Archive for مايو, 2008

بدون عنوان 2

مايو 28, 2008

ولدنا لنحيا …

ونـُمضي َ أيامنا .. ها هنا

حيث يوحي بنا ذلك الكون وحياً

إلى نفسه

نتنزّل مثل الشتاء عليه

ونسقيه سقيا

ونمضي ويبقى

ويبلعنا ..

لا ليشهد أنا ولدنا

وكنا .. ومتنا

ولكن

ليجعلنا ذلك الكون نسْيا

..

ولدنا ليحبطنا ضعفنا

ونبحث عن لذة في الشعور

بأنا ظلمنا .. بأنا اضطهدنا..

وأن لنا رغم ذلك رأيا…

.

.

يتبع

كروبوتكين : عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك

مايو 26, 2008

بيتر كروبوتكين : الأخلاق الأناركية / الفصل الرابع
(الترجمة إلى العربية بتصرف : محمد عبد القادر الفار)
إن رجال الدين اليهود والبوذيين والمسيحيين والمسلمين قد لجؤوا إلى الإلهام الإلهي للتمييز بين الخير والشر. وقد رأوا أن
الإنسان، سواء كان بدائياً أو متحضراً، جاهلاً أو متعلماً، فاسداً أو طيباً ومخلصاً، يعرف دائماً ما إذا كان يفعل الخير أو الشر، وخصوصاً إذا كان يفعل الشر. ولما لم يجدوا أي تفسيرات لذلك الادعاء العام، فقد ردوه إلى الوحي الإلهي. الفلاسفة الميتافيزيقيون، من جانبهم، قد أخبرونا عن الضمير، عن ذلك ” الملزم” الخفي، و هم في النهاية لم يغيروا شيئاً سوى الكلمات.

 

لكن أياً من أولئك لم يستطع تقدير الحقيقة البسيطة الساطعة وهي أن الحيوانات التي تعيش في مجتمعات قادرة أيضاً على التمييز بين الخير والشر، تماماً كما يفعل الإنسان. وعلاوة على ذلك، فإن مفاهيمها عن الخير والشر لها نفس طبيعة مفاهيم الإنسان عنها.

 

بل إن الكائنات الأكثر تطوراً في الرتب المختلفة ، — الأسماك، الحشرات، الطيور، الثدييات،– تتطابق مع بعضها في ذلك.
لقد أظهر”فوريل”، ذلك الباحث الفذ عن النمل، عن طريق عدد ضخم من الملاحظات والحقائق أنه عندما تقابل نملة ذات حصاد مملوء بالعسل نملات أخرى فارغة البطون، فإن تلك النملات تطلب منها على الفور أن تطعمها. وفي ما بين هذه الحشرات الصغيرة، يكون واجب النملة الشبعانة أن تفرغ العسل الذي بحوزتها حتى يصل أصدقاؤها الجوعى إلى الشبع أيضاً.

اسألوا النمل إذا كان من الصواب أن ترفض النملة إعطاء الطعام لنملات أخريات من نفس كثيب النمل عندما تكون قد أمنت حصتها. سيجيبونك، بسلوك لا يخطئ أبداً، أن ذلك سيكون خطأً كبيراً. فالنملة الأنانية جداً تتم معاملتها بقسوة أكبر من القسوة على الأعداء من الأجناس الأخرى. وإذا حدث شيء كهذا أثناء معركة بينهم وبين نوع آخر من الأجناس، فإن النمل سيتوقف عن القتال لينهال على العضو الأناني. هذه الحقيقة تم إثباتها عن طريق تجارب لم تدع مجالاً للشك.

أو مرة أخرى، اسأل العصافير التي تعيش في حديقتك إذا كان من الصواب لعصفور عدم تنبيه سائر مجتمع العصافير الصغير عندما يلقى إليه بعض فتات الخبز حتى تأتي بقية العصافير لمشاركته في الوجبة. اسألهم هل كان عصفور السياج ذاك على حق عندما سرق من عش جاره تلك القشات التي جمعها جاره بنفسه، وكان هو أكسل من أن يذهب لجمعها كما فعل جاره. ستجيبك العصافير بأنه كان مخطئاً جداً، بطيرانها إلى السارق ونقره.

أو اسأل المراميط (نوع من القوراض، المترجم) إذا كان من الصواب أن يرفض أحدها أن يأذن للمراميط الأخرى من نفس الجماعة بالدخول إلى مخزنه تحت الأرض. سيجيبونك بأن ذلك خطأ فادح، بالتشاجر بكل السبل مع ذلك البخيل.

وأخيراً، اسأل الإنسان البدائي إذا كان من الصواب أن يأخذ الطعام من خيمة فرد آخر من القبيلة أثناء غيابه. سيجيبك بأنه طالما كان قادراً على الحصول على طعامه بنفسه، فذلك سيكون خطأ ً كبيراً. ومن ناحية أخرى، إذا كان متعباً أو محتاجاً، فلا بد له من أخذ الطعام حيثما يجده، ولكن في هذه الحالة فإن من الأفضل له أن يترك قبعته أو سكينه أو حتى جزءاً من خيط معقود، حتى يعلم الصياد الغائب عند عودته بأن ثمة صديقاً كان في الأرجاء، لا سارقاً. فاحتياط من هذا النوع سيوفر على صديقه القلق من وجود محتمل لبعض الغزاة بجوار خيمته.

يمكن الاستشهاد بآلاف الحقائق المشابهة، ويمكن تأليف كتب كاملة، لإظهار مدى تطابق المفاهيم عن الخير والشر بين البشر وسائر الحيوانات.

إن النملة، والعصفور، والمرموط، والبدائي لم يقرأوا لا ل”كانت” ولا لآباء الكنيسة ولا حتى لموسى. ومع هذا فإن لديهم جميعاً نفس الفكرة عن الخير والشر. ولو تأملت لبرهة في ما يقع تحت هذه الفكرة، سترى بشكل مباشر أن الفعل الذي يعتبر خيراً عند النمل، والمراميط، و الأخلاقيين المسيحيين أو الملحدين هو ذلك الفعل المفيد للحفاظ على النوع؛ وأن ذلك الفعل الذي يعتبر شريراً هو ذلك الفعل الذي يضر بالحفاظ على النوع، ليس بالنسبة للفرد، كما يقول بنتام وميل (فيلسوفان نفعيان، المترجم) بل بحسب الأعدل والأفضل للنوع كله.

إن فكرة الخير والشر إذاً لا علاقة لها بالدين أو الضمير الخفي. إنها حاجة طبيعية للأجناس المختلفة من الحيوانات. وعندما يحدثنا مؤسسوا الأديان، والفلاسفة، والأخلاقيون عن كيانات غيبية أو إلهية، فهم يقومون فقط بإعادة تشكيل لما تمارسه كل نملة وكل عصفور في مجتمعه الصغير.

هل هذا الشيء مفيد للمجتمع؟ إذاً فهو جيد. هل هو مضر؟ هو سيء إذاً.

قد تكون هذه الفكرة محصورة وضيقة عند الحيوانات الأدنى، ويمكن أن تكون أوسع عند الحيوانات الأكثر تطوراً، لكن جوهرها يبقى نفسه دائماً.

فبالنسبة للنمل، لا يتعدى تطبيق ذلك المبدأ حدود الكثيب. فكل الأعراف الاجتماعية، وكل قواعد السلوك الجيد هي مطبقة فقط على الأفراد داخل الكثيب الواحد، وليس على أي أحد آخر. فأي كثيب معين لن يعتبر أن كثيباً آخراً ينتمي للعائلة نفسها، إلا في حالات استثنائية، كأن تصيبهما معاً محنة مشتركة. والعصافير في “حدائق لوكسمبرغ” في باريس، بالطريقة نفسها، ومع أنها ستتبادل المنافع مع بعضها البعض بطريقة ملفتة، ستتشاجر حتى الموت مع عصفور آخر من “ساحة مونغ” (ساحة في باريس، المترجم) جازف بالمجيء إلى حدائق لوكسمبرغ. وكذلك الإنسان البدائي سينظر إلى البدائي من قبيلة أخرى كشخص لا تطبق عليه معاملة أفراد قبيلته هو. بل قد يسمح لنفسه بأن يبيع له، و”أن يبيع” يعني دائماً أن يسرق المشتري بشكل ما؛ فالبائع أو المشتري، أحدهما دائماً يتعرض للاحتيال. لكن البدائي سيعتبر البيع لأفراد قبيلته جريمة، إذ أنه يعطي لهم من دون حساب.

