Posted by: قادر | نوفمبر 26, 2016

معنى الجسم البشري – تجارب

holoman

قبل أكثر من ثلاث سنوات، كتبت موضوعا بعنوان “معنى الجسم البشري” ونشرته على حلقتين. كان الهدف من المقال هو تحدّي الجسد، كمُعطىً غير مرن، ناتج في معظمه عن التاريخ الجيني للفرد، تحدّي الجسد من خلال التفكير والعمليات العقلية التي وإن كانت تنتج عن نشاط الدماغ –الذي هو جزء من الجسد- إلا أنها مستقلة عن شكل الجسد وأبعاده وقوّته، وهي العمليات التي تبدع وتخلق وتمثل القيمة الأعلى للفرد، بل إن هذه العمليات هي التي تتذوق جمال الجسد أو جاذبيته وهي التي تخلق أكثر السيناريوهات إثارة بخصوصه.

63fcb7e9cfe22b04cee45fad7d249587


وتزداد أهمية العمليات العقلية عن أهمية الجسد حين نتفكّر في ما قد يعدنا به مستقبل الطب والتكنولوجيا بخصوص زيادة مرونة تغيير وتشكيل الجسد أو حتى استبداله، أو حتى نقل الوعي إلى أجهزة كمبيوتر، وإدراك الجسد والجنس والحواس داخل واقع محاكاة يمكن لأي فرد فيه أن يختار الأفاتارالذي يريده، متحررا من شروط الجينات والوراثة. والحجة الرئيسية هنا هي أنه إذا أمكنك أن تتخيل أن جسدك مختلف، فهذا لأن خيالك متجاوز لجسدك، وذاتك ليست محصورة في صورة جسدك أو أبعاده، فأنت لست جسدك، ولستَ بالضبط جيناتك، لست جيناتك تماماً، وإن كانت جيناتك ساهمت في تفكيرك. لكنك بالتأكيد ذاكرتك، أنت ذاكرتك، ومن هنا سأبدأ بالتجربة رقم (1): المسخ إلى قط

cats-master-header.png


لو أخذنا قطا من الشارع، وأمكننا أن نحمّل كامل ذاكرتك عليه، أي أننا حملنا دماغك وركبناه على جسده فإن هذا القط سيصبح أنت فجأة أو ستصبح أنت القط، وسيبدأ القط يفكر بشؤونك، وسينظر إلى جسده ويفكّر “لن يعرفني أهلي الآن حين أعود إليهم بهذا الجسد”، وسيمكنه أن ينطق، ويستعمل وظائف دماغك العقلية والوجدانية، وسيكون بإمكانه أن يتذكر أفعالك، وانفعالاتك السابقة، وممارستك الجنس مع فرس بشرية حجمها يفوق حجم القط بكثير. لن يمنعك جسدك الجديد من أن تظلّ أنت، فأنت متماسك بذاكرتك، لا بحجم ذراعك ولا بطول ساقك ولا بلون بشرتك.

katyperry1


هل ستحتقر نفسك بعد ان يصبح جسدك جسد قط. هل ستنظر لنفسك على أنك لم تعد جديرا بما كنت جديرا به من هيبة وملذات وجنس حين كان جسدك جسد رجل آدمي. إن هذه التجربة تحدث فعليا لكل من يتاح له أن يعمّر ويشيخ، ولكن بتدرج شديد. فالشيخ يتحسّر على ما لم يعد متاحا له، ويكفي أن يتذكر أجساد الشابات التي كانت تتاح له في شبابه، حتى يشعر باستفزاز شديد، ويتحسّر. ولكن الحل الجماعي الذي ابتدعه البشر وراكموه لتجنب هذا الأمر في هذه الحالة هو الأدوار الاجتماعية، وإحاطة الشيخوخة بالاحترام، فالشباب يحترمون الشيخ وعليه هو في المقابل ان يحترم نفسه ويزهد في اجساد الشابات، والشباب يحترمونه حتى يضمنوا احترام الآخرين لهم حين يشيخون هم. إن البشر يتكيفون مع محدودية الجسد وقصر عمره وإمكانية تدهوره، عن طريق خلق الأدوار الاجتماعية وعن طريق التعاطف مع الشيوخ والمرضى والعاجزين.

