
جيفارا … والشيخ السيسي !
كنت أبحث في موقع اليوتيوب عن فيديو للشيخ إمام في أغنية “صرخة جيفارا”، وإذا بنتائج البحث تفاجئني بفيديو بعنوان: “الشيخ أحمد السيسي يتحدث عن جيفارا”.
ومن الطبيعي أن أتساءل ماذا يريد هذا السيسي من جيفارا؟؟
لا بد أن أتوقع ما يمكن لشيخ أن يقوله في حق جيفارا… وقد سبق لي أن تقيأت على الشاشة عندما صدمتني مقالة لأحدهم بعنوان “جيفارا وآخر حقارة” بلغت فيها همجيته وصف جيفارا بأنه جيفة هالكة!
لكن لم العجلة.. ألا يمكن أن يكون السيسي هذا مثل جيفارا..”" يقشعر من الغيظ كلما صادف ظلماً”"…. وساءه ما نال جيفارا من زملائه الشيوخ أو أهل “”العلم”" من تجريح .. فأراد أن ينصفه..
وما إن بدت لي التعليقات على الفيديو حتى انتفت الحاجة إلى تشغيله… “المكتوب باين من عنوانه”
وهذه بعض الدرر …
***
“ومات الكافر الملعون هل نسيتم ابطال المسلمين هل نسيتم احمد ياسين والقائد خطاب وابو الوليد والزرقاوى الذى ارغم انوف الصليبين جيفارا كلب كافر شيوعى حاقد انصح كا مسلم ان يستمع للشسيخ احمد السيسى حفظة الله وهو يتكلم عن جيفار الملعون الهالك”
….
“احسنت احسنت احسنت”
….
“جزاكم الله خيرا أخي الفاضل”
***
ذلك غيض من فيض مما يمكن أن تتحفك به هذه العقول المتحجرة والقلوب الميتة!
وما الذي كان يمكن أن تتوقعه من نفوس قاحلة - بلغ فيها قيء البداوة وساديتها مبلغ الحناجر- سوى تشكيل جوقة من المهرجين لتنهش بإنسان بقامة جيفارا!!
ورغم كل ذلك.. قررت أن أستمع للسيسي.. لعل في جعبة الرجل ما يقيم به الحجة علي.. تماماً كما كان أبو حنيفة يقيم الحجة على الدهريين… لم لا… لعلي أصبح من مريدي الزرقاوي كما أرادني ذلك الأخ المعلق… ألا يمكن أن يفحمني السيسي بمنطقه لأصبح من المبهوتين…؟!
انتظرت اكتمال التحميل بفارغ الصبر على مقولة “وقوع البلا ولا انتظاره”…
واكتمل التحميل…
.
.
ظهرت المقدمة : منتديات طالب علم ,,
(ومن المفترض هنا أن تتوقع من طلاب العلم هؤلاء أن يأتوا لك بدراسة أو بحث أو تقرير علمي… ولكن إذا كانت لك أدنى خبرة بهؤلاء القوم لعلمت أن لكلمة “العلم” عندهم معنىً مختلفاً تماماً عن كل ما يمت للمعنى الأصلي بصلة)…
“مقطع هام عن جيفارا للشيخ أحمد السيسي”
وفجأة… انطلقت وصلة من الصياح من رجل يشع النور من وجهه على نحو يضر بالقرنية…
وتحته كتب بخط كبير :
خطبة بعنوان “رحمة للعالمين” !!!
أخذ الصوت الجهوري يستنكر انتشار صور جيفارا -”"الشيوعي الكافر الزنديق”" على حد تعبيره- على ثياب الأولاد والبنات والسيارات…
وهنا يتجلى الفن والابتكار لتنقسم الشاشة إلى قسمين بالطول … الأيمن للشيخ المتيقظ (جعلنا الله وإياه من أهل اليمين) والثانية تعرض صوراً لجيفارا مع إشارة X سوداء كبيرة (وكأنك تستطيع شطب إنسان بإشارة إكس… وهي تدل على طريقة البعض الإقصائية في إلغاء الآخر)…
يتابع الصوت كلامه… وتركز الشاشة اليسرى على صورة جيفارا وهو مقتول… تقربها وتوقفها… بشماتة مقززة…

وهنا يتهم الصوت من يعلقون صور جيفارا بالجهل، مطلقاً الكلام على عواهنه… ولم لا يفعل.. وهو يطلق حقده أمام جموع من المتلقنين الذين لا يفعلون شيئاً سوى انتظار دعائه بتيتيم الأطفال وتثكيل النساء ليرفعوا أكف الضراعة وتنهمر منهم دموع النفاق والاستعراض .. لم لا يفعل وهو واثق من أن العشرات ستسارع إلى تحميل حقده على الإنترنت لنشره للعالم دون تفكير أو تدبر…..