أما الإنسان المتحضر، فعندما يدرك في النهاية العلاقات بينه وبين الإنسان البسيط، تلك الروابط القوية التي قد لا يدركها للوهلة الأولى، فإنه سيوسع عمله بمبادئه في التضامن والتماسك لتشمل كل الجنس البشري، بل حتى الحيوانات. فالفكرة تتوسع، لكن أساسها يبقى نفسه.

من ناحية أخرى فإن إدراك الخير أو الشر يختلف تبعاً لدرجة الذكاء أو المعرفة التي تم تحصيلها. وليس هناك شيء غير قابل للتغيير بالنسبة لهذا الإدراك.

ربما كان الإنسان البدائي قد فكر أنه من الصائب جداً – أي من النافع بالنسبة للنوع – أن يأكل أبويه المسنين عندما يصبحان عبئاً ثقيلاً جداً على المجتمع. وربما فكر أيضاً أنه من النافع للمجتمع أن يقتل أطفاله حديثي الولادة، وأن يبقي طفلين أو ثلاثة في كل أسرة، حتى يتسنى للأم أن ترضعهم إلى أن يصلوا سن الثلاث سنوات وتمنحهم المزيد من حنانها.

في أيامنا هذه تغيرت الأفكار، ولم تعد الوسائل اللازمة للبقاء كما كانت في العصر الحجري. فالبشر المتحضرون ليسوا في موقع العائلة البدائية التي كان عليها أن تختار بين رذيلتين : إما أكل الآباء المسنين، أو البقاء دون تغذية كافية حتى يصبحوا عاجزين عن إطعام أي من الآباء المسنين أو الأطفال الصغار. إن علينا أن ننقل أنفسنا إلى تلك العصور -التي يصعب علينا كثيراً أن نستحضرها في عقولنا- قبل أن نتمكن من تفهّم أن الإنسان نصف البدائي، في ظل الظروف التي كانت موجودة حينها، ربما فكر بمنطق كاف بالنسبة له.

إن أساليب التفكير قد تتغير. وتقدير ما هو نافع أو ضار بالنسبة للنوع يتغير، لكن الأساس يبقى ثابتاً. وإذا أردنا أن نلخص كل فلسفة المملكة الحيوانية في جملة واحدة، فعلينا أن نرى أن النمل والطيور والمراميط والبشر يتفقون جميعاً على نقطة واحدة.

إن المبدأ الأخلاقي الذي يتأتى من ملاحظة المملكة الحيوانية كلها يمكن تلخيصه بما يلي : “عامل الآخرين كما تريد منهم أن يعاملوك في الظروف نفسها”. وإضافة إلى ذلك : ” تذكر أن هذه مجرد نصيحة، لكن هذه النصيحة هي ثمرة تجربة الحيوانات الطويلة في المجتمع. وقد أصبح اعتيادياً عند ذلك العدد الضخم من الحيوانات الاجتماعية، بما فيها الإنسان، التصرف وفق هذا المبدأ. ومن المؤكد أنه من دون ذلك ما كان أي مجتمع ليحافظ على وجوده، ولم يكن أي نوع ليتمكن من التغلب على العوائق الطبيعية التي كان عليه أن يكافحها”.

الموقع الذي يحتوي النص الأصلي : http://dwardmac.pitzer.edu/ANARCHIST_ARCHIVES/index.html
 

 

 
 

 

جيفارا.. أيقونة.. ببندقية .. وسيجارة

مايو 24, 2008

 

ما سر تلك الكاريزما الفريدة لجيفارا؟ وما سبب تلك الشعبية التي لم يحظ بها على حد علمي أي ثائر آخر حتى أصبح أيقونة تعلق في الميداليات وتطبع على “التي شيرتات” بل وتنحت على الصخر، بل أصبحت له أغان وصل بعضها إلى برامج شبابية مثل ستار أكاديمي؟

 

هل هي شيوعيته؟

بالطبع لا، فشعبيته ودون أن نكذب على أنفسنا تفوق شعبية الفكر الشيوعي بين الناس،. بل إن بعض القومجية والإسلمجية والوطنجية بل حتى بعض الرأسمالجية معجبون به!

 

وبالطبع ليست شعبية جيفارا ناتجة عن تصور ٍ أكثر جاذبية للشيوعية عنده، فالرجل لم يكن منظـّراً،، بل إن تفاصيل توجهاته الشيوعية تتجاذبها أقوال عديدة، منها ما جعل منه ستالينياً ديناصورياً ومنها ما جعله تروتسكيا، حتى ذهب أكثر المتحمسين له إلى جعله أناركيا، لمجرد تخليه عن المناصب التي منحها له فيدل كاسترو!

 

هل هي تضحيته ؟؟

لا بد أن لتضحيته وموته ثائراً في الأدغال أثراً كبيراً في صنع تلك الهالة له… فتراجيديا نهايته المحتومة التي سار إليها بخطى واثقة وثابتة في سبيل الملايين البائسة لها أكبر الأثر في خلق تلك الكاريزما… لكن هل هذا كل شيء ؟؟..

 

فكم من مضح وشهيد في سبيل التحرر والعدالة الاجتماعية لم يحظ بعشر ما حظي به جيفارا من الاهتمام… هكذا يبدو موضوع التضحية غير كاف لإقناعنا بسبب تلك الهالة..

 

 فثمة أشياء أخرى كما يبدو…

 

يقول البعض أن الإمبريالية العالمية نجحت في قتل صورة جيفارا كمناضل ثوري في سبيل الشيوعية والتحرر بجعله عبر القمصان والأفلام بطلاً فروسياً حالماً مثل دون كيخوتي.. وبدعمها لمحاولات حسنة النية وأخرى سيئة النية لتخليد جيفارا، نجحت في تفريغ نضاله من جوهره الاجتماعي بتضخيم صورة إعلامية سطحية على حساب صورته الحقيقية…

 

قد يكون ذلك الفرض صحيحاً في جزء منه.. وقد يكون فيه أيضاً شيء من المبالغة ..

 

لكنه يبقى جديراً بالاهتمام عند النظر إلى صور جيفارا المنتشرة..

 

أكثر صور جيفارا هي صوره باللباس العسكري،، ممسكاً بندقيته في يده،، وواضعاً السيجار الكوبي في فمه… صورة جذابة بالنسبة  للمراهقين بشكل خاص.. ومع لحيته الجريئة وشعره الطويل وابتسامته الجذابة ونظرته الذكية تصبح بوستراته شبيهة بأفيشات نجوم هولي وود أمثال كلينت ايستوود أو اللاتيني انتونيو بانديراس..

 

ولكن لماذا البندقية… ولماذا السيجارة!!

 

قرأت في أحد المنتديات موضوعاً لعضو ذي توجهات نيوليبرالية تهجم فيه على جيفارا مستنداً على وثائق ومصادر غير موثوقة حيث اتهمه بالإشراف على تنفيذ أحكام إعدام أصدرها كاسترو، وكال صاحبنا له قائمة كبيرة من الاتهامات التي لا حاجة للتوقف عندها لاعتمادها على مصادر غير موثقة..

 

شيء واحد فقط استوقفني حقاً في كلامه.. شيء لا بد من الوقوف عنده…

 

عندما تساءل قائلاً : أليس الأولى بصورة رمز للإنسانية والعدالة أن تكون مثل صورة غاندي مثلاً.. مفرطة في التواضع والسكينة والسلام… أليس من الغريب أن نعتبر شخصاً يحمل سلاحاً للقتل رمزاً للإنسانية؟؟

 

 ومع أن كلام صاحبنا يضع العربة أمام الحصان،، إذ أن الإمبريالية شرسة إلى الحد الذي يستدعي مواجهتها -وهي التي تأتي بأسلحتها المدمرةوالفتاكة- بالقوة “المنضبطة” في بعض الحالات… إلا أن ما يستحق النظر في كلامه هو إشارته إلى جاذبية السلاح، بندقية كان أو سيفاً أو غير ذلك من الأسلحة،بالنسبة لكثير من الناس الذين سيطرت عليهم فكرة “البطل” القوي الذي يضج بالفحولة ويستخدم قوته وعنفه لتحقيق بطولته… فهو بطل قاتل

ومحارب.. لديه الشجاعة ليقتل….. ولا يكفي ليكون بطلاً في أعينهم أن تكون لديه الشجاعة ليموت…

 

فهناك مثلاً البطلة الأمريكية راشيل كوري والتي لا أنكر أنها حظيت بالاهتمام الكبير لكنها تبقى مغمورة إذا ما ذكر جيفارا… ومع أن راشيل كانت لديها الشجاعة لتموت وتنطحن عظامها تحت الجرافات الإسرائيلية في رفح.. إلا أنها لم تمتلك الشجاعة لتقتل… وربما لو قتلت… لأصبحت أيقونة بطولية مثل جيفارا…

 

ربما يقول قائل أن راشيل في النهاية أنثى… وربما لا تحتاج إلى “فضيلة القتل” الذكورية تلك لتصبح أيقونة… لكن الموضوع ليس موضوع ذكر وأنثى بقدر ما هو فكرة خاطئة تكونت عند الكثيرين عما يسمى “بالبطولة”… وطالما بقيت البطولة بهذه الصورة العنيفة مدعاة للفخر والمدح، فسيبقى كل الأبطال في هذا العالم أبطالاً بالنسبة للبعض ومجرمين بالنسبة للبعض الآخر… ولن يجتمع هذا العالم كله على بطل واحد….