أنت ذاكرتك. أما تاريخك الجيني فهو يلقي بظله على وعيك ونشاطات دماغك ولكنه لا يحددك تماماً، هو يحدد صفات جسدك بنسبة عالية جداً، لكن في ما يخص تفكيرك ووعيك وخيالك فجزء كبير منه مكتسب ومرتبط باحتكاكك بالعالم و-الأهم- بالآخرين.

لا عجب أنك تجد في الميثولوجيا أن الوعي يأخذ أشكالا متعددة ويتغير وعاؤه من شكل إلى آخر بالميتامورفوسيس، فالجسد مظهر، وقوة الفرد ليست في حجم عظامه أو صلابة عضلاته بل هي قوة ذاته، طاقته، أو “إرادته”، وهذه الإرادة هي التي تشكل العظم وتنحت العضلات. فالوعي الجبار لا تطاله شيخوخة، وإنما ينتقل ذلك الوعي إلى جسد آخر أو “يتخذ” جسدا جديدا ينحته نحتاً مثالياً يجذب العين ويثير الشهوة، ويقتدر على التعامل مع قوى العالم الفيزيائية.

ولو تم تركيب وعي لليرقة ثم تحولت إلى فراشة، فنظرت إلى المرآة، وتذكرت أنها كانت يرقة وأصبحت فراشة، وقارنت ما هي عليه بما كانت عليه، فهي ستدرك أناها الهائلة، الساكنة  خلف اليرقة وخلف الفراشة.

02212a97a14c6ea24338d692ea807cd1

Posted by: قادر | نوفمبر 22, 2016

هل تريد أن تعرف الله

89999

….

هل تريد أن تعرف الله؟ الله يريد أن تكون بينك وبينه علاقة شخصية فريدة

إعلان تبشيري ظهر لي غير مرة على الإنترنت.

.

إعلان تبشيري، وهذا خطاب البشير، وموضع تركيزه، العلاقة الشخصية بين الخالد والفاني، تلك العلاقة السريعة المثيرة بالنسبة للخالد البطيئة المحتجبة البعيدة المقلقة المثيرة للأمل والخوف بالنسبة للفاني. خطاب الآن، فالآن فقط هو المهم، وهنا مثل هناك. أنت حر. كل شيء قريب. الله قريب، أقرب إليك من حبل الوريد.

what-if-god-was-one-of-us-matthew-11825-3-638.jpg


أما خطاب النذير، فهو وإن بدا منصبا على العلاقة الشخصية أيضاً، ولكن بجانبها المتعلق بالتأنيب والحكم، فهو في جوهره خطاب يضع مسافة كبيرة بين الخالد والفاني، يحترم الماضي والمستقبل لأنهما هدفاه، ويتجاهل اللحظة. فاللحظة غير مهمة. أنت حاليا يجب أن تعاني أو تصبر على شيء ما أو أن تنتظر شيئا ما. أنت دائما تسعى. أنت مكلّف. خطاب النذير هو خطاب يضع الإنسان في الأسفل، ويضع الخالد في الأعلى. هو خطاب يصنع التاريخ ويخاطب الأمم. المهم الغد، وكذلك الأمس مهم، فالنذير يريدك أن تتذكر تاريخك. فالله بعيد، تعرج إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.

خطاب البشير يكون للفرد “أحبك” ولكن خطاب النذير يكون للجماعة “احذروا”.

أحبك الآن هنا.

