ القيمة -وفق معايير المجتمع الحالية-.. واقعٌ تحت تأثير خوفي من أن ينتهي بي الأمر معوزاً وعاجزاً! 

لكنني لم أر يوماً أي مهنة أفضل أو أرقى من الأخرى، ورأيت هذا التفاوت في المهن من حيث الدخل أو المكانة الاجتماعية عيباً أنتجته ظروف معينة، وسينتهي بتطورها.ولكن حتى ذلك الحين… هل يستحق الأمر أن أتمسك بالطب؟

 حول الطبيب

 يدرس سنوات طويلة…  يصبح بعدها –على الأغلب– ذا دخلٍ جيدٍ ومكانةٍ اجتماعيةٍ مرموقة… جارٌ محبوب.. وزوجٌ مطلوب…  لكن هل هو الأفضل فعلاً ؟؟

 كثير من الناس ينظرون إلى الطب على أنه عمل إنساني يعملُ صاحبه ما بوسعه لتخفيف آلام الآخرين ومعاناتهم، ولن نختلف كثيرا حول هذا باعتباره المغزى الأصلي لمهنة الطب. لكن الطبيب هو في أغلب الحالات إنسان جامد “عنده برود أعصاب اسم الله ولا جراح بريطاني”، تعامله مع الألم على أنه مصدر رزق “”قد”" يجعل منه إنساناً ميت المشاعر.

هناك استثناءات كثيرة بالطبع قدمت لنا مثلاً مناضلاً مثل جيفارا أو شاعراً مثل إبراهيم ناجي أو فناناً رائعا مثل يحيى الفخراني وبالطبع أطباء إنسانيين كثر.

 لكن تجربتي مع معظم الأطباء الذين تابعوا حالة أبي القلبية، وتجربتي مع كثير من الأطباء الذين تولوا تدريسي في الجامعة قد أبدت لي أن الطبيب يمكن أن يكون انتهازياً و متعالياً ومعقداً “كلكيعو!” بل حتى مرتشياً.. في مقابل الصورة اليوتوبية الأبقراطية المتوقعة.  ولن أذهب بعيداً إذا قلت أن لامبالاة بعض الأطباء قد سلــّمت حياة أبي إلى عزرائيل على طبق ٍ من ذهب.

 أحد هؤلاء قام بإجراء عملية استئصال المرارة لأبي، وهي عملية بسيطة بحيث يجريها المرء ولا يحتاج إلى البقاء في المستشفى إلا لساعات معدودة. لكن إهمال الطبيب في الاطلاع على تاريخ أبي العلاجي والأدوية ِِ التي يتناولها -بحكم حالته القلبية- أدى إلى نزيف خطير كاد بالفعل يودي بحياة أبي في تلك العملية، وتطلب تجاوز آثار الحالة العصيبة والمعاناة الجسدية الرهيبة أشهراً بالنسبة لوالدي.

والمشكلة ليست هنا بالطبع، فالطبيب كغيره من الناس معرض للخطأ. لكن طريقة تعامل الطاقم الطبي بخصوص الدعوى التي أقامها والدي ضد الطبيب والمستشفى هي مربط الفرس، خاصة أن عدداً من الأطباء تورطوا فيما يمكنك براحة ضمير أن تصفه بالمؤامرة، فعندما استدعي للشهادة عدد من الأطباء، اصطفوا بطريقة غريبة خلف زميلهم متسلحين بالتدليس والتنصل، قاذفين ضميرهم المهني خلف ظهورهم، ومن ضمنهم طبيب القلب الذي كان طبيب أبي، والذي تعامل بدناءة واضحة عندما استغاثت به أمي أثناء العملية التي كاد أبي يموت خلالها قائلاً لها أنه لا يتعامل مع المستشفى الذي يجري أبي فيه العملية وغير مستعد لدخوله للاطمئنان على حالة أبي الخطيرة! وأنهى المكالمة بقوله أنه يتناول عشاءه و”مش فاضي”.

وهذا الطبيب شهد بالزور عند استدعائه للشهادة… بل وعندما توفي والدي لم يقدم العزاء به! وعندما ذهبت شقيقتي لاستلام أوراق أبي من عيادته بعد وفاته.. لم يتنازل بالخروج إليها ليقول لها كلمة عزاء بوالدها، بل أرفق الأوراق مع السكرتيرة!