 

 إن التهاون في نظرة الناس إلى العنف هو ما جعل “البطل” المقاتل رمزاً… هو ما جعل الكثير من القتلة والمجرمين في هذا العالم أبطالاً بالنسبة لكثير  من الناس… بل هو ما جعل مهنة الجندي ومهنة الشرطي مهناًً شريفة في نظر البعض… هو ما رسخ فكرة “المستبد العادل” الذي يقتل في سبيل الغاية العليا التي لا مانع من العنف لتحقيقها…

 

أما السيجارة… فهي مجرد عادة سيئة عند جيفارا… ولا ينبغي أن نروج لما يقتل البشر والكائنات الأخرى التي لا ذنب لها ويدمر البيئة  عبر التركيز على كونه إحدى هوايات المناضل المحبوب جيفارا… لأن السم سم… سواء صنعه فيليب موريس أو صنعه فيديل كاسترو.. و جيفارا لا يستحق منا أن نجعل عادة سيئة عنده جزءاً من ماكياج جاذبيته كما في الصورة “الهولي وودية”  التي صنعها له الإعلام الإمبريالي أو اللامبالي…

 

لا أعتبر جيفارا بأي شكل من الأشكال من أولئك النفر المجرمين الذين تم منحهم وسام البطولة من قبل الناس… لأن الإمبريالية شرسة إلى الحد الذي يستوجب مواجهتها لإيقافها عند حدها.. وهي الصورة الحقيقية لجيفارا… التي لا تحتاج إلى البروبجندا الإمبريالية التي تمسخها وتجعلها مجرد صورة بطل مقاتل… يحب القتال لذاته مثل الزير سالم..  وجل اهتمامي هنا هو إيقاظ أولئك الذين بهرهم جيفارا لمجرد ظهوره ببندقية وسيجارة دون أن يفهموا ويتفهموا ويؤيدوا دوافع ذلك الثائر الشيوعي للنضال الاجتماعي…

 

 

لن يفهم كلامي من يدعو إلى اللجوء إلى العنف في الصراع الطبقي … وسيسمني بالجهل

ولن يفهم كلامي أي شخص يتسامح مع العنف… الذي هو بالأساس ما دفع جيفارا لحمل سلاحه كدفاع عن المعنــّفــين من قبل الإمبريالية…

 

إن أفضل من سيفهم كلامي هذا هو جيفارا نفسه !..

عزف منفرد وغناء (3)

مايو 23, 2008

جزء من أغنية رباعيات الخيام ..

ترجمة الشاعر أحمد رامي

موسيقى الموسيقار رياض السنباطي

 

عزف وغناء : محمد الفار

غرور

مايو 22, 2008

لقد استغنت نرجس ٌ بحلاها

عن حلا الياسمين والأقحوان ِ

 

غرَّها حسنها فظنته حكراً

وانفراداً لها بقلب ٍ أناني

 

بخّسَت شأن كل حلو ٍ سواها

ذاك وهم التفوق الفتان ِ

 

قالتِ الأمر ليس فيه جدال ٌ

وأوان الورود أصلاً أواني

 

بجمالي انشغلت ُ عن كل سحر ٍ

للعبير الجميل أو للأغاني

 

ردَّ ورد البستان ماذا أقول ُ

إن غيظي من الغرور عماني

 

“كن قبيحاً ترى الوجود جميلاً”

لا جميلاً تراه فظ َّ المعاني

 

قلت ُ مهلاً إنّ الحلا والغرورَ

لــَـنـَقيضان ِ كيف يجتمعان ِ

 

إن أصل َ الجمال قلب ٌ وروحٌ

لا انبهار ٌ بمظهر ٍ .. هو فاني

 

2004

اللاعنف في العقائد الأسيوية

مايو 21, 2008

 
 
من نص ل ويليام ستيوارت نيلسون : سنـّة اللاعنف وقواها الكامنة
 
(الترجمة إلى العربية : محمد عبد القادر الفار)

ما بين الألف الأول والثاني قبل الميلاد، عندما كان الإغريق لا يزالون قبائلاً رحلاً، ظهرت أقدم كتابات التاريخ الدينية في الهند، وهي “الفيدا”، التي نجد فيها ما يوصف بأنه “أول تدفق من العقل ِ الإنساني، ومن وهج  ِ الشعر، والطرب ِ ببهجة الطبيعة وغموضها”.
 
وبعد “الفيدا” جاءت تعاليم “البراهمانا”، وشرائع “المانوية”، و “الأوبانيشاد” الفلسفية. ثم ظهرت الملحمتان العظيمتان : “المهابهاراتا” و “الرامايان”، وكجزء من “المهابهاراتا” كانت أناشيد الرب ” بهاغافاد غيتا” التي وصفها الفيلسوف الألماني “فيلهلم فون هومبولدت” بأنها ” الأجمل، بل ربما هي الأغنية الفلسفية الحقيقية الوحيدة التي لها وجود بأي لغة معروفة”. 
 
ومنذ البداية، ومتضمنةً في الصلوات، والتأملات الفلسفية، والوصايا، والشعر والملاحم، كانت فكرة اللاعنف حاضرة. وفي “البهاغفاد غيتا” ، تعتبر “الأهيسما”  Ahisma-والتي تعني اللاعنف - فضيلةً أخلاقيةً علوية :
***
وأرى فال الشؤم يا كْريشْنا، ولا أرى أي منفعة من قتل أقربائي في المعركة. 1/31
ليس حقاً أن نقتل أبناء دْهْريتاراشْتْرا، أقاربنا، أخوة أبي. كيف يمكن أن نكون سعداء يا مْدهافا، يا كْريشْنا، إذا قتلنا شعبنا. 1/ 37
حتى ولو كانت عقولهم ممتلئة بالجشع ولا يرون مدى الخطأ الذي يقترفونه في تدمير العائلة، ولا يرون أي خطيئة في خداع الأصدقاء 1/38

((ترجة الأستاذ سليم حداد))
http://www.tmbulletin.com/bhagavadgita/index.htm
***

إن قوانين المانوية تنص على أن الذي يريد أن يعلم الآخرين ما فيه خيرهم وسعادتهم يجب أن يهتدي “بالأهيسما” وأن يستخدم نحوهم خطاباً عذباً ولطيفاً. ومن المهابهاراتا تأتي الحكمة التي تقول أن اللاعنف هو أعظم ديانة أو فريضة.

واللاعنف ليس فقط أحد الفضائل الجوهرية في الهندوسية ورؤيتها الكونية بشكل عام، بل فيه أيضاً تلك السجايا الأخرى للروح الإنسانية الي لا تنفصل عن اللاعنف. ولذلك فقد حثت المهابهاراتا على الامتناع عن إلحاق الأذى بجميع المخلوقات سواء بالفكر، أو بالقول، أو بالفعل، واعتبرت أن الطيبة والكرم هي الواجبات الثابتة للخير والصلاح. فمن توجيهات قوانين المانوية : “دعه يستمع إلى الكلمات القاسية بصبر. دعه لا يهين أي أحد. وفي وجه أي إنسان غاضب دعه لا يظهر الغضب في المقابل. دعه يبارك إذا ما لعن.”

وطوال الآلاف من السنين التي مرت بها النصوص المقدسة، نجد حضوراً للمعاناة المفروضة ذاتياً، وكذلك تنازل المرء عن كل ما لديه من أجل الخير، وهما الأمران اللذان سنكتشف أن كليهما من الأمور الثابتة المصاحبة لمنهج اللاعنف الحقيقي.