مقابل

احذروا الغد، واعتبروا من الأمس

ولكن ماذا عن خطاب الشاهد، والشاهد قبل البشير وقبل النذير

“إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا”

evan-almighty-morgan-freeman-eewmagazine


الشاهد محايد…. لا ينذر ولا يبشر، بل يحتفظ بالمعلومات، واحتفاظه هنا ليس كالذاكرة. فالذاكرة ليست محايدة لأنها تجربة شخصية. الشاهد هو ما حفظ تاريخ الأمم وتاريخ العلم ونقله. الشاهد لا ينذرك ولا يبشرك. الشاهد يعلمك حقائق.

وأنت في فضول دائم لاستثارة الشاهد ليخبرك موقفه من كل ما علمك إياه، فهو علمك الأسماء كلها ولكن لم يقل لك أيها أحب إليه. فهو محايد، يحب الشيء ونقيضه، يهتم بالشيء ولا يهتم.

ولكن هل العلاقة الشخصية مع الخالد ممكنة بعد كل ذلك؟ هل اعتبارات شخص يخاف حين تقول له أين ترى نفسك بعد خمس سنوات، يمكن أن تتوازى مع اعتبارات ذلك الذي يتعامل مع تاريخ الأمم والدول بل والكائنات؟

الفاني ينشغل بشؤونه ولا وقت لديه لينسى نفسه، فينشغل عن الخالد. أما الخالد فانشغاله بالفانين أكبر من انشغاله بنفسه، لأن وقته غير محدود، والخلود يعزز الأنا ولكنه يجعلها أمرا واقعا ومعطى لا خوف عليه، فيصبح عدم الالتفات إلى الأنا الخالدة قدر الانشغال بالآخرين الفانين هو طبيعته…….. فهل تصبح العلاقة غير متوازنة بين فانين تهمهم أنفسهم وبالكاد حياة آخرين فانين مثلهم في حياتهم القصيرة، وخالد يهمه أمر الفانين الذين احتجب عنهم؟

Posted by: قادر | أكتوبر 4, 2016

مُتْ فوراً

tumblr_nhpex8twf81rsyukao1_500

لطالما تحاورنا عن تلك الشجرة التي تسقط في غابة منعزلة حيث لا يوجد كائن يمكن أن يسمعها، هل تصدر صوتاً؟ كان سؤال من ذلك النوع حريّاً بأن يفتح كل أنواع الحوارات حول طبيعة الحقيقة الموضوعية واستقلالها عن المراقب، وما يقود إليه ذلك من تصورات فلسفية وتفنيدات علمية وجدالات كوانتمية. هل يمكن حدوث شيء لا يشهده أحد؟ لقد كان دافعنا العميق وراء الاستغراق في تلك الحوارات هو الرغبة في التحرر. التحرر من الأحداث الصماء التي تحدث ميكانيكياً، رغم أنفنا، ورغم عقلنا، ورغم قلبنا، والتوق إلى إعلاء قيمة وعينا، كون الوعي المجرد يبدو لنا مستقلاً عن الزمان والمكان. والزمان والمكان قيدان. فالسجين يقهره المكان، والشيخ الكبير يقهره الزمان. ولكن بالانسحاب إلى الوعي المجرد، يدرك السجين حريته من المكان والشيخ حريته من الزمان.
.

.
من كل اللحظات الآن …

من كل الأماكن هنا ..

من كل الناس .. أنا

أيعقل أنني طوال تلك السنين انا وسأبقى أنا …. أليس هذا حبسا…

أنغمس في الانا … وأغفل عنها …

وفي هذه اللحظة…. يبدو غريبا لي كيف أن كل شيء .. كل ما في الوجود بالنسبة “”لي؟!” هو اطلالة دماغ شخص واحد …
.

.

