
تبقى للانطباعات الأولى التي يشكلها الإنسان في بداية وعيه عن الأشياء المختلفة آثارها على نظرته إلى تلك الأشياء على امتداد عمره،،، ورغم أنه قد لا يتذكر أبداً متى وكيف تشكلت أولى تلك الانطباعات لديه عن هذا الشيء أو ذاك… فإنه يبقى متأثراً بتلك اللحظات الأولى التي تعرض فيها لأول صدمة تعرف بها على إحدى الحقائق الغريبة في هذا الواقع…
لكن الانطباع الأول هو انطباع من موقع جهل تام كالطباعة على صفحة ناصعة البياض،، لذلك فهو على الغالب مشوش وقابل للتغيير بشكل دائم..
فما أهمية الانطباع الأول…
إن أهميته بالنسبة إلي هي أن موقع الجهل ذاك هو موقع صفاء ونقاء أيضاً… لذلك لا بد أن الإنسان كان مخلصاُ للحقيقة في لحظاته الأولى أكثر من سنينه اللاحقة…
ولهذا فلابد أن الجميع على اختلاف مستوياتهم قد شكلوا انطباعات متقاربة عن الأمور المختلفة بل وتساءلوا تساؤلات متشابهة..
فمن أين جاء الاختلاف بينهم؟؟
أظن أنه جاء من تعامل كل واحد مع صدمته,,, فلنقل أن الجميع رفضوا شيئاً معينا… فليس من الضروري أن يتعامل الجميع مع رفضه بنفس الطريقة… البعض سيخاف من رفضه وينكره… والبعض سيحاول أن يتجاهل رفضه وينغمس في اللعبة… والبعض سيعجبه رفضه مع قدرته على كتم رفضه… وكل تلك الطرق تمتد مع كل واحد حسب طباعه على مدى سنين حياته… فأساليب التعامل مع الصدمة تعتمد على عنصرين برأيي
الأول هو طباع ذلك الإنسان الموروثة منها والتي يكتسبها شيئاً فشيئاً،، والثاني هو ظروف تلك الصدمة التي قد تحتم عليه في لحظتها اتخاذ أسلوب معين قد يكون عنيفاً ..دفاعياً أو هجومياً .. أو هادئاً … مثل الانتظار والتشكك…
لا أعطي أهمية زائدة للانطباعات الأولى لكنني لا أعتقد أنها تلغى لتحل مكانها الانطباعات الجديدة وإنما تتأثر الجديدة دائماً باالانطباع الأول بطريقة ما…
من هنا أحاول أن أتذكر اللحظات الأولى التي أخبرني فيها من حولي عن الله.. عن الموت… عن النقود .. عن الجنس .. عن الكلام.. عن اللغة.. عن الحرب،، عن الحرام،، عن المقدس،، عن السلطة،، عن التملك،، وعن غيرها من الأمور التي قد تبدو غير مرتبطة ببعضها نهائياً،،، بينما يجمعها في حقيقة الأمر كونها كلها صدمات قاسية متى تلقاها المرء نسي صدمته بها لتصير الصدمة واقعاً عادياً لا يدعو للدهشة… لكنه رغم ذلك واقع يتأثر بشدة بظروف تلك الصدمة وتفاعل النفس معها ما بين الرفض الداخلي مع محاولة إنكار الرفض،، والانصياع الكامل لها مع الإعجاب بقواعد اللعبة…
لكنني عبثاً أحاول في معظم الحالات،،، لأنني تلقيت معظم تلك الصدمات قبل تشكل الذاكرة الصلبة التي أقدر على استرجاعها…
لذلك سأبدأ بالعكس،، لأستنتج من خلال نظرتي الحالية إلى النقود مثلاً أحد السيناريوهات المحتملة للصدمة الأولى… وهكذا مع بقية الصدمات
فلماذا وحتى هذه اللحظة لا أكاد أستسيغ فكرة النقود هذه… وهل لذلك علاقة بالصدمة الأولى؟؟
هل تعرفت على النقود مباشرة ؟؟ بمعنى أنني رأيتها مع أبي ومع أمي ومع البائع ومع الحلاق ومع الطبيب فسألت عن ذلك الشيء الذي يقتنيه الجميع فتمت إجابتي؟؟ وكيف تمت إجابتي في حينها؟؟ وما الذي فهمته من تلك الإجابة؟؟ أو هل تعرفت عليها بشكل مزدوج مع مفهوم آخر كالسرقة مثلاً..
أم هل بدأ الأمر بالتساؤل عن العمل مثلاً… لماذا تذهب إلى الشغل يا بابا… أو لماذا كل الناس تريد أن تشتغل؟؟ ليصل الأمر إلى النقود…
أم هل بدأ بالفقر… كأن يسأل الطفل المدلل عن أولئك الأشخاص المختلفين عنه بطرق لا يستطيع التعبير عنها،، ليقال له أنهم فقراء,, فإذا ما سأل ما معنى فقير… سيقال له أنه لا يملك أشياء كثيرة،،، فإذا ما سأل ولم لا… قيل له أنه لا يملك النقود ليشتريها بها…
إذا كان السيناريو الأخير هو الصحيح،،، فلا بد أنني تساءلت في تلك اللحظة وربما بيني وبين نفسي لعجزي عن التعبير،،، “ولماذا يحتاج إلى تلك الواسطة بينه وبين الأشياء”…
ذلك التساؤل هو تساؤل طبيعي في مثل تلك الحالة ومن طفل بعمر صغير… لكن ما يختلف من شخص إلى آخر بالتأكيد هو ميل هذا إلى أن يسأل السؤال من قبيل الاستنكار،، وميل ذاك ليسأله من قبيل المعرفة فقط، ومدى توقان كل منهم إلى معرفة الإجابة…
وبناء على تلك الاختلافات يختلف تطور ذلك التساؤل مع ازدياد المعرفة ووضوح الصورة إلى أشكال أخرى…
لست متأكداً ولكن…
ربما .. كان ذلك أول عهدي بالنقود !





