يبدو أن مدحت صالح كان يعيش في مدينة عمان سنة 2008 عندما صدح صوته “عايز اعيش في كوكب تاني”
“رافضك يا زماني.. يا أواني .. يا مكاني”
لا أتخيل أن هناك ما يستحق الرفض أكثر من الحياة في مجتمع بلغ من العمر أرذله كما يبدو وأصابته حمى الخرف والغباوة والقسوة كمجتمعنا…
مجتمع يحاصرك ويقيدك ويفقدك صوابك إلى درجة تصبح معها كلماتك التي تصدر عنك قمامة فكرك لا عصارته.. حالة تفقد لغتك فيها الصلة بفكرك لتضيع منك الكلمات ويخونك التعبير.. فلا تتوقع من العيش مع مجتمع يستخدم في التفكير لغة البداوة سوى أن يقودك للدرك الأدنى من الانحطاط والإحباط…
وكما قلت في اليلعن عرضيات أكرر هنا : إن بعض ما يصدر عنا من كلام هو مثل الضراط لا يحتاج إلى تفسير،، ليس سوى ردة فعل تلقائية على الضغط والاحتقان…
“مش مضطر تفسر ضرطة .. ولا طعمك محرز تفهيم.. ما هو من غلب العالم صارت.. بس تتفشش بالتطعيم”
هناك قناعة شعبية راسخة في الوعي الشعبي الجمعي عندنا مفادها أننا مجتمع مثقف وواع سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وناضج فكرياً ووطنياً وحضارياً وأجدر من يمكن أن يحكم العالم ويوجهه ويحل مشاكله وهو يحتسي فنجان القهوة السادة.. لا بل وأنظف الشعوب وأكثرها علماً وإمكانيات وطيبة ونخوة وشهامة… وهو مع هذا أكثر شعب مظلوم ومهضوم الحقوق…
قناعة تستفزك لدرجة الانتحار عندما تعيش مع المجتمع بنفسك لتكتشف أن ثقته الزائفة تلك هي نتاج تربية سطحية وغبية تقود إلى ما هو أبعد ما يكون عن كل ذلك الوصف لما لا وجود له لا هنا ولا في أي مكان في العالم..
وبجمل قصيرة سأقدم وصفاً لبعض الظواهر المزعجة عندنا والتي استفزتني إلى حد التقيؤ.. ودفعتني أخيراً إلى هذه الفضفضة العصبية..
* شعب يصفق للانتحاريين ويزغرد لهم …….
* شعب يتابع أكثر من 70% من أفراده السحيجة والهتيفة مستنقع قناة الجزيرة بشغف مصدقين للكثير من كذب تلك القناة الموجه ومعتمدين عليها كمصدر للخبر الصادق! أما البقية الأنتن فتتابع مبولة “العربية”…
* شعب يؤمن قطاع كبير منه بإمكانية وجود “المستبد العادل” فيمجدون الحجاج وهتلر وصدام الذين لا يرى شعبنا أي ضرورة للاطلاع على أبسط الحقائق المتعلقة بتاريخهم الأسود،، وتتبرع جموع متهافتة منه للدفاع عنهم بجهل وغباوة وانحياز مستفز…
* شعب يجب أن تستعد عند دخول الشارع سائقاً أو ماشياً جنباً إلى جنب مع أفراده سائقين ومشاة كما تستعد لمعركة طاحنة،، نظراً لعدوانية وهمجية وعنف نسبة غير قليلة منهم..
* شعب يرى جزء كبير منه مثلاً أن العملية السياسية التي تتم في العراق غير مشروعة وخائنة لأنها تجري تحت الاحتلال، وفي نفس الوقت يرى وبقوة أن العملية السياسية التي تجري في فلسطين والتي تتم أيضاً تحت الاحتلال مشروعة لمجرد أنها أتت أخيراً باللحى العكرة التي يحبونها… وأنا هنا لا أقول أن هذه أو تلك مشروعة أو غير مشروعة بل أشير فقط إلى تناقض وازدواجية تدفعك للتقيؤ..
* مجتمع قد ينهال عليك بعض أفراده بالضرب إذا نسيت وصف فلسطيني سقط بقذيفة إسرائيلية (أو من يدري) بأنه شهيد،، لكنه ينظر إليك بريبة وشك واتهام إذا وصفت العراقي الذي تقتله بلا رحمة “”"المقاومة العراقية البطلة!!”" بأنه شهيد أيضاً !!!!
* شعب يتفاخر بعض أفراده بأنهم يعرفون أن هناك شيئاً كان يسمى بالدولة الصفوية (تعرفوا عليها حديثاً بالطبع،، لأنه شعب الموضات والهبات) وذلك كاف بالنسبة لهم لتحليل كل ما يجري في المنطقة تحليلاً سطحياً مغرقاً في الغباوة والسادية بل ويبيحون لأنفسهم دون أي منطق أن يتسامحوا رغم ذلك مع الاستبداد العثماني.. طبعاً باستثناء الفترة الأخيرة منه (ابصر ليش) !
* شعب يضخم بشكل مضحك ما يسمى بال “شرف”… وهو بالمناسبة مصطلح يتعلق عندنا بفرج المرأة،، وصوت المرأة،، ولباس المرأة،، وعلاقات المرأة،، وضحكة المرأة،، هكذا يختزلون الشرف … ويقتلون باسمه،، أو على الأقل يتسامحون مع من يقتل باسمه … باعتبارها “”جرائم شرف”".
ولا أعرف حقاً كيف يمكن اعتبار أي شيء في العالم أقل شرفاً من القتل !!
