نحو نقد أناركي للدين … 2

By محمد الفار

funny_signs_3

ما الذي يريده الإسلاميون … إنها السلطة .. أليس كذلك ؟ماذا لو نسفنا ذلك التوهم العالمي delusion عن حاجة الناس إلى السلطة ،، ألا يقود نفي فكرة السلطة من الأساس ودون مواربة ، إلى التخلص تلقائياً من عذاباتنا مع الإسلاميين ومع غيرهم برفضنا لسلطتهم علينا مع تأكيدنا على حقهم في رفض سلطتنا عليهم وبالتالي رفض سلطة أي إنسان على الآخر..؟

هذا يعيدنا إلى الطبيعة البشرية وحاجتها إلى الفردية وإلى الاطمئنان معاً ،، والتي ذكرتها في الحلقة الماضية ،،
والتي توجس الأستاذ مختار من أنني ألمح بالإشارة إليها إلى التعايش مع عقيدة الإسلاميين الإقصائية نفسها !

إن اشتراطنا تحقيق الفردية والتحرر من السلطة مع عدم تهجمنا على إيمان بغيب يمنح الاطمئنان لصاحبه سيجعل ذلك الإيمان بالضرورة لا يتجاوز مسألة الطمأنينة والروحانية والخلود إلى التدخل في شؤون الآخرين،، حتى أفراد العائلة نفسها ،، هذا طبعا إذا استطاع نقدنا الوصول إلى الناس ،، وأعتقد أن هذا النوع من النقد مؤهل أكثر من غيره لإقناع الناس ليس لأنه ليس نخبويا ولا فوقيا فقط، بل لأنه يحقق تعادلية بيننا جميعا،،

فنحن لا ندعو إلى تحييد سلطة الدين لنجعل من النخبة المثقفة أو المتعلمة سلطة على الناس ،، ولا ندعو إلى الاحتكام إلى سلطة رأس المال، ولا إلى أي سلطة ،، وكما يقول المثل : من ساواك بنفسه ما ظلمك .. ذلك المثل هو صحيح في هذه الحالة ،، فنحن متساويان ،، لا أنا أستحق أن أتسلط عليك ولا أنت تستحق أن تتسلط علي،، ولا يستحق أي منا أن يكون عبداً أو تابعا للآخر … وهو نفس المثل الذي يصبح ساقطاً في حالة من أراد أن يعذب نفسه أو يقتلها أو يفجرها واعتبر ذلك كافيا تحت فلسفة تلك المثل المخاتلة هنا لجر غيره إلى مصيره قائلاً نفس الجملة التي سيكون لها وقع بارد هذه المرة : من ساواك بنفسه ما ظلمك ! …. فليس من حق أي منا أن يتحكم بمصير غيره … وفي كل الحالات يجب أن يبقى حق كل منا في أن يكون “المصير في اليد” موضع احترام الآخرين … فلا سلطة على المصير إلا لصاحب ذلك المصير..

ولو سألنا … ما هو العنف الذي تمارسه بعض الجماعات الدينية ؟

أليس العنف في جوهره مظهراً لسلطة القوة ،، وسطوتها على الحياة

ألا نتغلب بنسف فكرة السلطة داخل العقول والنفوس، على تبرير العنف بكل أشكاله باعتباره سلطة ،، وبالتالي نسف كل تبريرات المتدينين لعنفهم ضد الآخر،، دون الالتجاء إلى عنف مضاد قد تمارسه جيوش الدولة أو سجونها التي تشهد حفلات تعذيب سلطوية سادية، أو حتى محاكمها التي تحتكم إلى سلطة قانونها الذي تمارس نصوصه شكلا غير مبرر هو الآخر من السلطة،، ودون الالتجاء إلى عالم متقدم منافق ،، يستنكر عمليات عنف فردية ويعرض خدماته للمساعدة في مواجهتها ويشتكي من تهديدها له في الوقت الذي كان له السبق في تشجيعها ،، بل وفي الوقت الذي تنتج أي دولة من دوله “المتحضرة” من السلاح المدمر والقاتل أضعاف ما يحلم أي متطرف باقتنائه؟