لقد اتبعت الهندوسية القديمة مسار معظم الديانات الأخرى تاركة وراءها صفاء سنينها الأولى من الروحانية النقية، والشعر، والفهم الفلسفي والأخلاقي العميق فانحدرت إلى عبادة جامدة، دنيوية، ذات نظام اجتماعي طبقي، قاس جداً.

وجاء الإصلاح العظيم بمجيء جواتما بوذا، قبل الميلاد بخمسمئة سنة، والذي أعطى للعالم نموذجاً شخصياً مبكراً وعظيماً واستثنائياً على الالتزام التام بأسلوب حياة اللاعنف.

ابتعد بوذا عن شعائرية الفيدية وطقوسها، فهاجم الخرافات، والمراسم، وحرفة كهان الدين والمصالح الشخصية المتعلقة بها، والغيبيات، واللاهوت، والمعجزات، والوحي، وكل ما يتعلق بما هو خارق للطبيعة. فاستند إلى المنطق والتجربة. وركز على الأخلاق. وبذلك الوصف للإصلاح البوذي، يقول نهرو عن بوذا : ” إن نظرته الشاملة تأتي مثل نفس من الريح النقية القادمة من الجبال بعد الهواء الفاسد للتأمل الغيبي”.
 
ما القيمة التي تتراكم مع العنف؟
 
إجابة البوذية على ذلك هي : “الأحقاد لا تخمد بالحقد،، كلا،، الأحقاد تخمد بالمحبة”.  

ويمكن الاعتماد على “الانتصارات” لتربية الكراهية،، فالمهزومون بائسون بطبيعة الحال.
 
إن كلام الناس يجب أن ينسجم مع القاعدة نفسها، لأن استخدام لغة قاسية مع أولئك الذين ارتكبوا الخطيئة هو بمثابة نثر الملح على جراح الخطأ.
 
علــًّم َ بوذا :
 
أخي يجب ألا يقوم متعمداً
بتدمير حياة أي كائن
لا نقوم من أجل حياتنا نحن أبداً
بقتل كائن حي عن عمد
إن من يعثر على الحقيقة
ويضع جانباً العصا والسيف..
يعيش حياة البراءة والرحمة
فيعالج الشقاقات.. ويرسخ الصداقة
لأن سعادته هي في السلام.. 
 
لقد تحدثت عن التزام بوذا التام بأسلوب حياة اللاعنف. إن التزاماً من هذا النوع لابد أن يتضمن حرصاً عميقاً على خير الجميع.  وذلك نابع فعلاً من عاطفة بوذا. فقد قال مرشداً تلاميذه : “اذهبوا إلى كل البلاد وادعوا إلى هذا الإيمان. قولوا لهم أن الفقير الضعيف، والغني المترف، هم كلهم واحد، وأن الطبقات كلها تتحد في هذا الدين كما تفعل الأنهار في البحر.”  
 
عش حياتك من أجل خير وسعادة  الجموع العظيمة، بشفقة ورحمة مع العالم، من أجل خير وفوز وسعادة الناس.
 
أما “المنبوذون” بالنسبة له، فلم يكونوا “المنبوذين” المعتادين عند الهندوس,, فقد قال:
 
… إن الإنسان الغاضب، والذي يضمر الكراهية
والذي يؤذي الكائنات الحية، ويكذب في حديثه
ويمجد نفسه ويحتقر الآخرين
يجعلك تعرفه “كمنبوذ”
 
إن الإخلاص لنهج اللاعنف يتضمن أيضاً الانضباط الذاتي ونكران الذات. وقد رفض بوذا المبالغة في الزهد واختار الطريق المعتدل بين انغماس الذات في شهواتها وإهلاكها بالزهد، مع انضباط ذاتي صارم، وقال : “لا يستطيع ولا حتى إله،، أن يحول انتصار إنسان تغلب على نفسه فعاش دائماً متقيداً بانضباطه إلى هزيمة”..  
 
وبعد أن أصبح له ستون تابعاً، أرسلهم في طريقهم بهذه الرسالة : “اذهبوا أنتم الآن بتعاطفكم مع العالم، من أجل خير الآلهة والناس. ولا يذهب اثنان منكم في نفس الطريق. بشروا الناس بالعقيدة المجيدة. نادوا بحياة كاملة، ومثالية، وصافية،،، حياة من القداسة”.
 
ومع أن بوذا لم يشجع على إهلاك النفس وتعذيبها، إلا أنه حذر من عاقبة الأنانية. فقال المعلم : “يعاني الناس من أنانيتهم؛ يقتلهم قلقهم الدائم”، و :
 
الإنسان الذي يمتلك الكثير من الأملاك
ولديه الذهب والطعام
وينعم دائماً بأشيائه الحلوة
هذا هو سبب الخسارة
 
إن البوذية المتأخرة ابتعدت في كثير من النواحي عن تعاليم مؤسسها الأول، ومع هذا، ورغم مغادرتها للهند بعد أكثر من ألف سنة، فقد تركت أثراً لا يمحى على حياة وفكر هذه البلاد.
 
.
.
.
.يتبع
 
The Tradition Of Non-violence And Its Underlying Forces
 By Wiliam Stuart Nelson
http://www.mkgandhi.org/g_relevance/chap01.htm
 

ما الذي تريده من الحياة ؟

مايو 18, 2008

لألكسندر بيركمان

(الترجمة إلى العربية : محمد عبد القادر الفار)

ما هو أكثر ما يريده كل إنسان في الحياة؟ ما الذي تريده “أنت” شخصياً أكثر من أي شيء؟

في النهاية، نحن كلنا مثل بعضنا البعض تحت هذه الجلود. وأياً كنت – رجلاً أو امرأة، فقيراً أو غنياً، أرستقراطياً أو متشرداً، أبيضاً، أصفراً، أحمراً، أو أسوداً، ومن أي أرض أو جنسية أو دين – فكلنا نتشابه في الإحساس بالبرد والجوع، بالحب والكره؛ كلنا نخاف الكوارث والأمراض، ونحاول أن نبتعد عن الأذى والموت.

فأكثر ما تريده “أنت” من الحياة، وأكثر ما تخاف منه، هو كذلك أيضاً بالنسبة لجارك، بشكل عام.

لقد كتب المثقفون كتباً ضخمة، كثير منها عن السوسيولوجيا، والسيكولوجيا، و “أولوجيات” أخرى كثيرة، ليقولوا لك ما الذي تريده، و مع هذا لم يتفق أي اثنين من هذه الكتب مع بعضهما. ولكنني أعتقد أنك تعلم تماماً – و من دون مساعدتهم - ما تريده حقاً.

لقد درسوا وكتبوا وفكروا كثيراً في ذلك الأمر، الذي هو بالنسبة إليهم مسألة صعبة، حتى أصبحت َ أنت، الفرد، مفقوداً تماماًً في فلسفاتهم. وقد وصلوا في النهاية إلى استنتاج أنك، يا صديقي، لا تهم على الإطلاق. فالمهم، كما يقولون، ليس أنت، بل “الكل”، أي كل الناس معاً. وهذا “الكل” يسمونه “المجتمع”، أو “الكومنولث” ، أو “الدولة”. وهؤلاء المتحذلوقون قد قرروا بالفعل أنه لا يهم إذا كنت أنت، الفرد، تعيساً طالما كان “المجتمع” على ما يرام. وبطريقة ما ينسون أن يفسروا كيف يمكن أن يكون “المجتمع” أو “الكل” على ما يرام عندما يكون كل فرد فيه بائساً.

ولهذا يتابعون نسج شباكهم الفلسفية منتجين مجلدات سميكة من أجل معرفة أين تقع أنت بالفعل في مخطط الأشياء الذي يدعى حياة، وما تريده في هذه الحياة حقاً.

لكنك تعرف بنفسك ما تريده .. تعرفه جيداً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى جارك.

تريد أن تكون بخير وصحة، تريد أن تكون حراً، أن لا تكون خادماً لأي سيد، أن لا تذل نفسك أو تجثو أمام أي إنسان؛ تريد أن تحظى بالرفاهية لنفسك، ولعائلتك، وللمقربين منك والأعزاء عليك. وأن لا تكون قلقاً ومنزعجاً بالخوف من الغد.