أحد النماذج الأخرى التي تعاملت مع أبي كان طبيباً لامعاً وشهيراً ومتمكنا -وأفضل من السابق كصيت وعلم- تواجدَ وقت إصابة أبي بالجلطة لأول مرة..  واختصر الموضوع لأمي بكلمة واحدة : hopeless case !!! 

الغريب أن أبي عاش بعدها أكثر من 7 سنوات ! 

 أما الطبيب الكبير الذي أجرى له عملية قسطرة، وهو طبيب يرافقه موكب من الأطباء والممرضين كلما تحرك خطوة في المستشفى، فقال له بكل برود : “انت حل مشكلتك ‘شيل و حط’ .. يعني بدك تلقطلك شب قلبه قوي يموت في حادث..  ونحطلك قلبه على طول !” ..

 وربما لعبت فجاجة الأسلوب دوراً مهماً في نفور أبي -الذي كان مفرطا في إنسانيته- من فكرة الزراعة، خصوصا وأن الرفض النفسي يمكن أن يؤدي إلى رفض جسمي rejection of transplant ‏ ‏.  

 

أما عن الأطباء الذين درسونا في الجامعة فأغلبهم كان متعاليا على المهن الأخرى، وكثير منهم كان يصر على إهانة التخصصات الأخرى كالزراعة والعلوم والتمريض وعلوم التأهيل والتجارة، وإهانة خريجي أوروبا الشرقية ووصفهم “بالحمير”، وحتى إهانة زملائه الآخرين من الدكاترة. وربما كانت هذه الطريقة هي ما ينمي لدى طالب الطب ذلك التعالي والثقة المفرطة… 

وعندما فاجأتني سيدة فاضلة تعمل بالتمريض بوصلة من الثناء على أحد الدكاترة الذين يدرسوننا -حيث أنها ممن درسوا عنده في الماضي-  تمنيتُ أن أقول لها أنه لا يتحدث عن طلبة التمريض إلا و يصفهم ب”الهبل تاعون التمريض”، أردت أن أقول لها أنه وأمثاله لا يرون فيها وفي زملائها زملاء أو معاونين، بل ينظرون إلى “ناينتنجيل” نفسها على أنها تابعة صغيرة! لكنني آثرت أن تبقى عندها تلك الصورة المشرقة لأستاذها.

 وعلى كل حال،،  فالأساتذة أنفسهم يتراوحون بين الرائع أكاديميا -كالذي كنا نتحدث عنه!- والضعيف، بين الإنساني والأقل إنسانية… وكل ما أريد أن أصل إليه هنا هو أن الطب لا يكفي ليجعل منك إنساناً أفضل. 

حول طلاب الطب 

لا تحتاج لتصبح منهم إلا لمعدل مرتفع وتقديم طلب التحاق بكلية الطب… لهذا، فمن السخف أن أضع قالباً عاماً لطلاب الطب. لكن معرفتي الوثيقة بعدد كبير منهم جعلتني أضع تصورا معينا لطالب الطب النموذجي الذي يرتاح في الطب أكثر من غيره من التخصصات.

 هذا الطالب النموذجي هو بشكل عام منسجمٌ مع تقاليد مجتمعه، الصحيحة منها والخاطئة، غيرُ معنيٍّ بإحداث تغييرٍ أو ثورة اجتماعية،، يحب اتباع التعليمات،، ويتمنى لو كان بحوزته “كاتالوج” دقيق يدلــّه على كيفية استخدام نفسه! وربما كانت هذه الطباع ضرورية ً لشخصٍ كلّ ما عليه هو فهم نظام ٍ ما لإصلاح أي خلل يحدث فيه، وليس بالتأكيد السعي لتغييره. ولا ألومه هنا بالطبع، لأن هذا بالضبط ما يتوجب على الطبيب فعله للمريض…  

(أعتذر على إفراطي في استخدام أسلوب القياس، لكنني لا أسلــّم بنتيجته وإنما أنبــّه على إمكانية كونه معقولا إلى حد ما).

  هذه الطباع المدجنة هي أيضا ما يتيح “للاتجاه الإسلامي” التغلغل والاكتساح في الكليات الطبية أكثر من غيرها، وقد يجادل البعض هنا بأن الاتجاه الإسلامي (إخوان الجامعة) هو اتجاه ثوري، وأقول لهم أننا لن نختلف على كونه ثوريا من ناحية محددة، لكنني لا أعتقد أننا سنختلف على أنه من ناحية أخرى بحاجة إلى جمهور متلقــّن، طريقــتــُه الوحيدة للتفاعل هي اتـباع الأوامر !.