
للمفكر الأناركي الإيطالي Camillo Berneri
نشرت لأول مرة سنة 1922
(ترجمها للعربية محمد عبد القادر الفار)
.
لكن الدول الغربية، ومعها الإدارات السخيفة للأنظمة البرلمانية المركزية، كشفت له عن القوة الهائلة، التي يمكن ملاحظتها بشكل أكبر وأكثر تعقيداً في “المير” الروسي (المشاعيات الفلاحية)، أو الاتحادات الحرة التي “” تمتد لتغطي كل فرع من فروع الأنشطة الإنسانية “”، والتي جعلته يعلن أن “” المستقبل هو في أيدي الاتحادات الحرة وليس في أيدي الحكومات المركزية”". والسنوات التي قضاها كروبوتكين في إنجلترا بشكل خاص – حيث استقلال الشعب والتطور الضخم للمبادرة الفردية لم يكن من الممكن ألا يدهش الأجنبي القادم من الدول السلافية أو اللاتينية – جعلته يعلق أهمية عظيمة – وأحياناً زائدة – على الاتحادات.
ومن معرفته المباشرة بالعالم الغربي، أضاف كروبوتكين نزعة جديدة لدراساته. فكروبوتكين الذي كان جغرافياً في روسيا، أصبح مؤرخاً متحمساً في بريطانيا. كان يتمنى أن يفهم الدولة وكان يعرف أنه في سبيل ذلك “” يوجد طريق واحد فقط، وهو دراستها في سياق تطورها التاريخي”". واكتشف بحماس أن النزعة العامة للعلم هي
“” تلك النزعة لدراسة الطبيعة ليس من نتائجها الضخمة واستنتاجاتها الكبيرة، بل عوضاً عن ذلك من خلال دراسة ظاهرة منفردة، ومن خلال عناصر منفصلة”". فالتاريخ أيضاً يكف عن كونه تاريخ السلالات الحاكمة، ليصبح تاريخ الشعوب. وإذا كان ذلك الأسلوب أفضل بكثير كمنهج تاريخي فهو كذلك أيضاً كمنهج فكر فدرالي، لأنه يصبح واضحاً أن التغيرات التنموية العظيمة لم تجر أحداثها في البلاطات والبرلمانات، بل في داخل المدن والأرياف.
رأى كروبوتكين –الذي نذر نفسه للدراسات التاريخية – في المركزية المفرطة للإمبراطوية الرومانية سبب انهيارها. وفي عصر الكوميونات نهضة العالم الغربي.
“”إنه في منح الكوميونات أعضاءها حق الاقتراع، وفي تمرد الشعوب والكوميونات ضد الدولة، حيث نجد أكثر صفحات التاريخ جمالاً. عندما ننظر إلى الماضي، فإننا لا نلتفت إلى لويس الحادي عشر أو لويس الرابع عشر أو كاثرين الثانية، بل إلى كوميونات جمهوريات أمالفي، وفلورسنا، وتولوز، ولاون، ولياج أو كورتراي، و أوغسبرغ ونورمبرغ، بسكوف و نوفغورود.
في محاولة منه لأخذ أمثلة من مجتمع العصور الوسطى، وقع كروبوتكين في عدة أخطاء في التفسير، عائدة –بشكل رئيسي – إلى حقيقة أن النصوص التي أخذ بها (مثل كتابات سيسموندي) لم تكن متطورة بنفس درجة الدراسات التاريخية المعاصرة. ولا حاجة بنا للتفكير -بالرغم من ذلك- كالأشخاص السطحيين الذي فكروا أن كروبوتكين تصور عهد الكوميونات كنوع من العصر الذهبي. “” سوف يقال، بلا شك، أنني نسيت الصراعات والنزاعات الداخلية التي يمتلئ بها تاريخ الكوميونات، والمعارك المريرة ضد النبلاء، وتمرد “الفنون الناشئة ضد “الفنون القديمة”، وإراقة الدماء والانتقامات التي كانت تحدث دائماً خلال تلك المعارك. لا، لم أنس شيئاً. ولكن، مثل ليو و بوتا Leo and Botta مؤرخي جنوبي إيطاليا، ومثل سيسموندي، فراري، جينو كابوني وآخرين كثر، أستشهد بأن هذه المعارك كانت في حد ذاتها البرهان على حرية الحياة في المدن الحرة”" (انظر إلى كتابه “الاستيلاء على الخبز” ). كانت “صراعات المصارين أو الأمعاء” تلك، حسب كروبوتكين، التي أتاحت تدخل الملوك وميل تلك الكوميونات للانغلاق على نفسها في داخل جدرانها. (“Paroles d un Revolte”)
حقل تاريخي آخر تحرى عنه كروبوتكين كان الثورة الفرنسية، كان معارضاً لبرجوازيي 1789 الذين “” كانت غايتهم المثلى هي محو كل القوى المحلية التي شكلت في ذلك الوقت وحدات تلقائية كثيرة داخل الدولة. أرادوا تركيز كل القوى الحكومية في أيدي سلطة مركزية تنفيذية، محكومة بصرامة من قبل البرلمان، ولكن أيضاً مطاعة بصرامة داخل الدولة، وتشمل كل دائرة — الضرائب، المحاكم القانونية، الشرطة، الجيش، المدارس، الإشراف المدني، الاتجاه العام للتجارة والصناعة—كل شيء”"
(“The Great French Revolution”).
لام كروبوتكين الجيرونديين على محاولاتهم لحل الكوميونات، وأشار إلى أن فدراليتهم كانت فقط شعارا مرفوعاً كمعارضة، وأن أفعالهم أظهرت أنهم على نفس الدرجة من تفضيل المركزية مع المونتغراديين. (الجرونديون والمونتغراديون أسماء لكتل سياسية مهمة في عصر الثورة الفرنسية، المترجم).
ووفقاً لكروبوتكين، فإن الكوميونات كانت روح الثورة الفرنسية، وأعطى لذلك تصورات شاملة للحركة الكوميونالية، راغباً في إظهار أن أحد الأسباب الأولية لتدهور المدن كان إلغاء الاتحادات كاملة الصلاحيات للمواطنين، والتي أشرفت على العدالة والإدارة.
كان عصر الكوميونات وعصر الثورة الفرنسية بالنسبة لكروبوتكين، كما كانا لسالفيميني Salvemini، الحقلين التاريخيين اللذين وجد فيهما تأكيداً على أفكاره الفدرالية، وعنصرين فاعلين في تطور مفهومه التحرري للحياة والسياسة. ولكن ظل حياً فيه دائماً سجل ملاحظاته على “المير” الروسي والاتحادات الحرة بين الشعوب البدائية، وهذه الذكريات رسخت فيه فدراليته، التي تجعله أحياناً يبدوعامياً بسيطاً كما في كتابه “الاستيلاء على الخبز”.
يتبع…
الموقع الأصلي للترجمة الإنجليزية التي أترجم عنها