قد تشعر أنك واثق من أن كل شخص آخر يريد الشيء نفسه. لذا يبدو أن المسألة برمتها هي كالتالي:

أنت تريد الصحة، والحرية، والرفاهية. وكل واحد من الناس هو مثلك أيضاً، يريد الأشياء نفسها.

وبالتالي كلنا نبحث عن الشيء نفسه في الحياة.

لماذا إذاً لا نبحث عنه معاً، بجهودنا المشتركة، وبأن يساعد كل منا الآخر في ذلك؟

لماذا علينا أن نغش ونسلب، أن نقتل ونغتال بعضنا البعض، ما دمنا جميعاً نريد الشيء نفسه؟ ألست مستحقاً ومخولاً للحصول على هذه الأشياء التي تريدها، وكذلك الأمر بالنسبة للإنسان الذي يقف بجوارك؟

أم أن بإمكاننا أن نؤمن الصحة والحرية والرفاهية بشكل أفضل عندما نتصارع ونذبح بعضنا البعض؟

أم لأنه لا توجد أي وسيلة أخرى؟

دعونا ننظر إلى هذا :

أليس من المنطقي أنه ما دمنا جميعاً نريد الشيء نفسه في الحياة، فإن لنا جميعاً الهدف نفسه، وبالتالي فإن “مصالحنا” هي نفسها أيضاً؟ في هذه الحالة علينا أن نعيش كالإخوة، في سلام وصداقة؛ علينا أن نحسن إلى بعضنا البعض، وأن نساعد بعضنا بقدر استطاعتنا.

لكنك تعلم أن الوضع ليس كذلك على الإطلاق في واقع الأمر. تعلم أننا لا نعيش مثل الإخوة. تعلم أن العالم مليء بالنزاعات والحروب. بالتعاسة، والظلم، والأذى. بالجريمة، والاضطهاد.

فلماذا هو كذلك إذاً؟

السبب هو أنه بالرغم من أن لنا جميعاً الهدف نفسه في الحياة، إلا أن “مصالحنا مختلفة”. هذا هو بالضبط ما يخلق كل مشاكل العالم.

فكر في ذلك ملياً بينك وبين نفسك.

لنفرض أنك تريد الحصول على حذاء أو على قبعة. ستذهب إلى المتجر وستحاول أن تشتري ما تحتاجه بأقل ثمن ممكن ومعقول. هذه هي “مصلحتك”. لكن مصلحة التاجر هي أن يبيعك ما تحتاجه بأغلى ثمن ممكن، لأن “ربحه” سيكون أكبر كلما زاد الثمن. هذا لأن كل شيء في الحياة التي نعيشها مبني على الحصول على الربح، وبأي طريقة. فنحن نعيش في “نظام ربحي”.

من الواضح الآن أنه إذا كان علينا أن نجني الأرباح من بعضنا البعض، فإن مصالحنا لا يمكن أن تكون واحدة. لا بد أنها ستكون مختلفة بل متعارضة مع بعضها في أغلب الأحيان.

في كل بلد ستجد أناساً يعيشون من خلال الحصول على الأرباح من غيرهم. وأولئك الذين يحصلون على أكبر قدر من الأرباح هم الأغنياء. وأولئك الذين لا يستطيعون الحصول على الأرباح هم الفقراء. أما الذين لا يستطيعون الحصول على أية أرباح فهم فقط العمال. ومن هنا يمكن أن تدرك أن مصالح العمال لا يمكن أن تكون نفس مصالح الناس الآخرين. ولهذا ستجد في كل بلد عدداً من الطبقات ذات مصالح مختلفة كلياً.

في كل مكان ستجد :

(1) طبقة صغيرة نسبياً تتكون من الأشخاص الذين يجنون أرباحاً كبيرة والذين هم أثرياء جداً، مثل الصرافين، وكبار الصناعيين، وملاكي الأراضي- وهم الأشخاص الذين يمتلكون رأس مال كبير ويطلق عليهم تبعاً لذلك : الرأسماليون. وهؤلاء ينتمون إلى “الطبقة الرأسمالية”.

(2) طبقة من الأغنياء المتوسطين، وتتكون من رجال الأعمال وموظفيهم، رجال العقارات، والمضاربين، والمتخصصين مثل الأطباء والمحامين والمخترعين وغيرهم. هذه هي الطبقة الوسطى أو “البرجوازية”.

(3) أعداد ضخمة من العمال المستخدمين في مصانع متنوعة، في المطاحن والمناجم، في المعامل والورشات والمتاجر، في النقل في البواخر وعلى الأرض. هذه هي الطبقة العاملة، والتي تسمى أيضا “البروليتاريا”.

البرجوازيون والرأسماليون ينتمون في الحقيقة إلى نفس الطبقة الرأسمالية، لأن لهم نفس المصالح تقريباً، وبالتالي فإن البرجوازيين يقفون بشكل عام إلى جانب الطبقة الرأسمالية ضد الطبقة العاملة.

ستجد أن الطبقة العاملة هي دائماً الطبقة الأفقر، في كل بلد. وربما تكون أنت شخصياً ممن ينتمون إلى الطبقة العاملة، إلى البروليتاريا. وعندها فلا بد أنك تعلم أن الأجور التي تتقاضاها لن تجعل منك غنياً في يوم من الأيام.
لماذا العمال هم الطبقة الأكثر فقراً؟ إنهم يعملون بالتأكيد أكثر من الطبقات الأخرى، وعملهم شاق أكثر. هل السبب هو أن العمال ليست لهم أهمية كبيرة في حياة المجتمع؟ أو ربما لأن بوسعنا أن نستغني عنهم؟

دعونا نرى. ماذا نحتاج لنعيش؟ نحتاج إلى الطعام، والملابس، والمأوى، وإلى المدارس للأطفال، وإلى السيارات والقطارات للسفر، وإلى ألف شيء وشيء.

هل بإمكانك أن تنظر حولك وتشير إلى شيء واحد فقط تم صنعه من دون جهد أو “عمل”؟ فالحذاء الذي تقف به، والشوارع التي تمشي عليها، كلها نتيجة للعمل. وبدون العمل لن يكون هناك شيء سوى الأرض القاحلة، والحياة الإنسانية ستكون مستحيلة تماماً.

هذا يعني إذاً أن العمل قد أنشأ كل شيء لدينا – كل ثروة العالم. إنها كلها “نتاج للعمل” الذي يطبــّـق على الأرض ومصادرها الطبيعية.

ولكن ما دامت كل الثروات نتاجاً للعمل، لماذا إذاً لا تعود إلى العمال؟ أي إلى أولئك الذين عملوا بأيديهم أو بعقولهم لصنعها- العامل اليدوي والعامل بذهنه.

الكل متفق على أن للإنسان الحق في امتلاك الشيء الذي صنعه بنفسه.

ولكن لا يوجد إنسان واحد قام أو يستطيع أن يقوم بمفرده بصناعة شيء ما. فصناعة شيء واحد تحتاج إلى جهد الكثير من الناس من مختلف الحرف والتخصصات. فالنجار، على سبيل المثال، لا يمكنه صنع كرسي بسيط أو مسطبة بمفرده، حتى لو قام بنفسه بقطع شجرة وتجهيز خشبها. فهو يحتاج إلى منشار وإلى مطرقة، وإلى مسامير وأدوات أخرى، لا يمكنه صناعتها بنفسه. وحتى لو قام بنفسه بصناعة تلك الأدوات، فعليه أن يجد أولاً المواد الخام، الحديد والفولاذ، والتي سيكون على أشخاص آخرين أن يزودوه بها.

أو خذ مثالاً آخر – لنقل المهندس المدني. لن يستطيع هذا أيضاً فعل أي شيء دون ورق وأقلام وأدوات للقياس، وهذه الأشياء كلها يزوده بها أشخاص آخرون. وكذلك عليه أولاً أن يتعلم مهنته ويقضي سنوات طويلة في الدراسة، بينما يزوده أشخاص آخرون بما يلزم لحياته في تلك الفترة. وهذا ينطبق على كل إنسان في العالم اليوم.

يمكن أن ترى إذاً أن لا أحد يستطيع بجهوده الذاتية منفردة أن يصنع الأشياء التي يحتاج إليها ليعيش. في العصور القديمة كان الإنسان البدائي الذي عاش في الكهوف قادراً على أن يدق فأساً من الصخر أو أن يصنع لنفسه قوساً وسهماً، وأن يعيش على ذلك. لكن تلك الأيام قد ولت. اليوم لا يستطيع إنسان أن يعيش بجهده الخاص فقط: بل يجب أن يستفيد من عمل الآخرين. وبالتالي فإن كل ما لدينا، كل الثروات، هي نتاج عمل أعداد كبيرة من الناس، ومن أجيال كثيرة أيضاً. بمعنى آخر : ” إن الأعمال ومنتجات الأعمال هي اجتماعية”، يصنعها المجتمع ككل.