ولا على رأي عمنا توفيق الدقن: يا آه يا آآه………. أحلى من الشرف ما فيش …
*شعب ورغم تظاهره بأنه شعب متحضر لمجرد احتوائه على نسبة عظيمة من المتعلمين وحملة الشهادات، فقد احتفظ بالسمات الأساسية للبدائية كتمسكه بالتصور الأسطوري للعالم وتقسيم الناس إلى أخيار وأشرار…. فهناك بشر يستحقون التعذيب والضرب والسحل والإهانة والقتل وألله لا يشيل عن ظهرهم شدة… وفي المقابل هناك بشر ما بنساويش جنبهم تعريفة… ولا بنسوى كندرة واحد فيهم.. سقى الله بس!
* شعب يكفي لمنح الفرد فيه شهادة حسن سيرة وسلوك أن يكون “ملتزما” (شيخ بالعامية أو بالبلدي.. ) إذا كان ذكراً أو محجبة إذا كانت أنثى… بل أعرف كثيراً من الشباب الذين لا يتركون فتاة لا يتحدثون عنها سواء بالخير أو بالشر… حتى إذا وصل الأمر إلى فتاة محجبة (أو يكفي أن تكون مخشبة) أخرس بعضهم بعضاً حتى عن ذكر اسمها بدعوى أنها محترمة ومحجبة.. بل ربما خوفاً من وقوع زلزال أو صاعقة إلهية “”تنتقم”" لها! (وهو حكم ضمني على باقي الفتيات بأنهن غير محترمات.. وهذا لن يدفعني هنا للحديث عن مصطلح “محترمة” المطاط جداً لأنه باختصار مرتبط بالمصطلح الأغبى الذي تحدثت عنها سابقا : “الشرف” .).
* شعب يتسامح الكثيرمن أفراده مع العنيف والقاتل والإرهابي ولا يتسامحون مع امرأة تسبح في بركة مختلطة، أو حتى مع فتاة ضحكت بصوت مرتفع وهي تمرح مع صديقتها أو صديقها !
* شعب أعرف شخصياً الكثيرين من أفراده ممن يفضلون أن تنافق لهم بخصوص معتقداتك التي “يجب” أن تكون مثل معتقداتهم المتحجرة، على أن تكون صادقاً معم وتصارحهم بحقيقة ما تعتقد..
*شعب يفتخر معظم أفراده بأنهم يخافون الله ومخافة الله هنا هي صفة محمودة ووسام كبير… يفعلون ما يظنون أنه الخير خوفاً من العقاب لا عن قناعة بفعل الخير نفسه ولا حتى عن حب لله بل خوفاً منه وتعظيماً لسلطته واستشعاراً لرقابته ..أو على أحسن تقدير “”طمعاً”" في ثوابه.. ومبدأ العصا والجزرة هذا لا يقتصر على الأمور الغيبية بل ينسحب على كافة شؤون شعبنا المرابط..
*شعب يجب أن تكون متعصباً دينياً أو قومجياً أو ووطنجياً أو شيوعياً (بالاسم) أو حزبياً أو حتى -بالنسبة لكثيرين- بوقاً للسلطة لتحظى باحترام الجزء الأكبر من أفراده ويعتبروك صاحب مبدأ ويقدروك بالحد الأدنى.. أي يجب أن تضيق أفقك وتستغني عن الانتماء للإنسانية إلى انتماء ديني أو قومجي شوفيني عنصري أو ووطنجي أو إقليمي متعفن ومخمج وغبي أو حزبي … وبغير ذلك تصبح عديماً .. أي عديم مبدأ … بالنسبة إليهم.. وتحت هذا البند من هذه الأعراف المنحطة تجد بعض الأشخاص هنا ( وهي موضة دارجة هذه الأيام) يصرح لك بثقة غبية بأنه يحترم شارون.. وعندما تسأله : كيف تحترم هذا المجرم ؟؟ يجيبك بأنه ومع أنه يعرف طبعاً أنه مجرم ومن إخوة “القردة والخنازير” (خبرة عشرات القرون في قردنة وخنزرة الغير) إلا أنه يحترمه لأنه بطل بالنسبة لشعبه وصاحب مبدأ !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
*شعب يعيش كثير من أفراده على أزمات غيرهم… وأخيراً التقيت بشخص مقرف ومقزز (يبدو أنه من جماعة التقرير ب10 دنانير،، أو ربما رفعوه إلى 15 أو 20 من يدري.. كي يتمكن القرابة من التنقل بسهولة بعد رفعات البنزين المتتالية ) وهو صاحب عمارة أخذ أثناء تفاوضنا معه لشراء شقة بتبشيرنا ودون مناسبة ولمجرد الاستعراض الرخيص لغباوته وجهله،، أخذ يبشرنا بأن السوريين واللبنانيين سيتشردون قريباً بعد حروب كبيرة توقعها بتحليل بدوي سادي وغبي وأننا نحن أولاد الأصول سنحظى هنا بفرصة الاستفادة من ذلك… وكم أردت أن أبصق في وجهه.. لكنني كمعظم الناس هنا… أجعجع على ما فيش..
* جهل وسادية وغباء وتحجر ……..
وذلك غيض من فيض..
فلا تسألوني ليش
نفسي أعيش في كوكب تاني
*
وفي الختام… لا أجد ما يمكن لشخص في مكاني أن يقوله عندما يكثر لغطه وسخطه في تدوينة لم تكن في واقع الأمر سوى وصلة صياح..
سوى كفارة المجلس:
يلعن عرض هالعيشة
الأوسمة: الهتيفة, التخلف, الدوغماتية, الرجعية الدينية, العادات البالية, العربان, تأييد الإرهاب, جرائم الشرف