ألا نريد أن ننتشل أنفسنا من حالة التوحد autism التي يحاول غلاة المتدينين جرنا إليها بنظرتهم إلى الآخر – أي آخر – على أنه منحرف وضال يجب إقصاؤه كما يحدث مع البهائيين مثلا .. ألا نريد أن نغلق الباب أمام نقاشات من نوع ( لمن الحق في حكمنا ؟ للإسلامي أم للبرالي أم للشيوعي أم للزعيم الأوحد أم …) .. إننا بنفينا لشرعية أي سلطة ننفي ضمنياً شرعية مطالبات الإسلاميين بالحكم…

كيف يكون النقد سلطويا

أعني بالنقد السلطوي ذاك النقد المدفوع بولاء لسلطة ما، أي سلطة، أو الذي يصب في مصلحة سلطة ما، أو الذي يستحسن سلطة على سلطة، أو الذي لا يمانع فعلاً سلطويا لا حاجة معه إلى النقد أصلاً كالنقد الذي يتضمن تحريضاً مثلا، أو نقد من يتبرك بسلطة ما ويتقوى بها ثم لا يخجل أن يحدثنا عن التحرر من سلطة النص والخضوع لسلطة الواقع حتى لو كان الواقع الذي يدعونا إليه في حد ذاته خاضعا لسلطة ما .. فيما تحول نصه هو إلى مجرد نص للسلطة يخدم شكلا منها.. والسلطة لا بد لها لممارسة سلطتها من إنتاج نسختها هي من الحقيقة وجعلها النسخة السائدة والوحيدة، وما الأديان على اختلافها إلا تجليات لفعل سلطوي أو آخر…

فهل محاولة التحرر بأي ثمن من سلطة دين ما علينا تبرر أي وسيلة لذلك حتى لو كانت الوسيلة تتضمن انتقالنا من سلطة على وشك أن تموت أصلا بفعل هرمها إلى سلطة شابة حيوية أكثر قدرة على المراوغة والخداع والأهم من ذلك التنكيل والبطش ،، دون حتى محاولة المرور بفترة حرية من أي سلطة ،، فترة لو أتيحت لنا تجربتها لأتيح لطبيعتنا البشرية أن تتجلى على حقيقتها كما ذكرنا سابقاً ،، وترفض بذلك أي عودة إلى أي شكل من أشكال الإذعان للسلطة بما فيها سلطة الدين؟؟

فالنقد الديني- الديني .. سلطوي بطبيعة الحال

ونقد كتاب الأنظمة ومنظريها للإسلاميين … سلطوي

والنقد الفوقي المتعالي المتمسح بعالم متقدم منافق في إنسانيته التي ” يرميها بأرضها ” عند أصغر بئر نفط أو منجم للماس … هو بلا شك نقد سلطوي

النقد الذي يتظاهر بأنه عالم ببواطن الأمور فيعظ الناس بكونه أذكى منهم وأعلم منهم بطبيعتهم النفسية فيمارس عليهم دور الطبيب النفسي الذي يريد إصلاح خللهم .. هو نقد سلطوي … لأن الطب النفسي هنا هو فعل سلطوي استبدادي في هذه الحالة بافتراضه أن له الحق في ضبط “تون ” غيره لجعله أقرب إلى الشخصية المثلى،، شخصية المواطن العالمي الصالح الممتثل لقيم العالم المعاصر القادر على التكيف مع العالم ،، حتى لو كان العالم ليس للجميع ،، -ربما وليس له هو أيضاً- أي حتى لو كانت قيم ذلك العالم خاضعة لسلطة رأس المال …

ولماذا لا يكون النقد سلطويا

من الواضح مما سبق أن النقد لا يجب أن يكون سلطوياً .. لأن لكل سلطة ضحاياها ومظاليمها،، ومعنى أن ننتصر لسلطة ما بنقدنا للدين أن نقدنا سيسقط تلقائيا بالنسبة لتلك الفئات المتضررة من تلك السلطة والتي قد ترتمي – كرد فعل طبيعي على دعمنا لسلطة جلاديها – في أحضان الدين الذي ننتقده..

