
ما سر تلك الكاريزما الفريدة لجيفارا؟ وما سبب تلك الشعبية التي لم يحظ بها على حد علمي أي ثائر آخر حتى أصبح أيقونة تعلق في الميداليات وتطبع على “التي شيرتات” بل وتنحت على الصخر، بل أصبحت له أغان وصل بعضها إلى برامج شبابية مثل ستار أكاديمي؟
هل هي شيوعيته؟
بالطبع لا، فشعبيته ودون أن نكذب على أنفسنا تفوق شعبية الفكر الشيوعي بين الناس،. بل إن بعض القومجية والإسلمجية والوطنجية بل حتى بعض الرأسمالجية معجبون به!
وبالطبع ليست شعبية جيفارا ناتجة عن تصور ٍ أكثر جاذبية للشيوعية عنده، فالرجل لم يكن منظـّراً،، بل إن تفاصيل توجهاته الشيوعية تتجاذبها أقوال عديدة، منها ما جعل منه ستالينياً ديناصورياً ومنها ما جعله تروتسكيا، حتى ذهب أكثر المتحمسين له إلى جعله أناركيا، لمجرد تخليه عن المناصب التي منحها له فيدل كاسترو!
هل هي تضحيته ؟؟
لا بد أن لتضحيته وموته ثائراً في الأدغال أثراً كبيراً في صنع تلك الهالة له… فتراجيديا نهايته المحتومة التي سار إليها بخطى واثقة وثابتة في سبيل الملايين البائسة لها أكبر الأثر في خلق تلك الكاريزما… لكن هل هذا كل شيء ؟؟..
فكم من مضح وشهيد في سبيل التحرر والعدالة الاجتماعية لم يحظ بعشر ما حظي به جيفارا من الاهتمام… هكذا يبدو موضوع التضحية غير كاف لإقناعنا بسبب تلك الهالة..
فثمة أشياء أخرى كما يبدو…
يقول البعض أن الإمبريالية العالمية نجحت في قتل صورة جيفارا كمناضل ثوري في سبيل الشيوعية والتحرر بجعله عبر القمصان والأفلام بطلاً فروسياً حالماً مثل دون كيخوتي.. وبدعمها لمحاولات حسنة النية وأخرى سيئة النية لتخليد جيفارا، نجحت في تفريغ نضاله من جوهره الاجتماعي بتضخيم صورة إعلامية سطحية على حساب صورته الحقيقية…
قد يكون ذلك الفرض صحيحاً في جزء منه.. وقد يكون فيه أيضاً شيء من المبالغة ..
لكنه يبقى جديراً بالاهتمام عند النظر إلى صور جيفارا المنتشرة..
أكثر صور جيفارا هي صوره باللباس العسكري،، ممسكاً بندقيته في يده،، وواضعاً السيجار الكوبي في فمه… صورة جذابة بالنسبة للمراهقين بشكل خاص.. ومع لحيته الجريئة وشعره الطويل وابتسامته الجذابة ونظرته الذكية تصبح بوستراته شبيهة بأفيشات نجوم هولي وود أمثال كلينت ايستوود أو اللاتيني انتونيو بانديراس..
ولكن لماذا البندقية… ولماذا السيجارة!!
قرأت في أحد المنتديات موضوعاً لعضو ذي توجهات نيوليبرالية تهجم فيه على جيفارا مستنداً على وثائق ومصادر غير موثوقة حيث اتهمه بالإشراف على تنفيذ أحكام إعدام أصدرها كاسترو، وكال صاحبنا له قائمة كبيرة من الاتهامات التي لا حاجة للتوقف عندها لاعتمادها على مصادر غير موثقة..
شيء واحد فقط استوقفني حقاً في كلامه.. شيء لا بد من الوقوف عنده…
عندما تساءل قائلاً : أليس الأولى بصورة رمز للإنسانية والعدالة أن تكون مثل صورة غاندي مثلاً.. مفرطة في التواضع والسكينة والسلام… أليس من الغريب أن نعتبر شخصاً يحمل سلاحاً للقتل رمزاً للإنسانية؟؟
ومع أن كلام صاحبنا يضع العربة أمام الحصان،، إذ أن الإمبريالية شرسة إلى الحد الذي يستدعي مواجهتها -وهي التي تأتي بأسلحتها المدمرةوالفتاكة- بالقوة “المنضبطة” في بعض الحالات… إلا أن ما يستحق النظر في كلامه هو إشارته إلى جاذبية السلاح، بندقية كان أو سيفاً أو غير ذلك من الأسلحة،بالنسبة لكثير من الناس الذين سيطرت عليهم فكرة “البطل” القوي الذي يضج بالفحولة ويستخدم قوته وعنفه لتحقيق بطولته… فهو بطل قاتل
ومحارب.. لديه الشجاعة ليقتل….. ولا يكفي ليكون بطلاً في أعينهم أن تكون لديه الشجاعة ليموت…
فهناك مثلاً البطلة الأمريكية راشيل كوري والتي لا أنكر أنها حظيت بالاهتمام الكبير لكنها تبقى مغمورة إذا ما ذكر جيفارا… ومع أن راشيل كانت لديها الشجاعة لتموت وتنطحن عظامها تحت الجرافات الإسرائيلية في رفح.. إلا أنها لم تمتلك الشجاعة لتقتل… وربما لو قتلت… لأصبحت أيقونة بطولية مثل جيفارا…
ربما يقول قائل أن راشيل في النهاية أنثى… وربما لا تحتاج إلى “فضيلة القتل” الذكورية تلك لتصبح أيقونة… لكن الموضوع ليس موضوع ذكر وأنثى بقدر ما هو فكرة خاطئة تكونت عند الكثيرين عما يسمى “بالبطولة”… وطالما بقيت البطولة بهذه الصورة العنيفة مدعاة للفخر والمدح، فسيبقى كل الأبطال في هذا العالم أبطالاً بالنسبة للبعض ومجرمين بالنسبة للبعض الآخر… ولن يجتمع هذا العالم كله على بطل واحد….
إن التهاون في نظرة الناس إلى العنف هو ما جعل “البطل” المقاتل رمزاً… هو ما جعل الكثير من القتلة والمجرمين في هذا العالم أبطالاً بالنسبة لكثير من الناس… بل هو ما جعل مهنة الجندي ومهنة الشرطي مهناًً شريفة في نظر البعض… هو ما رسخ فكرة “المستبد العادل” الذي يقتل في سبيل الغاية العليا التي لا مانع من العنف لتحقيقها…

أما السيجارة… فهي مجرد عادة سيئة عند جيفارا… ولا ينبغي أن نروج لما يقتل البشر والكائنات الأخرى التي لا ذنب لها ويدمر البيئة عبر التركيز على كونه إحدى هوايات المناضل المحبوب جيفارا… لأن السم سم… سواء صنعه فيليب موريس أو صنعه فيديل كاسترو.. و جيفارا لا يستحق منا أن نجعل عادة سيئة عنده جزءاً من ماكياج جاذبيته كما في الصورة “الهولي وودية” التي صنعها له الإعلام الإمبريالي أو اللامبالي…
لا أعتبر جيفارا بأي شكل من الأشكال من أولئك النفر المجرمين الذين تم منحهم وسام البطولة من قبل الناس… لأن الإمبريالية شرسة إلى الحد الذي يستوجب مواجهتها لإيقافها عند حدها.. وهي الصورة الحقيقية لجيفارا… التي لا تحتاج إلى البروبجندا الإمبريالية التي تمسخها وتجعلها مجرد صورة بطل مقاتل… يحب القتال لذاته مثل الزير سالم.. وجل اهتمامي هنا هو إيقاظ أولئك الذين بهرهم جيفارا لمجرد ظهوره ببندقية وسيجارة دون أن يفهموا ويتفهموا ويؤيدوا دوافع ذلك الثائر الشيوعي للنضال الاجتماعي…
لن يفهم كلامي من يدعو إلى اللجوء إلى العنف في الصراع الطبقي … وسيسمني بالجهل
ولن يفهم كلامي أي شخص يتسامح مع العنف… الذي هو بالأساس ما دفع جيفارا لحمل سلاحه كدفاع عن المعنــّفــين من قبل الإمبريالية…
إن أفضل من سيفهم كلامي هذا هو جيفارا نفسه !..
الأوسمة: مناضل شيوعي, همس في ضوضاء, أيقونة جيفارا, اللاعنف, الشيوعية, الشيوعية والعنف, جيفارا, جيفارا يدخن, جيفارا الرمز
اغسطس 31, 2008 عند 11:50 ص
لا تلعب بذيلك يا فار وادخل جحرك كما دخل الشيعيون جحورهم بعد سقوط نظامهم الفاشل الذى لا يوافق عقلا ولا فطرة سليمة
اغسطس 31, 2008 عند 11:58 ص
العقل زينة