هذه الأنا، قيدها الحقيقي هو ذاكرة الآخرين. إن معضلة الأنا هو أن قيمتها تبدأ مع وجود آخرين يدركونها، ولكن هؤلاء الآخرين في نفس الوقت هم أكبر قيد على تلك الأنا، بشهادتهم على هفواتها، وضعفها، وهشاشتها، وهزائمها المتكررة أمام الزمان والمكان وقوانين الكون الفيزيايئية والكيميائية والبيولوجية. وأخطاؤنا تؤلمنا لا لأثرها علينا فقط أو لأثرها على الآخرين، ولكن لأنها تفتح باب التعرض للأحكام من الآخرين. ومهما كنّا أقوياء، فإننا نفضل أن نتجنب أحكام الآخرين. وتلك الأحكام المتغيرة لا يصلّبها شيء مثل الذاكرة، خاصة لو تراكمت حوادث متشابهة، أو هفوات متتابعة. ولكن، حتى لو كان حدثاً منفردا، فكيف يُمحى ما لم تكن لنا سلطة على ذاكرة الآخرين، على الأقل ذاكرتهم التي تخصنا، ذكرياتهم بخصوصنا، والتي هي منبع لأحكامهم علينا.
.

.
فكّر بهذا …”إن القلق على الانطباعات التي نتركها هو تقديس في غير محله للذاكرة، وهو يعيق خوض التجارب الجديدة، ويحجب رؤية الأبواب المفتوحة. التجارب المتجددة وليست الانطباعات ولا الذكريات هي ما يهم”…
.

.
ماذا كان ذلك؟ لقد تعوّدنا، أمام ذلك العجز عن التحكم في ذاكرة الآخر، على اللامبالاة. ونحن نصل في اللامبالاة حداً يجعلنا نتكيّف مع أحقر تصوّرات يشكلها الآخرون بخصوصنا، حتى لو احتفظوا بها مدى الدهر أو خلّدوها صوتاً وصورة وتسجيلا وكتابة. ورغبتنا في التحرر من الرغبة الذليلة في الصورة الناصعة، يجعلنا في المحصلة نكتسب قوة هائلة. فنحن نفعل كل شيء نريده بشكل مستقل تماما عن انفعالات الآخرين بما نفعله، ونعتمد في فرض ما نريده على قوتنا، لا على احترامهم أو تقبلهم. بل وبقوتنا نعاود نحن فرض معايير جديدة، تصبح ذكرياتهم الرديئة عنا وفقا إليها إطراء لنا.

tumblr_m0ghdrgh0n1qzj861o1_500

.

.
ولكن المشكلة لا تنتهي هنا، فمن حيث شعرنا أننا تحررنا، اكتشفنا أننا لم نراوح نفس المكان، فنحن لا زلنا مهووسين بالآخرين. إن كل ذلك الفعل الهائل الناجم عن انتهاج اللامبالاة، هو استعراض قوة. استعراض أمام من؟ أمام الآخرين؟ لا زلنا مهووسين بهم. فنحن نستعرض لا مبالاتنا بهم. نستعرضها أمامهم، وهذا تناقض يفضي إلى عبثية تصديقنا ولو للحظة بأننا بالفعل تحررنا منهم ومن ذاكرتهم، ومن تصوراتهم.
.

.
فهل يكفي موت الآخرين كلهم، وفناء كل ذكرياتهم عنا، ليخلّصنا من عذابات تلك الأفعال التي حدثت أو الأقوال التي قيلت، ولم يعد بالإمكان العودة إليها ومحوها؟
.