وفي مداخلة سابقة لي على موضوع انتهج طريقا سلطويا للنقد واستحال نقد ذلك النقد نفسه إلى نقد سلطوي في جزء منه قلت وتحت اسم آخر حاولت عن طريقه التخلص من سلطة الهوية على النفس وحتى سلطة اللغة ما أمكنها .. قلت :

مشكلتنا هي قبولنا و لو في لحظات غفلة لشكل معين من السلطة،، حتى لو كانت سلطة الدوغما علينا ،،، والجواب لكل المشاكل كنا نتجاهله دائماً ،،، وهو التمرد على كل شكل للسلطة فور تشكله ،،،

وعلى ماذا سنختلف أصلا لو لم تكن لهذا السلفي أو لذاك الشمولي أو لذاك الرأسمالي العصري سلطة علينا ،،، عندها سيقول بعضنا للآخر : ها أنت تعيش ،،، وغيرك يعيش .. وهو المطلوب

يتبع

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=173914

رد واحد إلى “نحو نقد أناركي للدين … 2”

  1. بهاء العابد يقول:

    صديقي محمد…
    لا شك ان منهجك لنقد ” السلطة ” كيفما كان شكلها ( والدين احد هذه الاشكال ) هو اعتدال لخطك القاسي في التعامل مع كل ما يمت للدين بصلة وهو الذي اخذ مساحة كبيرة من تدويناتك الماضية، ورغم الاغراء الذي احس به للتصالح مع خطابك ” الاقل هجومية “، الا ان تناولك لموضوع الدين كأحد اشكال السلطة اضطرني الى تصحيح مفهوم يبدو – بالنسبة لي على الاقل – مغلوطا.
    قد يبدو -للوهلة الاولى – ان لهجتك الجديدة ترد بعض الاعتبار للمتدينين على اساس ان الكثيرين اتخذوا من نقد الدين كفكرة ونقد المتدينين – دون تمييز بينهما – كمؤشر على مدى قربهم من الفكر التحرري واقترابهم اكثر من التخلص من تأثير الوعي الجمعي واعتبار هذا الاخير شرا مطلقا لا بد من اسقاطه.. هذا ما قد يبدو للوهلة الاولى، لكني ارى ان التدوينتين الاخيرتين يمثلان ربما يأسا من طرفك في نشر الفكر التحرري من كل سلطة ممكنة ، وهنا دعني أسالك : هل من الممكن ان تكون صاحب فكر ما وتدعي في نفس الوقت انك لا تسعى الى نشر هذا الفكر وزيادة عدد معتنقيه؟ اليس نشر الفكرة جزءا من نجاحها ؟
    لا اعلم ان احدا في التاريخ خرج بفكر جوهره ” هذا الفكر غير مخصص للنشر” ، وهنا واذا اتفقنا ان وجود الفكرة بحد ذاته يؤدي الى انتشارها واعتناق الآخرين لها ، فإني اعتقد ان مجرد الدعوة الى فكرة معينة ونشرها هو محاولة منك للتأثير على الآخرين لاعتناق فكرتك، وهو بالتالي نوع من انواع ممارسة السلطة، والفارق ان البعض ينشر فكرته باستخدام السلاح ، اما البعض الآخر فينشرها باستخدام الاعلام ، ولكن الطرفين يشتركان في ممارستهما نوعا من انواع السلطة و القوة التي ستؤدي في النهاية الى انتشار الفكرة – اي فكرة – او اندثارها..

    صديقي العزيز
    تناولت هنا خطابا تصالحيا بعض الشيء مع المتدينين ، خطابا مفاده : لكم دينكم ولي دين، ولكن، وبالنظر الى ما تقدم ، فاني املك هنا الجرأة الكافية للتحدث عن أحد مقاصد الاسلام كدين، وهو الانتشار وزيادة اعداد المسلمين. وهذا يعني ان الاسلام بطبيعته وبمجرد وجوده يميل الى ممارسة نوع معين من السلطة على الآخرين، دعك من طبيعة ممارسة هذه السلطة ، فهذا قد يكون صحيحا او خاطئا ،
    ولكن تلازم فكر الاسلام وسلطته يعني انك يجب ان تنظر الى الاسلام ككل ، وليس لك او لغيرك ان تقسم الاسلام فتأخذ منه ما تريد وتترك ما تريد، هو الاسلام كل واحد لا يتجزأ، وان اردت ان تتصالح مع المتدينين فلا اعتقد انك اخترت الطريق الصحيح.

اترك رد