ولكن إذا كانت كل الثروات التي لدينا اجتماعية، فمن المنطقي أنها يجب أن تعود إلى المجتمع، أي إلى الناس ككل. فكيف إذاً نجد أن ثروات العالم تلك يملكها بعض الأفراد وليس كل الناس؟ لماذا لا تعود إلى أولئك الذين كدحوا لإنتاجها – إلى الجماهير التي تعمل بأيديها أوعقولها، إلى الطبقة العاملة ككل ؟

لا بد أنك تعلم جيداً أن الطبقة الرأسمالية هي التي تمتلك الجزء الأكبر من ثروات العالم. أليس علينا أن نستنتج إذاً أن العاملين قد فقدوا الثروة التي صنعوها، أو أنها قد أخذت منهم بطريقة ما؟

هم لم يفقدوها، لأنهم لم يمتلكوها في يوم من الأيام. إذاً لا بد أنها قد أخذت منهم منذ البداية.

إن الأمر هنا قد بدأ يبدو خطيراً، لأنك إذا قلت أن الثروة قد أخذت من الناس الذين قاموا بصناعتها، فهذا يعني أنها قد سلبت منهم، أي أنهم قد تعرضوا للسرقة. لأن من المؤكد أن لا أحد يرضى بإرادته بأن تؤخذ منه ثروته.

إنه اتهام فظيع، لكنه صادق. إن الثروة التي قام العمال بإنتاجها كطبقة، قد تمت سرقتها منهم بالفعل. وهم يتعرضون لهذه السرقة بنفس الطريقة في كل يوم في حياتهم، وفي هذه اللحظة تحديداً. ولهذا قال أحد عظماء المفكرين وهو الفيلسوف الفرنسي برودون : أن أملاك الأغنياء هي ممتلكات مسروقة.

يمكنك أن تدرك بسهولة كم هو مهم أن يلم كل إنسان مخلص بهذا. وقد تكون متأكداً من أن العمال لو عرفوا بذلك فلن يسكتوا عليه.

***

من كتاب ألكساندر بيركمان : ما هي الأناركية الشيوعية / الفصل الأول
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

الموقع الذي يحتوي النص الأصلي

عزف منفرد وغناء (2)

مايو 15, 2008

السجون : جريمة وفشل اجتماعيان (4)

مايو 7, 2008

إيما جولدمان / من كتابها “الأناركية و مقالات أخرى”

(Anarchism and Other Essays) الإصدار الثاني سنة 1911


(ترجمها للعربية : محمد عبد القادر الفار)
mohammed.alfar@hotmail.com

 الجزء 4 والأخير
.
.
.
إن أصحاب النوايا الطيبة يعملون على اتجاه جديد في ما يخص مسألة السجون:  إعادة التأهيل، بمعنى أن نعيد إلى السجين مرة أخرى الفرصة في أن يكون كائناً بشرياً. ومع أن هذا التوجه جدير بالثناء، إلا أنني أخشى أن من المستحيل أن نأمل بنتائج جيدة من صب نبيذ فاخر في قنينة رديئة. فأي حل لا يشتمل على إعادة بناء شاملة للمجتمع بأكمله لا يمكن أن يخلص البشر من سرطان الجريمة.

 

ومع هذا، فإذا كان بالإمكان شحذ الحافة غير الماضية لضميرنا الاجتماعي، فإن المؤسسات الجزائية قد يتم إعطاؤها وجهاً جديداً من الورنيش. لكن الخطوة الأولى التي يجب أخذها هي تجديد الوعي الاجتماعي المتداعي، فهو في حاجة ماسة إلى تنبيهه إلى حقيقة أن الجريمة هي مسألة درجة، وأننا جميعاً لدينا بذور الجريمة في داخلنا، والتي تتفاوت في درجاتها تبعاً لبيئتنا الذهنية والجسمانية والاجتماعية، وأن المجرم الفردي هو مجرد ردة فعل تلقائية لميول المجموع.

 

وبإيقاظ الوعي الاجتماعي، قد يتعلم الفرد العادي أن يرفض “شرف” أن يكون كلباً بوليسياً للقانون، قد يتوقف عن اضطهاد، واحتقار المخالف للقانون وعدم الوثوق به، فيقوم بإعطائه الفرصة ليعيش ويتنفس بين أقرانه. أما المؤسسات فالوصول إليها أصعب بالطبع، فهي باردة، ومتحجرة، وقاسية؛ ومع هذا فإنه بتسريع الوعي الاجتماعي، قد يكون من الممكن تحرير ضحايا السجون من وحشية موظفي السجن وحراسه. فالرأي العام سلاح قوي؛ حتى حراس الفريسة الآدمية يخافونه. وبهذا قد يتعلمون القليل من الإنسانية، خصوصاً إذا أدركوا أن وظائفهم تعتمد على ذلك.

 

لكن الخطوة الأكثر أهمية هي المطالبة بحق السجين في العمل خلال وجوده في السجن، مع بعض المردود المالي الذي يتيح له أن يدخر القليل ليوم خروجه وبداية حياة جديدة.

 

إنه لمن السخيف تقريباً أن نأمل بالكثير من هذا المجتمع عندما نرى أن الشغيلة، الذين هم أنفسهم عبيد مأجورون، يعترضون على عمل المساجين.

 

لن أخوض في وحشية هذا الاعتراض، لكنني  سأنظر إلى عدم عمليته فقط.

ابتداءً، إن المعارضة التي ترفعها اتحادات العمال حتى الآن ظلت موجهة ضد طواحين الهواء. فالمساجين كانوا يعملون دائماً؛ وكانت الدولة وحدها المستغل لهم، مثلما ظل رب العمل الفردي هو السارق لاتحادات العمال.

 

 الولايات إما أن توظف المساجين للعمل لمصلحة الحكومة، أو أن توظفهم للعمل لمصلحة أفراد. تسع وعشرون من الولايات تتبع الخطة الثانية. الحكومة الفدرالية وسبعة عشرة ولاية رفضتها، كما فعلت الشعوب المتقدمة في أوروبا، لأن ذلك يؤدي إلى أعمال شاقة بشعة و إلى إساءة في معاملة السجناء، وإلى ابتزاز لا ينتهي.

 

رودي آيلاند، الولاية التي يسيطر عليها نيسلون ألدريتش (سياسي واقتصادي جمهوري، المترجم) ربما تعطي أسوأ مثال على ذلك. فضمن عقد لخمس سنوات مؤرخ في السابع من يوليو 1906 وقابل للتجديد لخمس سنوات أخرى حسب ما يختاره المتعهدون الخصوصيون، بيع عمل نزلاء سجن رودي آيلاند الإصلاحي و سجن المقاطعة لشركة “ريلاينس سترلنج الصناعية” Reliance-Sterling Mfg. Co. بسعر أقل من 25 سنتاًً للعامل يومياً.

 هذه الشركة هي بالفعل مؤسسة احتكارية عملاقة لعمل السجناء، فهي تستأجر أيضاً عمل سجناء سجون كونيكتيكت ، و ميتشغان، و إنديانا، و نبراسكا، وساوث داكوتا، وكذلك إصلاحيات نيو جيرسي، وإنديانا، وإيلينوي، وويسكونسن، أي بمجموع  إحدى عشر مؤسسة.

 

إن فداحة الابتزاز تحت عقد رودي آيلاند يمكن تقديرها من حقيقة أن هذه الشركة نفسها تدفع 62,5 سنتاً يومياً لعمل السجناء في نبراسكا، بينما تحصل تينيسي مثلاً على 1,10 دولار يومياً لعمل السجناء من شركة “جري ددلي هاردوير” Gray-Dudley Hardware Co، وتحصل ميسوري على 70 سنتاً يومياً من شركة “ستار أوفرول الصناعية”، وتحصل ويست فيرجينيا على 65 سنتاً يومياً من “شركة كرافت الصناعية”، وماريلاند تحصل على 55 سنتاً يومياً من “شركة أوبنهيم و أوبيرندورف لتصنيع القمصان”.

