Archive for يوليو, 2008

وكان ذلك أول عهدي ب… النقود (1)

يوليو 31, 2008

تبقى للانطباعات الأولى التي يشكلها الإنسان في بداية وعيه عن الأشياء المختلفة آثارها على نظرته إلى تلك الأشياء على امتداد عمره،،، ورغم أنه قد لا يتذكر أبداً متى وكيف تشكلت أولى تلك الانطباعات لديه عن هذا الشيء أو ذاك… فإنه يبقى متأثراً بتلك اللحظات الأولى التي تعرض فيها لأول صدمة تعرف بها على إحدى الحقائق الغريبة في هذا الواقع…

لكن الانطباع الأول هو انطباع من موقع جهل تام كالطباعة على صفحة ناصعة البياض،، لذلك فهو على الغالب مشوش وقابل للتغيير بشكل دائم..

فما أهمية الانطباع الأول…

إن أهميته بالنسبة إلي هي أن موقع الجهل ذاك هو موقع صفاء ونقاء أيضاً… لذلك لا بد أن الإنسان كان مخلصاُ للحقيقة في لحظاته الأولى أكثر من سنينه اللاحقة…

ولهذا فلابد أن الجميع على اختلاف مستوياتهم قد شكلوا انطباعات متقاربة عن الأمور المختلفة بل وتساءلوا تساؤلات متشابهة..

فمن أين جاء الاختلاف بينهم؟؟

أظن أنه جاء من تعامل كل واحد مع صدمته,,, فلنقل أن الجميع رفضوا شيئاً معينا… فليس من الضروري أن يتعامل الجميع مع رفضه بنفس الطريقة… البعض سيخاف من رفضه وينكره… والبعض سيحاول أن يتجاهل رفضه وينغمس في اللعبة… والبعض سيعجبه رفضه مع قدرته على كتم رفضه… وكل تلك الطرق تمتد مع كل واحد حسب طباعه على مدى سنين حياته… فأساليب التعامل مع الصدمة تعتمد على عنصرين برأيي

الأول هو طباع ذلك الإنسان الموروثة منها والتي يكتسبها شيئاً فشيئاً،، والثاني هو ظروف تلك الصدمة التي قد تحتم عليه في لحظتها اتخاذ أسلوب معين قد يكون عنيفاً ..دفاعياً أو هجومياً .. أو هادئاً … مثل الانتظار والتشكك…

 لا أعطي أهمية زائدة للانطباعات الأولى لكنني لا أعتقد أنها تلغى لتحل مكانها الانطباعات الجديدة وإنما تتأثر الجديدة دائماً باالانطباع الأول بطريقة ما…

من هنا أحاول أن أتذكر اللحظات الأولى التي أخبرني فيها من حولي عن الله.. عن الموت… عن النقود .. عن الجنس .. عن الكلام.. عن اللغة.. عن الحرب،، عن الحرام،، عن المقدس،، عن السلطة،، عن التملك،، وعن غيرها من الأمور التي قد تبدو غير مرتبطة ببعضها نهائياً،،، بينما يجمعها في حقيقة الأمر كونها كلها صدمات قاسية متى تلقاها المرء نسي صدمته بها لتصير الصدمة واقعاً عادياً لا يدعو للدهشة… لكنه رغم ذلك واقع يتأثر بشدة بظروف تلك الصدمة وتفاعل النفس معها ما بين الرفض الداخلي مع محاولة إنكار الرفض،، والانصياع الكامل لها مع الإعجاب بقواعد اللعبة…

لكنني عبثاً أحاول في معظم الحالات،،، لأنني تلقيت معظم تلك الصدمات قبل تشكل الذاكرة الصلبة التي أقدر على استرجاعها…

لذلك سأبدأ بالعكس،، لأستنتج من خلال نظرتي الحالية إلى النقود مثلاً أحد السيناريوهات المحتملة للصدمة الأولى… وهكذا مع بقية الصدمات

فلماذا وحتى هذه اللحظة لا أكاد أستسيغ فكرة النقود هذه… وهل لذلك علاقة بالصدمة  الأولى؟؟

هل تعرفت على النقود مباشرة ؟؟ بمعنى أنني رأيتها مع أبي ومع أمي ومع البائع ومع الحلاق ومع الطبيب فسألت عن ذلك الشيء الذي يقتنيه الجميع فتمت إجابتي؟؟ وكيف تمت إجابتي في حينها؟؟ وما الذي فهمته من تلك الإجابة؟؟ أو هل تعرفت عليها بشكل مزدوج مع مفهوم آخر كالسرقة مثلاً..

