غيرش الأيام المدعوقة
التكنولوجيا في خدمة الإنسان.. والإنسان في خدمة الدولة.. وبالتعدي تكون التكنولوجيا في خدمة الدولة
صدر قرار حكومي يلزم أصحاب مقاهي الإنترنت باستخدام أنظمة متطورة لمراقبة الزبائن كتنصيب الأنظمة التي تحتفظ بالسجلات لمدة أسبوعين على الأقل وكذلك تركيب كاميرات للمراقبة. وبالطبع مر القرار دون أي جلبة، فنحن شعب “آدمي” يسعدك أن تنتمي إليه، وقد يسعدك أكثر أن تحكمه، وهو شعب يتقد بعض أبنائه ذكاءً، لا سيما أولئك الذين يتصدون لتفسير كل شيء حصل أو يحصل أو سيحصل في أي مكان أو زمان أو حتى خارج الزمان والمكان بنفس تسبيلة العيون ونفس الابتسامة البليدة التي تتظاهر بالشطارة وينبري أصحابها للدفاع عن أي قرار تصدره أي سلطة في العالم.. حتى السلطات المتناقضة، لأن موضة الاعتراض قد أفلت وأصبحت مملة وحان وقت التأييد والتصفيق وهز الرؤوس والاجتهاد في إيجاد التبريرات، وهذه الابتسامة الغبية بالطبع ترسم ابتسامة أخرى على وجوه بعض المسؤولين (تبدو لي كابتسامة طفل أطلق ريحه وابتسم عندما لصقت التهمة بطفل آخر)…
والتفسيرات تراوحت بين من ربط القرار بحرص الحكومة على “فرض” الرقابة الأخلاقية على المراهقين ومنعهم من الدخول إلى المواقع الإباحية، و من ربطه بحرص الحكومة على ضبط استخدامهم للإنترنت الذي أصبح تحصيلهم الأكاديمي يتدهور بسبب الإفراط في استخدامه، وهي تفسيرات مريحة ولطيفة ومقنعة… ولكن لمن… فلم يطلب أحد أي تفسير… فشعبنا آدمي بحق،، يصحو على صوت “محمد الوكيل” وينام في نفس الموعد الذي كان إرسال القناة الأولى فيه ينتهي قبل أن تصل إلينا الفضائيات الآثمة في هذا الزمن الأغبر..
قبل فترة كان الشارع الأردني يغلي مثل الركوة المنسية في موضوع أصبح شغله الشاغل،، إشاعة عن قانون يمنع “تسحيل البنطلونات” ويسمح للشرطي ب”جرجرة” كل من تسول له نفسه تسحيل بنطاله أكثر من الحد المسموح الذي يبدو أن القانون سيحدده بالسنتيميترات المكعبة وبالأبعاد الثلاثة… ولم يكن الشارع يغلي من الغضب بالطبع، بل من الحماسة… فلم يبق أحد من شعبنا المتنور إلا وبشرني بتلك العودة الأصيلة للقيم والمثل العليا وتقاليد العصور المفضلة وأننا على ”عضة كوساية” من الوصول إلى يوتوبيا طالبان والمحاكم الإسلامية… وعندما سألت أحد أولئك المتحمسين: وهل سيمنح الشرطي الحق في قياس مقدار “السحولة”.. لنقل على خصر فتاة مثلاً… ذهل صاحبنا وكأن على رأسه الطير،، فقد أصابته الحيرة… خشية من أن يكون هذا القانون سلاحاً ذا حدين ومدخلاً بطريقة ما لفساد يطال البر والبحر أو خصور صاحبات الصون والعفاف من بنات العشيرة الفاتنات…
ولأن الذاكرة القصيرة لشعبنا لا تتجاوز ال100 كيلو بايت كما يبدو، فقد ذهب أوان تلك الهبة وجاء أوان هذه… وهي هبات لا تعني بأي وجه من الوجوه أي شكل يقترب من الاحتجاج لا سمح الله.. فهي مجرد حماسة بريئة من شعب طيب “ليس ضد مصلحة الدولة العليا حتى لو كانت ضد مصلحته هو السفلى” على رأي عادل إمام في السفارة في العمارة.
ولكن ما سبب ذلك التشديد على مقاهي النت؟؟
وما سبب اختلاق إشاعات كإشاعة قانون السراويل تلك ليلعب بها الناس ويثرثروا ؟؟ هل لينشغلوا بها عن مواضيع أكثر أهمية مثلاً؟؟
وهل خليت البلاد ممن قد يجد تفسيرات أخرى لما يجري؟
أقول : “إن خليت بليت”
وعلى رأي نجم وإمام:
“دحنا الحريفة العريفة.. غيرش الأيام المدعوقة”