 

هذا الاختلاف الكبير في الأسعار يشير إلى ابتزاز هائل. فعلى سبيل المثال، تصنع شركة “ريلاينس سترلنج الصناعية” قمصاناً تكلفة العمالة الحرة للدزينة منها لا تقل عن 1,20 دولار، بينما تدفع لسجناء رودي آيلاند 30 سنتاً للدزينة. وفوق هذا، لا تأخذ الدولة أي إيجار من هذه المؤسسة الاحتكارية لقاء استخدام مصنعها الضخم، ولا تأخذ أي رسوم مقابل استخدامها الطاقة، والحرارة، والإضاءة، أو حتى الصرف، ولا تفرض أية ضرائب. فيا له من ابتزاز ! (6)   

 

يـُقدَّر أن ما تفوق قيمته الإثني عشر مليون دولاراً من قمصان وأفرولات العمال يتم إنتاجه سنوياً في هذه البلاد من عمل السجناء.  وهذه الصناعة هي صناعة نسوية بالدرجة الأولى، وبالتالي فالانعكاس الأول الذي يطرأ من ذلك هو أن قدراً كبيراً من العمالة النسائية الحرة سيتم استبدالها والاستغناء عنها. والانعكاس الثاني هو أن السجناء الذكور، الذين من المفترض أنهم يتعلمون في السجن حرفاً تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم بعد خروجهم، يتم الإبقاء عليهم في هذا العمل الذي لن يمكنهم من جني دولار واحد بعد خروجهم لأنه عمل توظف فيه العاملات. وهذا الأمر أكثر خطورة عندما نرى أن معظم هذا العمل يجري في الإصلاحيات، التي تدعي جهارة أنها تدرب نزلاءها ليصبحوا مواطنين نافعين.

 

 الاعتبار الثالث والأكثر أهمية هو أن الأرباح الضخمة التي يتم انتزاعها بذلك من عمل السجناء هي حافز دائم للمتعهدين لاغتصابها من أعمال ضحاياهم التعساء بما يفوق قوتهم تماما، ولمعاقبتهم بقسوة عندما لا يرقى عملهم إلى مستوى الطلب المتزايد.

 

كلمة أخرى عن جعل السجناء يقومون بمهام لا يمكنهم أن يأملوا بجني أي رزق منها بعد إطلاقهم. إنديانا، على سبيل المثال، هي ولاية قامت بكثير من التباهي بكونها تحتل المرتبة الأولى في التحسينات البانولوجية، ومع هذا، وحسب تقرير قدمه سنة 1908معهد التدريب في “إصلاحيتها”، فإن 135 تم استخدامهم في صناعة السلاسل، و207 في صناعة القمصان، و255 في سبك المعادن، بمجموع 597 في الوظائف الثلاث. ولكن في تلك التي تسمى إصلاحية تم تمثيل 59 وظيفة من قبل النزلاء، 39 منها كانت متصلة بحرف ريفية. فإنديانا، كغيرها من الولايات، تدعي أنها تدرب نزلاء إصلاحيتها على حرف تؤهلهم لجني رزقهم عند إطلاقهم. لكن ما تفعله في الحقيقة هو استخدامهم في عمل السلاسل، القمصان، والمكانس وهذه الأخيرة هي لصالح شركة لويزفيل فانسي جروسري. صناعة المكانس هي صناعة تقتصر إلى حد كبير على المكفوفين، وصناعة القمصان على النساء، وهناك مصنع سلاسل واحد فقط في الولاية وحيث لا يمكن لسجين تم إطلاقه أن يأمل بالحصول على وظيفة. فالأمر كله مهزلة قاسية.   

 

إذا كانت الولايات الآن تساهم في سرقة تلك الأرباح الضخمة من ضحاياها الضعفاء، ألم يحن الوقت لتتوقف اتحادات العمال عن نباحها الفارغ، وأن تصر على تعويض ٍ مرض ٍ للسجناء، بشكل مساو لما تطالب به هذه المنظمات العمالية لنفسها؟ بهذه الطريقة فقط ستقتل الجرثومة التي تجعل السجين عدواً لمصالح العمال. لقد قلت في موضع آخر أن آلاف السجناء ممن هم غير مؤهلين وبدون حرفة وبدون وسيلة للبقاء تتم إعادتهم سنوياً إلى القطيع الاجتماعي. هؤلاء الرجال والنساء يجب أن يعيشوا، لأن السجين السابق له احتياجات أيضاً.

حياة السجن جعلت منهم كائنات غير اجتماعية، والأبواب الموصدة التي تقابلهم بعد إطلاق سراحهم ليس من المحتمل أن تقلل وجعهم. والنتيجة المحتمة هي أن يشكلوا نواة مناسبة يخرج منها  المخبرون والطابور الخامس كالذين يواصلون العمل خلال الإضرابات العمالية و رجال الشرطة الذين كل همهم هو تلبية طلبات أسيادهم.

وبهذا فإن الاتحادات العمالية بمعارضتها الحمقاء للعمل في السجون تخدع نفسها، فهي تساعد على خلق أبخرة سامة تخنق كل محاولات الإصلاح الاقتصادي. فإذا أراد العامل تفادي هذه التأثيرات، عليه أن يصر على حق السجين في العمل، وعليه أن يقابله كأخ له وأن يأخذه إلى منظمته، لينقلب بمساعدته ضد النظام الذي يطحنهما معاً.

 

أخيراً وليس آخراً يأتي الإدارك المتنامي لهمجية وعدم ملاءمة الأحكام المحددة بمدة معينة. وهؤلاء الذين يؤمنون بضرورة التغيير ويتوقون إليه بجدية، يصلون بسرعة متزايدة إلى استنتاج أن الإنسان يجب أن يعطى الفرصة ليفعل الخير. ولكن كيف سيفعله وأمامه 10 أو 15 أو 20 سنة ليقضيها في السجن؟  إن الأمل بالحرية وبالفرصة المناسبة هو الحافز الوحيد للحياة، وخصوصاً بالنسبة للسجين. فالمجتمع قد أذنب في حقه طويلاً، وينبغي عليه على الأقل أن يترك له ذلك الأمل. لست واثقة كثيراً من أن المجتمع سيفعل ذلك، أو من أن أي تغيير حقيقي في ذلك الاتجاه قد يحدث حتى يتم القضاء وإلى الأبد على تلك الظروف التي تنتج كلاً من السجين والسجان.

 

تخرج من فمه وردة حمراء، حمراء ! (7)

ومن قلبه  أخرى.. بيضاء

إذ ْ من يمكن أن يقول بأي طريقة غريبة

يحضر المسيح مشيئته إلى النور

فالعصا القاحلة التي حملها الحاج

قد أزهرت أمام البابا العظيم؟ ( 8 )

(أنشودة سجن ريدنغ… أوسكار وايلد، وترجمتي هي للمعاني فقطـ،،، المترجم) 

 

 

 (6) Quoted from the publications of the National Committee on Prison Labor.

 (7) يتحدث عن زميل له في السجن وهو قاتل نفذ فيه حكم الإعدام وإليه أهدى القصيدة.(المترجم)

(8)  يتحدث عن أسطورة “تانهوزر” الذي قال له البابا عندما سأله إذا كان بالإمكان أن تغتفر خطاياه أنها يستحيل أن تغتفر لشناعتها إلا كما يمكن لعصاه الجافة أن تزهر.. وبعد ثلاثة أيام أزهرت العصا بالفعل! (المترجم)

 

 

-  تم –

*******

 

النكبة الحقيقية هي نحن .. أنا وأنت !

مايو 6, 2008

بدأ الناس في أماكن مختلفة من منطقتنا المنكوبة بعقولها بالتحضير لخطابات وهتافات الخامس عشر من أيار المقبل… يوم علي أن أحبس فيه أنفاسي وأغمض عيني لئلا تقتلني رائحة النفاق المؤذية أو تعميني إضاءات مسارحه المبتذلة…….

أما أنت يا صديقي الهتيف ..

 فقد يسعدك سماع هتافات كثيرة… وورؤية جموع غوغائية غفيرة… وإيميلات ومسجات مشوشة وعشوائية وصبيانية ستصلك بالكمشة…

وهي مناسبة قوية ليؤكد كل نظام وكل حزب وكل تنظيم، بل كل شخص، أنه وجماعته قد كانوا الأحرص على الحق المستلب الذي فرط فيه الآخرون…

وحصتك محفوظة … وهناك دائماً ما سيسعدك !

سترى صوراً مرفوعة كثيرة… لقادة وزعماء وأشخاص لا أعرف الرابط العجيب بينهم وبين موضوع “”النكبة”".. سترى صوراً للحكام والسلاطين وصوراً لصدام و بن لادن وغيرهم…. بل سترى صوراً لجيفارا و ناصر ومشايخ حماس … يعني “من شعبان على رمضان”… ولا بد أن تجد في ذلك الزحام ما يسرك ويرضيك … “بتخلاش”

وهي على كل حال مناسبة جيدة لعامل مياومة لا يكاد يجد قوت يومه ولا يخطر في باله أبداً أن يطمع -لا سمح الله- في تدريس أحد أبنائه في جامعة أو في كلية جامعية متوسطة في يوم من الأيام…ليشعر أنه وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة سواسية في خندق واحد ضد القردة والخنازير .. من أفقرهم وأكثرهم بؤساً إلى الميلياردير فيهم…  ألن يثلج صدرك ذلك التآخي والتلاشي للفروقات بينهم .. فالاتحاد قوة طبعا

وعلى رأي نجم “”لكن في الموالد .. يا شعبي يا خالد … بنتلم صحبة ونهتف : يعيش !!”"

أما بالنسبة لي فهي اصطفافات غبية وسخيفة… نصطف مع من ..وخلف ماذا… خلف حدود جغرافية؟؟…خلف دول موعودة؟؟  خلف أصنام الوطن والقومية والثيوقراطيات والخرافات…؟؟ .. وخلف من؟؟

من أنت؟؟

لاصهيوني؟؟

لا تقل لي أنك ضد الصهيونية وأنت تتلذذ بإنكار محارق هتلر ومع هذا (وفي نفس الوقت!!) لا تنكر فضل هتلر في وضعه لليهود في أفران (وهو ما أسدى به أكبر خدمة للصهاينة).. فتعريف الصهيونية يتضمن العنصرية والعنف! أليس كذلك

لا تقل لي أنك ضد الصهيونية وأنت تريد من العالم أن يحزن على محرقة قانا  فيما “يردح” أشاوس الدعوة السلفية بصوت مشبع بدهون البترودولار وبول البعير لضحاياها “الروافض” في عز محنتهم  (تحرم نصرتهم بأي شكل)…

هل ستنكر أنك تحب هتلر وتحترمه بل وتجعل منه رفيقاً في نضالك ضد “”يهود”"  ( أو الصهاينة .. ما كله عند العرب صابون) عندما أذكرك بأنه هو الذي أحرق أهل “غرنيكا” الإسبانية الذين لا يختلفون عن أهل قانا وداعة وبراءة…

لا تتراجع.. لا تقل لي أنك لا تحب هتلر… ليس وأنت تتحسر على إرثه الصدامي  والحمساوي والبدوي وال……

ليس وأنت تعتبر أن مشكلتنا (ولا أعرف على من تعود “نحن” هنا) مع الإمبريالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة تنتهي بتوقف دعمها للصهيونية بل ويمكن أن نكون حلفاءً لولا ذلك الدعم!

ستتحسر بعد سماعك كلامي على ما آل إليه بعض شباب اليوم… وسيسعدني كثيراً أن تستبعد نفسك بهذا من فئة الشباب وتعترف بأنك أصبحت من الماضي… من الإرث القديم الصدئ الذي يريد أن يبقى مسيطراً… وهيهات

ستتحسر على أزمان مضت وقادة رحلوا وستذكر أسماء وأسماء وأسماء… ولا تخش أي عتب.. فأنا واثق من أنك لن تنسى أي اسم في مجتمع سادت فيه عبادة الأشخاص..

وربما تتحسر على خالد بن الوليد.. لكنني لن أتحسر.. وسأرد عليك بأننا أحوج وخصوصاً في وجود أمثالك بيننا إلى جمجمة ثائر مثل مالك بن نويرة  ..

سيؤسفني بالمقابل أن تطمح إلى العدالة وأنت لا تزال تحكم في الناس مقصلة سعد بن معاذ…

سيؤسفني أن يغضبك احتلال صهيوني وتتسامح مع احتلال عربي بدوي سحق شعوباً كاملة في المنطقة… وذلك كسائر الاحتلالات لا يسقط بالتقادم

سيؤسفني بأنك لا تزال تدعو لأندلس (محل ما كنا احنا الاستعمار على رأي الماغوط في “كاسك يا وطن”) إن حوصرت حلب…

سيؤسفني أنك لا تزال تجعجع للناس بشعارات القومجيات والوطنجيات وأسلمة السياسية لتقتل وعيها الطبقي وتجعل المستغـِل يبدو في عين المستغـَـل رفيقاً في النضال ضد أصنام وفي سبيل أصنام…

سيؤسفك .. وسيؤسفني

سيسعدك .. وسيسعدني

في مهرجان العهر الديماغوجي يكفي لنكون معاً أن نكون شركاء في الأسف .. حتى لو كان على كوننا معاً

أو أن نكون شركاء في السعادة … حتى لو كانت لأن المهرجان الذي يجمعنا هو مجرد ساعة .. وتمضي..

إلى أن تتجدد تلقائياً في العام القادم

أو القرن القادم.. إن بقيت نكبتنا فينا!!

في حواليكو كوكب تاني ؟؟!!!!

مايو 2, 2008

يبدو أن مدحت صالح كان يعيش في مدينة عمان سنة 2008 عندما صدح صوته “عايز اعيش في كوكب تاني”

“رافضك يا زماني.. يا أواني .. يا مكاني”

لا أتخيل أن هناك ما يستحق الرفض أكثر من الحياة في مجتمع بلغ من العمر أرذله كما يبدو وأصابته حمى الخرف والغباوة والقسوة كمجتمعنا…

مجتمع يحاصرك ويقيدك ويفقدك صوابك إلى درجة تصبح معها كلماتك التي تصدر عنك قمامة فكرك لا عصارته.. حالة تفقد لغتك فيها الصلة بفكرك لتضيع منك الكلمات ويخونك التعبير.. فلا تتوقع من العيش مع مجتمع يستخدم في التفكير لغة البداوة سوى أن يقودك للدرك الأدنى من الانحطاط والإحباط…

وكما قلت في اليلعن عرضيات أكرر هنا : إن بعض ما يصدر عنا من كلام هو مثل الضراط لا يحتاج إلى تفسير،، ليس سوى ردة فعل تلقائية على الضغط والاحتقان… 

“مش مضطر تفسر ضرطة .. ولا طعمك محرز تفهيم.. ما هو من غلب العالم صارت.. بس تتفشش بالتطعيم”

هناك قناعة شعبية راسخة في الوعي الشعبي الجمعي عندنا مفادها أننا مجتمع مثقف وواع سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وناضج فكرياً ووطنياً وحضارياً وأجدر من يمكن أن يحكم العالم ويوجهه ويحل مشاكله وهو يحتسي فنجان القهوة السادة.. لا بل وأنظف الشعوب وأكثرها علماً وإمكانيات وطيبة ونخوة وشهامة… وهو مع هذا أكثر شعب مظلوم ومهضوم الحقوق…

قناعة تستفزك لدرجة الانتحار عندما تعيش مع المجتمع بنفسك لتكتشف أن ثقته الزائفة تلك هي نتاج تربية سطحية وغبية تقود إلى ما هو أبعد ما يكون عن كل ذلك الوصف لما لا وجود له لا هنا ولا في أي مكان في العالم..

وبجمل قصيرة سأقدم وصفاً لبعض الظواهر المزعجة عندنا والتي استفزتني إلى حد التقيؤ.. ودفعتني أخيراً إلى هذه الفضفضة العصبية..

* شعب يصفق للانتحاريين ويزغرد لهم …….

* شعب يتابع أكثر من 70% من أفراده السحيجة والهتيفة مستنقع قناة الجزيرة بشغف مصدقين للكثير من كذب تلك القناة الموجه ومعتمدين عليها كمصدر للخبر الصادق!  أما البقية الأنتن فتتابع مبولة “العربية”…

* شعب يؤمن قطاع كبير منه بإمكانية وجود “المستبد العادل” فيمجدون الحجاج وهتلر وصدام الذين لا يرى شعبنا أي ضرورة للاطلاع على أبسط الحقائق المتعلقة بتاريخهم الأسود،، وتتبرع جموع متهافتة منه للدفاع عنهم بجهل وغباوة وانحياز مستفز…

* شعب يجب أن تستعد عند دخول الشارع سائقاً أو ماشياً جنباً إلى جنب مع أفراده سائقين ومشاة كما تستعد لمعركة طاحنة،،