أم هل بدأ الأمر بالتساؤل عن العمل مثلاً… لماذا تذهب إلى الشغل يا بابا… أو لماذا كل الناس تريد أن تشتغل؟؟ ليصل الأمر إلى النقود…

أم هل بدأ بالفقر… كأن يسأل الطفل المدلل عن أولئك الأشخاص المختلفين عنه بطرق لا يستطيع التعبير عنها،، ليقال له أنهم فقراء,, فإذا ما سأل ما معنى فقير… سيقال له أنه لا يملك أشياء كثيرة،،، فإذا ما سأل ولم لا… قيل له أنه لا يملك النقود ليشتريها بها…

إذا كان السيناريو الأخير هو الصحيح،،، فلا بد أنني تساءلت في تلك اللحظة وربما بيني وبين نفسي لعجزي عن التعبير،،، “ولماذا يحتاج إلى تلك الواسطة بينه وبين الأشياء”…

ذلك التساؤل هو تساؤل طبيعي في مثل تلك الحالة ومن طفل بعمر صغير… لكن ما يختلف من شخص إلى آخر بالتأكيد هو ميل هذا إلى أن يسأل السؤال من قبيل الاستنكار،، وميل ذاك ليسأله من قبيل المعرفة فقط، ومدى توقان كل منهم إلى معرفة الإجابة…

وبناء على تلك الاختلافات يختلف تطور ذلك التساؤل مع ازدياد المعرفة ووضوح الصورة إلى أشكال أخرى…

لست متأكداً ولكن…

ربما .. كان ذلك أول عهدي بالنقود !

ماذا لو لم تمر تلك الكذبة

يوليو 19, 2008

كثير مما نعيشه مبني بكامله على كذبة واحدة…

أكاذيب كبيرة تصبح واقعاً حقيقياً يعيشه الناس بمرور الوقت الذي يعمل كما يبدو عمل عوامل الجو التي تضفي هالة جذابة على كل ما صمد أمام أهوال التاريخ … أكاذيب تراكمت معها أكاذيب تدحرجت مثل كرة ثلج كبيرة لتصبح إذا ما توقفت وجثمت على صدورنا صنماً لا يستطبع أي منا أن يزيحه قيد أنملة…

ولكن… ماذا لو أن إحدى هذه الكذبات لم تمر في وقتها…

لا بد أن الناس كانوا مستعدين لتصديق كذبات مشابهة لتلك الكذبات التي ندفع ثمن تصديقهم لها الآن… ولذلك فلو لم تكن تلك الكذبات لربما كانت غيرها…

ولكن ماذا لو كانت غيرها…

في النهاية ما ليس حقيقيا يبقى غير حقيقي… لكن هذا لا يمنع أن تكون كذبة أهون من كذبة… فالناس مستعدون أحياناً لتقبل أي كذبة تحمل مضموناً محدداً وإن اختلفت التفاصيل…

ماذا لو اختلفت التفاصيل؟؟

فالتفاصيل مهمة بالفعل… ولا بد أن أي واحد منها كان سيجعل حياتنا تختلف كلياً..

نعم..

حتى لو كان الناس مستعدين في وقت معين في مكان معين لتصديق كذبة معينة

لا يعني ذلك أن سيناريوهات أخرى مختلفة كلياً لم تكن محتملة

إن شيئاً صغيراً في مكان آخر من العالم قبل ذلك الوقت بكثير كان يمكن أن يمنع ظهور الكذابين،، أو يمنع ظهور بعض الكذابين على الأقل… أو ربما كان منع وصول الناس إلى مرحلة يكون على أكثريتهم فيها أن تنصاع لأي كذبة…

شيء صغير .. على مستوى خطوة تأخرت لحظة أو تعجلت لحظة… أو ربما بقدر رفرفة جناح فراشة

إنه أثر الفراشة إذاً… أو الترابط والتفاعل في الماركسية.. سمه ما شئت… فالمبدأ واحد…

ثمة أشياء صغيرة .. ربما تبدو بعيدة جداً عن كل ما يشغلنا… وأتفه من أن تؤثر… كان يمكن أن تقلب كل شيء رأساً على عقب في أماكن وأزمان أخرى وبالنسبة لأشياء أكبر و أعظم… أشياء صغيرة صغيرة… لم نأبه أن نتحاشاها…

ولم يأبه لها أحد في هذا العالم اللامبالي… ولكن المترابط كلياً…

هبة هواء هنا… قد تقتل إنساناً هناك… دون مبالغة

ولا بد أن أشياء صغيرة صغيرة… خارج نطاق اهتمامنا ومعرفتنا .. أثرت سلباً أو إيجاباً على كل ما نعيشه الآن

