قوك يا قرابة !

كان عصر يوم الخميس حيث كنت متوجهاً إلى المدينة الرياضية ماراً بدوار الداخلية. وما إن تجاوزت أزمة الداخلية وكدت أتنفس الصعداء، حتى فاجأني وقوف غريب للسير في بداية الشارع الذي أقصده. وحيث أنني لم استوعب بعد صدمة تكاليف إصلاح “بودي” السيارة للمرة الثانية خلال أسبوعين دافعاً في ذلك الشيء الفلاني عدا مخالفة التتابع -وقدرها خمسون دينارا تدفعها “فوراً” وزي الأسد- والتي أكلتها هنيئاً مريئاً جراء حادث غبي مع أحد صبية عبدون،، فقد تريثت كثيراً،، وزمرت قليلاً، وحافظت على مسافة الأمان التي تفصلني عن الذي أمامي بكل ود، وراقبت السيارات التي بدأت تهرب إلى الشارع الفرعي إلي اليمين بكل تأمل، متوقعاً أن أرى أمامي حادث اصطدام قوي، وعقدت العزم على أن أستفيد من أخطاء الآخرين هذه المرة، وأهز رأسي أسفاً كأي سائق محترف ساءه ما وصل إليه مستوى القيادة في بلده الحبيب.
لكنني تفاجأت بسيارتي “تاكسي” تقفان جنباً إلى جنب معطلتين السير تماماً، ولم يتسن لي أن أفكر في الأسباب المحتملة لذلك التجاور اللطيف، فقد قفز أمامي بسرعة كبيرة مجموعة من الرجال المتشاجرين بضراوة شديدة، حيث تولى اثنان منهما الإجهاز على رجلين قد ألقيا على الأرض والدم ينزف منهما، وهنا ثارت ثائرتي لأرى منظراً بذلك السوء، وسرت في عروقي دماء “لندان مربااط لخيووولينا”.. ولم يتسن لي إظهار بطولتي أيضاً، حيث تفاجأت باثنين يرفعان مسدسين وكأننا في فيلم ماتريكس أو أحد أفلام جيمس بوند. والحقيقة أنني في تلك اللحظة واصلت سيري “زارقاً” بين المتشاجرين بخفة. وإلى الأمام منا بقليل اصطفت عدة سيارات إلى يمين الشارع تراقب الوضع بأسى.
وبعد أن تعديت الموقع بحوالي مئتي متر، اصطففت أنا الآخر إلى اليمين. واتصلت بالشرطة:
بررررر
برررررررررر
بررررررررررررررررررررررررررررر
ولم أيأس …
بررررررر
بررررررررررررررررر
برررررررررررررررررررررررررررررر!!!!
وما قد يتوقعه المرء حين يسمع بشجار يقع في أحد أكثر الشوارع الرئيسية ازدحاماً في العاصمة هو أن يهرع المارة الكثر -سائقين ومشاة- إلى فض الاشتباك، لكن ما حدث هو أن أحداً لم يفكر في التدخل المباشر.. وذلك تفسره بالدرجة الأولى نظرية تسمى بأثر المتفرج Bystander Effect والتي تنص على أنه : في الحالات الطارئة،،، كلما زاد عدد المتواجدين في الموقع، كلما قلت فرصة الواقع في المأزق بأن يحظى بالمساعدة، وذلك لأن كل واحد يتنصل من مسؤولية المساعدة بالتعويل على غيره في غياب استغاثةٍ محددة بشخص معين. أما التفسير الآخر فهو صورة شابين “دواوين” يرفعان مسدسيهما وكأنهما من أعضاء المافيا، أو من عناصر المقاومة العراقية التي تعمل يداً بيد مع الأمريكيين لنشر الرعب في شوارع المدن العراقية. ذلك المشهد كاف بحد ذاته لإخماد نيران النخوة إلى أقصى درجة،، وفي النهاية،، هل سيستفيد ذلك النازف من وجود شخص جديد ينزف بجانبه؟!
المهم أن الشرطة في خدمة الشعب، وأن من يسمع أن جريمة وقعت على بعد عشرات الأمتار من وزارة الداخلية لن يخطر بباله سوى أنها لم تخرج عن السيطرة قيد أنملة، وسيؤكد ذلك السامع -قبل أن يعرف تفاصيل ما حدث- على أن ما نشاهده في الأفلام من وصول الشرطة بعد انتهاء كل شيء لا علاقة له بالواقع..
لكن أول واقع أعرفه، هو أنني أحد الأشخاص الذين يخافون من الشرطة كثيراً، مع أنني لم أتسبب لأحد في يوم من الأيام بنزيف، ولم أحمل مسدساً في حياتي..
لكن ضوء سيارة الشرطة يبدو لي دائماً وكأنه يتراقص استفزازاً لي شخصياً ومن دون كل الناس الآخرين..
الواقع الذي أعرفه أنني ما إن أركن السيارة إلى جانب طريق ما لأنتظر أحداً أو أحدث صديقي الذي يجلس إلى جانبي حتى تداهمنا بسرعة البرق سيارة الشرطة (الأمن) ليقول لنا طاقمها “”حرك السيارة من هون”" وربما يخاطبنا من خلال مكبر الصوت…
الواقع الذي أعرفه أن هناك سيارات فارهة في المقابل يتمركز أصحابها فوقها حول البيوت، في الشارع الذي أسكن فيه، رافعين صوت الأغاني الوطنية عالياً..مغلقين كراجات البيوت، وأحياناً صاعدين بهمراتهم على الأرصفة، وسيارات يركنها أصحابها في منتصف الشارع نازلين لاحتساء القهوة في “فيزا في”.. وبسرعة البرق أيضاً تصل سيارات الشرطة لتلقي عليهم التحية “”قوك يا قرابة”"… ويتصادف دائماً أن الشرطي وصاحب السيارة قرابة،، لأنه كله بيرد على كله.. وأنا الله لا يردني…
الواقع الذي أعرفه أنهم لا يتأخرون لحظة عندما يتعلق الأمر بعامل مصري انتهت إقامته أو كان ثمة خلل في تصريح العمل الذي أتى على أساسه، حيث يزجون بالعامل منهم في النظارات أياماً طويلة ويتنقلون به من سجن إلى سجن ومن قسم إلى قسم، حتى يقوم صاحب العمل -وعلى راحته.. واللي في بيت أهله عمهله- بحل الإشكال الذي تسبب به هو ولا يد للعامل القادم للتو من بلده -أملاً في رزق طيب يرسل به إلى عياله- فيه إلا كما كان لي أنا مثلاً يد في اغتيال الحريري.
ذلك جزء من الواقع الذي أعرفه…
ولكن يتبقى أن أسأل: ترى هل يخاف ذلك الرجل الذي أشهر مسدسه قرب دوار الداخلية من الشرطة بنفس الدرجة التي أخافهم أنا بها؟؟
من يدري !
This entry was posted on أبريل 5, 2008 at 12:17 ص and is filed under فسحة أمل (في تناول هموم عامة). You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed.
You can leave a response, or trackback from your own site.
أبريل 6, 2008 عند 6:07 ص
hahahahaha
d
wallahi 3ijab ya zalameh… stuff like that? only in jordan
أنصر أخاك ظاماً أم مظلوماً
هيك صايرة الشغلة!
أبريل 7, 2008 عند 8:54 م
قوك يا قرابة
أبريل 8, 2008 عند 12:16 م
عزيزي عبد الهادي..
والله زمان..
وتعليقك في مكانه
مشكور لمرورك…
…
أمي ،
قويت D: