
من السهل أن تتنبأ بردة فعل الأغلبية الساحقة من المحيطين بك ما إن تأتي سيرة برنامج من نوع “ستار أكاديمي”، بل إذا كنت مشتاقاً -ولا أظن هذا متوقعاً- لترى الرؤوس تهتز والوجوه تعبس والعيون تبرق على نحو درامي، فما عليك إلا أن تأتي على ذكر برامج من هذا النوع لتجد الذي أمامك في أغلب الحالات كأنه تلقف فريسة سيتلذذ بنهشها، أو كأنه وجد أخيراً ما ينغص عليه حياته ويرفع عليه أسعار المحروقات والمواد الغذائية وحليب الأطفال، ومن يقرع قفاه في النظارات، ومن يكسر الهروات على ظهره، ومن يمتص دمه بالرسوم والضرائب ومخالفات السير، نعم,, لا بد أنك ستسمع تنهيدة من النوع الذي يقول “اخص على هالزمن” متحدثة بالنيابة عن المقولة الشائعة التي تفترض أن الزمن الماضي “زمن أهل المروة والعزة والكرامة والطيبة والنخوة والشرف والشهامة” هو أفضل الأزمان وأن هذا الزمن هو أحطها.
.
ولست مولعاً بهذا النوع من البرامج على كل حال وأتحفظ على أمور كثيرة فيها، ولا أنوي الدفاع عنها هنا.. لكن ذلك الموقف الشعبي الصلب والمبدئي ولد لدي فضولاً كبيراً لأعرف نوعية البرامج التي يتلهف هذا الرأي العام المتنور لمشاهدتها في المقابل.. وقد افترضت وجود برامج مفضلة لديهم لأن معظم البيوت اليوم تقتني جهاز تلفاز واحد على الأقل… ويكفي أن تذهب إلى قسم الأجهزة الكهربائية في أي مول لتجد الأزمة على أجهزة الفلاترون والإل سي دي .. ومع ذلك فمن المتوقع أن يكون كل هؤلاء الناس من جمهور الشيخ أو “العالم” الذي تحدث عن ””الإجهاز,, على الفيديو والتلفاز””..
.
وجاءتني الفرصة على أهون سبب، ولم تكن فرصة لمعرفة هذه البرامج فحسب بل للمشاركة في أحدها كمحاور رئيسي… هاتفني في ذلك اليوم صديق عزيز يعمل في أحد الإذاعات الدينية التي لها شعبية كبيرة مقترحاً علي المشاركة في برنامج تيليفزيوني على قناة فضائية دينية .. فقلت له: أنت تعرف يا صديقي أن ما بيني وبين العالم دي دنيا… لكنه أجابني أن الشيخ الذي يقدم البرنامج -وهو شيخ معروف وله شعبية كبيرة بين الشباب- هو إنسان منفتح ويتطلع إلى جمع وجهات نظر مختلفة من الشباب للوصول معهم إلى استنتاجات وخلاصات معينة… ولا أعرف هل أقنعني كلام صديقي أم أن إلحاح رغبة داخلية عندي بالظهور هو ما جعلني أقرر أن أصدقه…
.
وعلى كل حال، فقد ذهبت في الموعد المحدد، ووجدت المسؤولين عن البرنامج بانتظاري بعد أن بلغهم صديقي باسمي… وقابلت الشيخ، ولم يكن صديقي مخطئاً إطلاقاً فيما يخص بشاشة الشيخ وحضوره الجميل، بل إن الشيخ أتاح لي الحديث دون أن يقاطعني أبداً وكان مستمعاً مميزاً أيضاً .. لكن ثمة مشكلة صغيرة بقيت…
المشكلة كانت أن الخلاصة أو الاستنتاج معد مسبقاً .. وحتى المحاور والمحطات والأسئلة معدة مسبقاً… كأنه يقول لك : أنك تستطيع أن تقول ما تشاء.. لكنني مسؤول عن توجيه البرنامج نحو الوجهة التي أريدها … وملزم أمام الله ورسوله والمؤمنين بالوصول إلى النتيجة التي لا حاجة بنا للحوار أصلاً للوصول إليها… لأنها تدرك بالقلب العاقل …
.
وهكذا جرى البرنامج، يطرح الشيخ السؤال على المتحاورين ومن ثم على الجمهور، ولا بد أن يحكم الحلقة مزاج عام ينسجم مع التوجه العام لديه والوجهة التي تسير إليها الحلقة حتماً… وكثير من أسئلته هي من النوع التقريري الذي يجاب عليه بنعم أو بلا.. وأحياناً يحصرك بخيارين، ومع أنه يعطيك المجال لتفسر إجابتك إلا أن كل ما تقوله ويقوله الآخرون يوظفه الشيخ لخدمة الغرض الرئيسي له من الحلقة، وهو فرض وجهة نظره.