ولو كان لنا أن نعود إليها لنغيرها وفق ما يمكن أن يجعل حياة الناس الآن أفضل وأجمل… لكان أفضل من أن نعود إلى مواجهة الكذبات نفسها في ظروف لم يكن من الممكن لأحد أن ينجح خلالها في التصدي لأي كذبة…

كم كان سيكون رائعاً لو علمناها وتحاشيناها… كما في فيلم “أثر الفراشة”

أما الآن…

فيكفي أن ننتبه لأدق التفاصيل…

 

وللحديث بقية

صور واقتباسات (3)

يوليو 16, 2008

خبر : افتتاح مؤتمر حوار الأديان في مدريد برعاية “سعودية”

عن العشق والهوى

يوليو 5, 2008

لا تخلو أغنية أو رواية أو قصة أو فيلم أو قصيدة أو أسطورة مما يسمى بالحب ،، بل حتى أحاديث المراهقين والصغار والكبار معظمها حب في حب … وكثير من مواقف الناس واتجاهاتهم وحالاتهم النفسية ترتبط بشكل أو بآخر بذلك الصرح المبهم الذي يسميه الناس بالحب..

 لا بد إذاً أن يتولد لدينا فضول لفهم ذلك “الحب” الذي يشغل الناس…

أولاً لا بد من أن نفهم أنه لا يوجد تعريف محدد لما يعرف بالحب… فالأشخاص المختلفون يشعرون بمشاعر مختلفة  كلياً في طبيعتها ومع هذا فكل من هؤلاء يسمي شعوره ذلك بنفس الاسم : الحب.. ولأنه حالة نفسية ذاتية غير موضوعية فقد أفسح المجال للنظريات المثالية التي تصفه بأنه حالة لا يمكن شرحها ولا يفهمها إلا من يجربها إلى آخر ذلك الكلام المفرط في رومانسيته…

إن موضوع الحب بداية تتجاذبه في معظم الحالات مقولتان تتناقضان في موقفهما من الحب لكنهما تشتركان في كون كل منهما مثالية في جزء منها..

المقولة الأولى هي مقولة تبدأ بعدم فصل الحب عن الجنس… وهي مقولة معقولة وموضوعية ومنطقية من هذه الناحية… لكن مشكلتها هي أنها لا تنتهي هنا.. فهي غالباً تنظر إلى الجنس نظرة ترفع واحتقار وتعتبره قذارة ورذيلة إلى آخر تلك التوصيفات الساذجة… وبالتالي فهي نظرة تدين الحب ..

المقولة الثانية هي مقولة تحاول جاهدة أن تصور أن الحب منفصل عن الجنس وأنه شيء أسمى و أعظم وأنه شيء مقدس وله طبيعة خاصة إلى آخر ذلك الكلام الغريب… وهي تشترك مع المقولة السابقة في نظرتها الدونية إلى الجنس… لكنها تختلف عنها في موقفها من الحب… فالحب عندها لا يمكن أن يكون موضع اتهام… بل هو أعظم وأسمى من أن يكون في موضع الاتهام .

ويبدو أن المقولتين السابقتين كغيرهما من المقولات المثالية هي مقولات لا تتعامل مع الواقع بل تحاول إملاء تصوراتها الخاصة بأي شكل على الواقع..

وهناك تساؤلات بديهية تطرح نفسها هنا:

مثلا ً : أليس “الحب” هو النوع الوحيد من العواطف والمشاعر الذي يكون في معظم حالاته من طرف واحد..؟؟ فمعظم أنواع الحب الأخرى (عائلية، صداقة، .. إلخ) تكون فيها الأرواح كما يقال جنوداً مجندة.. ويندر أن تجد أحداً يقابل الحب في تلك الحالات بالكراهية أو حتى باللامبالاة..

- إذا كان هذا الحب منفصلاً عن الجنس ولا علاقة له به فلماذا إذاً لا ينشأ هذا النوع من العاطفة إلا بين شخصين من جنسين مختلفين…  لماذا كان اختلاف الجنس شرطاً لنشوء هذه “العاطفة” لو لم تكن جنسية في طبيعتها؟؟

إن مشكلة تلك المقولات وشبيهاتها تنبع من نظرتها الدونية إلى الجنس… تلك النظرة التي يسيطر عليها حاجز “التابو” والتي تمارس الكبت بشدة … إذا  لا بد أولاً من اتخاذ الموقف الطبيعي من الجنس باعتباره غريزة الحياة الطبيعية.. تلك الغريزة الجميلة التي تتدفق بكل ما هو طبيعي ونقي وصاف… تلك الغريزة التي تنبض بالحياة… وقبل اتخاذ ذلك الموقف الإيجابي والمنطقي من الجنس فلا يوجد أي سبيل لفهم الحب…

إن الجنس هو في طبيعته عملية تقوم على التفاعل والتجاوب بين طرفين… وهذا التفاعل لا بد من أن تنتج عنه عاطفة … لأن الإنسان كائن له مشاعر وأحاسيس.. ولا يمكن لأي عملية يقوم بها بالتفاعل مع طرف آخر أن تمر دون أن تسجل في نفسه عواطف وانطباعات تبقى معه بعد انقضاء الجنس وحتى أمد طويل..