يتهم السيسي رافعي صور جيفارا قائلاً “ربما بعضهم لا يعرف من هذا الملعون”…
لنر الآن مدى معرفة السيسي بجيفارا كما سيتضح من كلامه … أو بمعنى أدق : صياحه ….
وهنا صدمني ادعاء غريب أتحفني به السيسي :
“سقطت الشيوعية في بلادها … وما زال الشيوعيون العرب يتلمظون غيظاً باحثين عن فرصة يقفزون منها إلى واجهة الأحداث ! “
ولا أعرف لماذا يحرج الرجل نفسه أمام ملايين مستخدمي النت بهذا الكلام المضحك… يتحدث عن سقوط للشيوعية، علماً بأننا نعرف أن الذي سقط هو الاتحاد السوفييتي ومعه الكتلة الشرقية التي تمثل “”بيروقراطية”" اليسار، ولا علاقة لسقوطها بسقوط الفكر … فالشيوعية لم تبدأ بالاتحاد السوفييتي لتنتهي بانتهائه …
أما “”التلمظ”"… فقد أصبح واضحاً للجميع من هو المتلمظ يا صديقي السيسي…
وهنا يقفز السيسي قفزة لا يجيدها إلا بهلوان تدرب في السيرك طويلاً
“لقد سلمهم عبد الناصر الدولة قديماً … فتحكموا بالصحافة والإعلام وفعلوا ما يريدون .. فمرغ الله أنوفهم بالنكسة الناكسة.. حتى تواروا بالحجاب”
وهنا فعلاً بدأت أشعر ببعض الأسى على الرجل الذي زج بعبد الناصر في غير مكانه بطريقة ستضحك أي عاقل عليه…
عبد الناصر سلم الدولة للشيوعيين ؟؟ … هل فعل بربك؟؟ يا خرابي!…
هل تعرف أين كان يقضي معظم الشيوعيين أوقاتهم في حقبة عبد الناصر يا سيسي…؟؟
هل تعرف شيئاً عن الاختلافات الجوهرية بين عبد الناصر والشيوعيين؟؟
وهل كان الشيوعيون يؤيدون نظام تحالف قوى الشعب العاملة أي التعاون الطبقي التحريفي والاحتفاظ بالرأسمالية الوطنية؟؟
ماذا عن موقف عبد الناصر من عبد الكريم قاسم؟؟
لا أعرف على من يضحك بذلك الكلام.. “” سلملي على جوزك يا اسماعيل بيه “”…
أما النكسة الناكسة… فهي لا تأتي شيئاً أمام الخيبة الخائبة التي يطالعنا بها المتحذلقون والمتشدقون على أمة الله الغلبانة.. والتي تنتظر بفارغ الصبر انتهاء الخطبة لترفع أكف الضراعة ليدعو كل واحد منهم في سره - بعد التأمين على التيتيم والتثكيل- بأن يهبه الله قوة عشرة رجال في الجماع، أو يرزقه من حيث لا يحتسب بما يمكنه به أن يحصن نفسه… بزوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة!!
أما قمة الكوميديا فتتجلى في توصيف الشيخ لحالة انتشار صور جيفارا
حيث وصفها “بالغثائية .. الإمعية .. أصبح الناس إمعات… جهلة … لا يعرفون شيئا… يرسم لهم من يرسم الطريق فيسيرون”
أضحك الله سنك يا سيسي… كأني بك تصف بدقة كل من نشر الفيديو… وكل من سيسارع بعد انتهاء كلامك إلى صور جيفارا المعلقة في الشارع لينزعها.. أو ربما يفجر نفسه وسط مجموعة من الشبان الذين يرتدون هذه القمصان… الملعونة!
والأكثر من هذا هو أن الشيخ يحذر من أن نشر صور جيفارا إلى هذا الحد يمكن أن يؤدي إلى محبته أكثر من قبل الناس……….
وما أكثر الصور التي نراها يا صديقي…ولو كانت المحبة بكثرة الصور .. لوقع الناس في غرام هذا المرشح أو ذاك من مرشحي الانتخابات النيابية..