.
حتى موت الآخرين وفناء ذاكرتهم قد لا يكفينا لنرتاح، وقد أفزعتني جملة واجهني بها أحد الذين تركت لديهم أسوأ الذكريات. قال لي: “لا شيء يُمحى في ذاكرة الكون”. وهو بذلك يبشرني بأن ما قمت به لن يُمحى حتى بعد موته هو، فما فعلتُه مُثبت في مكان ما، حتى لو نسيه كل من شهده. فالكون في حد ذاته يشهده. والمختلف هنا، هو أن الكون محايد إزاء ذلك الفعل، فهو ليس كالآخرين، أي أنه لا يصدر عليّ الأحكام، ولكنه يخزّن ما حدث، فإذا جاء وعي جديد، وعي غير محايد، له انحيازاته وأحكامه، أمكنه استرجاع أفعالي من ذاكرة الكون المحايدة، وعندها سيحاكمني من جديد. حتى بعد أن أنسى أنا ما فعلته. فالكون المحايد يحتفظ –بحياد- بكل شيء، فيتيح تعريضه للأحكام مرة أخرى، من قبل من يحكمون، وينفعلون، ويشهتون، وينفرون. يتيح أن يجعلنا مرة آخرى عرضة للرفض، حتى لو لم نعرض أنفسنا على أمل القبول من جديد، ويجعلنا عرضة للنفور، حتى لو زهدنا في أن نُشتهى، وانسحبنا إلى غياهب الغياهب. لن ينسى أحد نقائصنا، سواء كانت نقائص اقترفناها، أو نقائص فرضت علينا.

12-Memento-quotes.gif

.

.
إن تحررنا نحن، سبيله فقط هو أن ننسى نحن. ونسياننا نحن يكون بفناء ذاكرتنا نحن. ونتنازل أمام قهر ذاكرة الكون المحايدة، وأحكام الآخرين التي لا مناص منها. نموت فننسى من كنا، ونترك لهم أن يحكموا على من كنا إلى الأبد. وبعد أن ننسى، ونظن أن الذي كنّاه ما هو إلا آخر. سنحكم نحن أنفسنا، من موقع محايد متجرد، على ما اقترفناه، وما اقترفته قوانين الوجود في حقنا، على كل نقائصنا، وسننفر من ذلك الآخر الممل أو الضعيف، سنرفض آخراً هو في الحقيقة نحن، هو ما كنّاه. ويا لها من حرية.
.

.
أنت الآن.. عالق في ذاكرتك … كل هواجسك، كلها بلا استثناء، ناتجة عن سيطرة ذاكرتك عليك …
انس تتحرر … مُتْ فوراً….
.

.