صحيح أن الأمر في الحقيقة يبدو معاكساً  يبدأ بالحب لا بالجنس… ثم يأتي الجنس لاحقاً ,, إلا أن الحب في حقيقته ما هو إلا ذلك الامتداد الشعوري والنفسي للرغبة الجنسية والذي يتجاوز حالة الرغبة بالجنس إلى حالة مختلفة من السرور النفسي.. ولذلك فهو يشكل في البداية مؤشراً على الميل الجنسي الذي بإمكانه أن يولد انطباعات نفسية إيجابية عند وصوله إلى الجنس… فهو حالة نفسية تدل على أن الجنس مع هذا الطرف سيتجاوز الليبيدو الجنسي ليصل إلى حالة من الرضى النفسي والانجذاب العاطفي…

فالحب قد لا يعتمد على الصفات الجنسية الذكورية والأنثوية، لكنه في معظم الحالات يعتمد بشكل أساسي على صفات أخرى مثل ملامح الوجه والابتسامة والضحكة و كذلك طريقة الكلام والمشي والتصرف وانتقاء الكلمات (أي ما يصطلح عليه بالشخصية) وهذه الصفات هي صفات تلعب دوراً أكبر من الصفات الجنسية المباشرة في ناحية التفاعل الجنسي… وهو التفاعل الذي لا يمكن أن يقتصر على الحالة الجسمية كما في الأكل أو الشرب أو التخدير.. لأنه في الحالات السابقة يكون الإنسان أحد الطرفين فيما الطرف الآخر جماد.. أما الجنس فهو حالة يكون التفاعل فيها حتمياً لأنه بين كائنين يشعران ويحسان…

وهنا قد يأتي من يتساءل.. ماذا عن الدعارة : أي بيع الجنس مقابل المال … وماذا عن التفاعل فيها.. وأين هو الحب من كل ذلك؟؟

والواقع أن الدعارة ظاهرة غير طبيعية شأنها شأن الاغتصاب .. إذ أنها لا تنبع من ميل مشترك وانجذاب ينتج عنه ذلك التفاعل… بل تقوم بين طرفين كل منهما يحتقر الآخر ولا يمكنه بل لا يريد أن يتفاعل معه عاطفياً… لذلك تقتصر على الناحية الجنسية الجسمية ولذلك تبقى لذتها ناقصة لأنها لا تمتد ذلك الامتداد الطبيعي الذي يسمى بالحب..

وماذا عما يسميه أصحابه بالحب العذري المجرد من أي غرض مادي؟؟

هذا هو التطبيق العملي لأصحاب النظرة المثالية الثانية التي تحدثنا عنها.. فهم يحاولون التهرب من حقيقة أن الحب جنسي في طبيعته لأنهم يحتقرون الجنس.. ومشاعرهم هذه هي مراهقة مؤقتة أو “رغبة جنسية عاطفية مبطنة” (حب).

وقد يتساءل المرء بخيبة أمل

هل هذا هو الحب فقط؟؟… وهل ينتهي إذاً بزوال الجنس؟؟.. ويتبخر إذا انتهى أحد الطرفين إلى العجز الجنسي أو الضعف أو الهرم أو دمار المظهر والشكل؟؟

 والإجابة هي أن الحب باعتباره عاطفة مرتبطة بالجنس،، معرض لكل ذلك .. لكنه قادر أيضاً على أن يتطور إلى أشكال أخرى من التفاعل العاطفي مثل العشرة والصداقة والتعاطف والمحبة والتي قد تصل إلى التضحية و الإيثار .. وبها تتجسد أسمى معاني الإخلاص والتفاني والحرص.. وهي بالتالي قادرة على الحفاظ على نفسها والاستمرار بقوة متصاعدة بغض النظر عن الجنس..

وهذا هو مغزى عبد الوهاب مثلاً في أغنية عاشق الروح

“وعشق الروح ما لوش آخر.. لكن عشق الجسد فاني”

وللحديث بقية  .   .   .