الإجهاز … على الفيديو والتلفاز !

من السهل أن تتنبأ بردة فعل الأغلبية الساحقة من المحيطين بك ما إن تأتي سيرة برنامج من نوع “ستار أكاديمي”، بل إذا كنت مشتاقاً -ولا أظن هذا متوقعاً- لترى الرؤوس تهتز والوجوه تعبس والعيون تبرق على نحو درامي، فما عليك إلا أن تأتي على ذكر برامج من هذا النوع لتجد الذي أمامك في أغلب الحالات كأنه تلقف فريسة سيتلذذ بنهشها، أو كأنه وجد أخيراً ما ينغص عليه حياته ويرفع عليه أسعار المحروقات والمواد الغذائية وحليب الأطفال، ومن يقرع قفاه في النظارات، ومن يكسر الهروات على ظهره، ومن يمتص دمه بالرسوم والضرائب ومخالفات السير، نعم,, لا بد أنك ستسمع تنهيدة من النوع الذي يقول “اخص على هالزمن” متحدثة بالنيابة عن المقولة الشائعة التي تفترض أن الزمن الماضي “زمن أهل المروة والعزة والكرامة والطيبة والنخوة والشرف والشهامة” هو أفضل الأزمان وأن هذا الزمن هو أحطها.
.
ولست مولعاً بهذا النوع من البرامج على كل حال وأتحفظ على أمور كثيرة فيها، ولا أنوي الدفاع عنها هنا.. لكن ذلك الموقف الشعبي الصلب والمبدئي ولد لدي فضولاً كبيراً لأعرف نوعية البرامج التي يتلهف هذا الرأي العام المتنور لمشاهدتها في المقابل.. وقد افترضت وجود برامج مفضلة لديهم لأن معظم البيوت اليوم تقتني جهاز تلفاز واحد على الأقل… ويكفي أن تذهب إلى قسم الأجهزة الكهربائية في أي مول لتجد الأزمة على أجهزة الفلاترون والإل سي دي .. ومع ذلك فمن المتوقع أن يكون كل هؤلاء الناس من جمهور الشيخ أو “العالم” الذي تحدث عن ””الإجهاز,, على الفيديو والتلفاز””..
.
وجاءتني الفرصة على أهون سبب، ولم تكن فرصة لمعرفة هذه البرامج فحسب بل للمشاركة في أحدها كمحاور رئيسي… هاتفني في ذلك اليوم صديق عزيز يعمل في أحد الإذاعات الدينية التي لها شعبية كبيرة مقترحاً علي المشاركة في برنامج تيليفزيوني على قناة فضائية دينية .. فقلت له: أنت تعرف يا صديقي أن ما بيني وبين العالم دي دنيا… لكنه أجابني أن الشيخ الذي يقدم البرنامج -وهو شيخ معروف وله شعبية كبيرة بين الشباب- هو إنسان منفتح ويتطلع إلى جمع وجهات نظر مختلفة من الشباب للوصول معهم إلى استنتاجات وخلاصات معينة… ولا أعرف هل أقنعني كلام صديقي أم أن إلحاح رغبة داخلية عندي بالظهور هو ما جعلني أقرر أن أصدقه…
.
وعلى كل حال، فقد ذهبت في الموعد المحدد، ووجدت المسؤولين عن البرنامج بانتظاري بعد أن بلغهم صديقي باسمي… وقابلت الشيخ، ولم يكن صديقي مخطئاً إطلاقاً فيما يخص بشاشة الشيخ وحضوره الجميل، بل إن الشيخ أتاح لي الحديث دون أن يقاطعني أبداً وكان مستمعاً مميزاً أيضاً .. لكن ثمة مشكلة صغيرة بقيت…
المشكلة كانت أن الخلاصة أو الاستنتاج معد مسبقاً .. وحتى المحاور والمحطات والأسئلة معدة مسبقاً… كأنه يقول لك : أنك تستطيع أن تقول ما تشاء.. لكنني مسؤول عن توجيه البرنامج نحو الوجهة التي أريدها … وملزم أمام الله ورسوله والمؤمنين بالوصول إلى النتيجة التي لا حاجة بنا للحوار أصلاً للوصول إليها… لأنها تدرك بالقلب العاقل …
.