فمن الغريب مثلاً بعد الحديث عن موضوع مثل الشهرة والنجومية في نظر الشباب أن يخلص الشيخ إلى أن من أراد الشهرة الحقيقية فعليه أن يطيع الله ورسوله لأن الله إذا أحب عبداً يتقرب إليه نادى على أهل السماء والأرض : إني أحب فلاناً فأحبوه!… لأن استنتاجاً من هذا النوع هو أقرب إلى الإنشاء الذي لا يمت إلى ما كان الحديث يدور حوله بصلة.. والذي اكتشفته هنا هو أن لدى هذا النوع من المقدمين -وهو نوع لا يقتصر على الشيوخ- مهارة تشتيت الحوار لإعادة صياغته على النحو الذي يريده المقدم وباستخدام أكثر الطروحات سطحية وعشوائية..
تلك البرامج لا تنطلق من مقولات بنيوية أو تفيكيكية أو أي مقولات موضوعية في محاولة التفسير والتحليل .. مع أنها تتظاهر أنها تفسر وتحلل .. فهي تعتمد بشكل أساسي على القفزات اللاموضوعية والتي يصعب -مع وجود موضوع رئيسي يفترض الحوار حوله- أن تستوقف المقدم لتبدي له توعكك منها. كما أن وجود نخبة من الشباب المتنور المتناغم تماماً مع أهداف الشيخ وطريقته في الستوديو يعيقك عن أي شيء سوى الاستمرار في لعب دورك كرأي معارض مقامة عليه الحجة أصلاً حتى النهاية- هذا النوع من الشباب يبحث عن أسئلة متسلسلة من النوع الذي يظهر في دعاية ديتول (لماذا تنمو الجراثيم على أيدينا ؟؟ لأننا نلعب بالأوساخ.. والمطلوب؟؟.. ديتول!!)…
الغريب أن معظم الناس أصبحوا ينظرون إلى هذا النوع من البرامج على أنه نوع من التجديد وطريقة معاصرة وموديرن إلى آخر تلك التوصيفات التي خدعت بالبذلة التي حلت محل الثوب واللحية الخفيفة المهذبة التي حلت محل اللحى الكثة المحناة، والبشاشة المحتالة، والنبرة الهادئة التي حلت محل النبرة الكشكية.. والواقع أن كل ما تفعله هذه البرامج هو إعادة إنتاج نفس مقولات السلفية بنفس تفاصيلها في إطار يتظاهر بالحداثة والمعاصرة…
هو إحياء لتراث ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب .. ذلك التراث الذي لم يمت أصلاً.. والذي سيطر على عقول الناس وضمائرها دون منافس بعد أن أتاحت له حالة التردي في كل شيء كل ذلك التغلغل..
ليس هناك محاولات حقيقية للتجديد.. والتصوف السني على أقصى تقدير هو كل ما تتجرأ هذه الفضائيات “التنويرية” على طرحه، وعلى استحياء أيضاً… تحاول دائماً إخفاء وجود مناهج أخرى في التفكير… تتجاهل المعتزلة والمشائية وسائر الفرق التي أعطت العقل دوراً… وتستمر في لعب ذلك الدور الذي لا يساهم إلا في زيادة استلاب عقول الناس التي أرهقتها السياسة، وأرهقها الفكر… وحلبها الغلاء..
تلك هي نوعية البرامج التي يفضلها القوم، ويقبضون على الريموت كنترول كالقابض على جمرة، عندما يظهر هذا الشيخ أو ذاك…وليس من الغريب أن جمهورها هو في الغالب نفس الجمهور الذي يصفق للانتحاريين، ويبشر بفتح رومية والقسطنطينية ! ويمتدح المستبدين والمجرمين ويقيم لهم التماثيل…. (كما قال درويش : في كل مئذنة حاو ومغتصب، يدعو لأندلس ٍ إن حوصرت حلب)..
ولو لم يتبق أمامي سوى محطتين، الأولى تبث ستار أكاديمي والثانية تبث البرنامج الذي ظهرتُ فيه، فلا بد أنني سأختار المحطة الأولى بدلاً من تتحفني طلعتي البهية في ذلك البرنامج..
لأن ستار أكاديمي ببساطة، واضح .. مع كل عيوبه الكبيرة .. لا يتظاهر مثل البرنامج الآخر بما هو منه براء.. وإنما يقول للناس … هأنذا، فإن شئتم فتابعوني.. ولا يهزأ من البرنامج الآخر كما يفعل هو عندما يحذر الشباب من البرنامج الأول..
وفي النهاية، كم كان صادقاً الشيخ الذي دعا بصراحة إلى :
الإجهاز !.. على الفيديو والتلفاز !
يعني لو أطاعوه.. مش كانوا ارتاحوا و ريحوا!!
الأوسمة: برامج دينية, قنوات دينية, التنوير, التلفزيون, مشايخ الفضائيات