كما أن صور صدام وبن لادن والزرقاوي وغيرهم منتشرة هي الأخرى… ولم أخش على نفسي في يوم من الأيام من أن أقع في حب أي منهم… ولو كان الناس يقعون في غرام جيفارا هكذا من أول نظرة بسبب وسامته -في مقابل طلعتك البهية- … ما كانش حد غلب…
دعك يا صديقي من الكلام بهذا المستوى…. لأن الإخلاص للحقيقة في الفكر… والتضحية للقضايا النبيلة هو ما يشد الناس إليك… وليست الصور!!!!
…
يواصل السيسي : “كان شيوعياً عاتياً … أهلكه الله تعالى في غابات أمريكا الجنوبية!”
ولا أعرف ما يريده الشيخ من الجملة الأخيرة بالذات…
هل يريد استعراض معرفته بجيفارا… ربما
أما “أهلكه الله”… فهذه وحدها تحتاج إلى وقفة طويلة…
لم لم يأت الشيخ على ذكر أولئك الذين أهلك الله جيفارا على أيديهم… لم تجاهلهم؟؟؟… لم لم يذكر سبب قتل جيفارا؟؟؟… لم لم يذكر ما كان جيفارا يفعله في تلك الغابات التي هلك فيها؟؟؟ لم اختصره بقوله “كان يقاتل في سبيل الطاغوت”
ربما لأن أحداً من المتلقنين لن يسأله … لأن الجدال لجاجة مكروهة…ربما…
وربما لأنه لا يعرف… هذا وارد بقوة أيضاً…
أو حتى لا يطيل على المساكين الذين ينتظرون دعاوي التيتيم والتثكيل… ممكن برضه
وربما أيضاً لأن الإله في نظر البعض هو نفسه من قتل جيفارا وحارب منهجه وخلق صنائعه ومهرجيه لمحاربة قضيته النبيلة باسم الدين أحياناً… هذا هو الإله في نظر البعض!
فربما كان البعض يعبد النظام الأمريكي…. أمريكا الشمالية يا شيخ… اطمن
ولأن الشيخ مصر على الحديث عن الشيوعية.. محاولاً إلباس جرائم النظم الستالينية لجيفارا الذي هو منها براء، فإنه يواصل الحديث بالأرقام عن الضحايا المسلمين الذين سقطوا على يد الاتحاد السوفيتي والصين وغيرهم… مع أن معظم الشيوعيين الإنسانيين يتبرؤون من تلك الجرائم تماماً مثلما يتبرأ كثير من المسلمين من أعمال همج القاعدة أو كما تبرأوا من أعمال باساييف الذي لن ينسى العالم له مجزرة مدرسة بيسلان للأطفال.. والذي ذكره السيسي مع الأبطال الذين يجب أن نرفع صورهم عوضاً عن جيفارا!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
كما أن تقسيم ضحايا أنظمة ستالين وماو وغيرها حسب الديانة هو تقسيم طائفي عفن، لا يتقبله من يتحلى بذرة إنسانية!
أشعر أنني اكتفيت من التعليق على وصلة الردح السوقية هذه .. والتي سماها صاحبها - وكأنه يسخر منا- “رحمة للعالمين”…
وسأختم بهذه الكلمات لل”زنديق” جيفارا
“لا يهمنى متى واين سأموت، لكن يهمنى ان يبقى الثوار منتصبين، يملأون الارض ضجيجاً، كى لا ينام العالم بكل ثقله فوق اجساد البائسين والفقراء والمظلومين”
“إنني أحس على وجهي بألم كل صفعة توجه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني”
“إن الطريق مظلم وحالك ..فإذا لم تحترق انت وانا فمن سينير الطريق؟ “
“لا بد احيانا من لزوم الصمت ليسمعنا الاخرون …. والصمت فن عظيم من فنون الكلام … هو حوار بطريقة مختلفة”
“لا يمكنك أن تكون واثقاً من وجود شيء تعيش من أجله… حتى تكون مستعدا للموت في سبيله”
وهو ما حدث فعلاً….
هذا هو جيفارا…… فإما أنك تحبه…. أو أنك لا تعرفه !
…
محمد عبد القادر الفار / الحوار المتمدن - العدد: 2227 - 2008 / 3 / 21
الأوسمة: الشيوعية, جيفارا, أحمد السيسي, جيفارا الإنسان, جيفارا الكافر, الشيخ السيسي