most

العقبة – 4 اكتوبر 2016

Posted by: قادر | سبتمبر 24, 2016

جاذبية العناد

%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9

جاذبية العناد

.
.
العناد موقف محافظ، متمسّك بإرادة سبق أن صدرت، مهما خالفت العقل أو حتى الضمير، هو دور ملتزم بالنّص، يكابر بالذات أمام الكلام. فالمتكلم الفذ قد يدرك قوة كلامه الهائلة، وأن قدرة الكلام على التغيير أو المحافظة -في وجود هو في أساسه وصف كلامي- هي أكبر من قدرة الفعل ومن سطوة الانفعال.
.
.
.
الكلام يواجه العدم، ويبطل الفعل، وينفّس الانفعال، وهو قدس الأقداس القادر بكلمة “كن” على البدء والإعادة. وهو الذي يؤثر في خواص المادة، ويطلق الطاقة، ويحصرها، ويوجهها. ولكنه دون انفعالاته اللاعقلانية باهت، ليس مغريا بالمرّة. هو الحقيقة المملة للوجود، التي وصفها زياد بن عاصي حفظه الله “متصور لو حدا ما عنده اشي الا يحكي قديش ممكن يحكي، خاصة إذا الله طوّل بعمره”، وهي عبارة من برنامجه “العقل زينة”، والكلام المنسوج بعناية هو زينة العقل، والعقل زينة هذا الوجود، الباهت بحقيقته، المثير بأوهامه. وقد سبق لي –قبل خمس سنوات- أن وصفت الحقيقة بقولي ” إن الحقيقة لا بيضاء ولا سوداء، لا رمادية باهتة ولا صفراء فاقعة، لا هي بلون الفرح، ولا بلون الكآبة، الحقيقة غالبا شفافة لا تدركها الأبصار، ولا يمكن رسمها على ورقة أو إيجاد شيء له نفس لونها، وهي غير مغرية إجمالا.
.
.
.
إن نقطة قوة العناد هي إثارته، فالصلابة مثيرة، والثقل مغر. والكلام بتفسيره وتحليله وتركيبه وتأويله وحججه وحواراته وقتله لمتعة الفعل وللذة الانفعال هو محل احتقار لدى الأغلبية الساحقة من البشر، من يفضلون الإثارة على الحقيقة.
.
.
.
.
مع الكلام، يبطُل الدافع للتمسك بأي موقف، وأي إرادة، فهو بقدرته على الوصف والمحاججة والرد والأخذ يواجه النقائض ببعضها حد معادلتها كلها، فترتخي الأدوار وتصبح الحبكة نفسها رخوة لا حدّيّة فيها. فالصم البكم الذين لا يسمعون (يرفضون الكلام ويتجنبونه كي يحافظوا على مواقفهم) هم أهل إثارة.
.
.
.
لذلك يا صديقي ويا صديقتي، يا من أعرضتما عن سماعي ووضعتما أصابعكما في آذانكما حين بدأت بالكلام، أو سمعتما في أحسن الأحوال دون تدبّر لصدق مقالي وحكمته، أنا أفهمكما، فأنتما تريدان أن تحافظا على دوركما في القصة. تريدان أن تتجاوزا الفصل الحالي إلى الفصل الذي يليه. أما أنا كمتكلّم، فممل لدرجة أنني أفضل البقاء في الفصل نفسه، أشبعه تحليلا وتركيبا، وأعود إلى كل جملة فيه فأفسرها مرارا، لسد شعوري بالنقص إزاء انعدام الإثارة بخصوصي.
.
.
.
.
أنتما لا تتصوران مذاقي، تتصوران أن لا طعم لي، كونكما تعودتما على أنني أقتل الإثارة. لا تصدقان أنني الحمل القابع في بطن الحوت. النون الذي تختتم به كلمة “كن” التي جعلت من اللاشيء شيئاً. وواجهت وحشة الفراغ، قبل أن يكون هناك فعل وانفعال، يا من تعيّرانني بانعدام الإثارة. لكنني ملح الأرض، نعم أنا كمتكلم جيد ملح لهذه الأرض، ملح ينتج عن معاشرة حمضكم لقاعدتكم. ملح إذا فسد لم يعد مليحاً، ولا عاد يمكن أن يملّح به شيء، ولا لمواجهة العناد، بالكاد يصلح لقتل نكتة طويلة، تفسدها روايتها مرارا. لا يصلح الملح إذا فسد إلا لأن يطرح ويداس من الناس، كما قال المسيح.
.
.
.
.
أواجه إثارة عنادكم، وشبق الانفعال بإثارة عنادكم، بالسخرية من العناد، وبمن ينبهرون بالعناد. أواجهكم براوية النكات. فالكلام غير المتقن يقتل النكتة، ولكن النكتة بالأساس كلام، كلام منسوج بذكاء، خير مخرجات العقل، وزينته. فالنكتة وصف كلامي أيضا، وشهادة على الحلو وعلى المر.
.
.
.
.
رحم الله الشيخ إمام عيسى:
.
.
.

“ارمي الكلمة في بطن الضلمة، تحبل سلمى وتولد نور”….

.
.
.
تولد نون يا شيخ… تولد نون

.
.
.
العقبة/ الأردن 24-09-2016

 

Posted by: قادر | سبتمبر 9, 2016

معنى المعاناة ومعنى الصبر عليها

saboor.jpg
الشعور بأن الحياة بلا معنى يجعل حتى أصغر قدر من المعاناة لا يحتمل. لذا فإن أول وظيفة للمعنى هي ايجاد مبرر للمعاناة، وأهم المعاني هو معنى المعاناة. ولا عجب أن المعنى والمعاناة قريبان في اللفظ.

bjdy_lrby_arap_alfabesi_


أما الصبر فهو شكل من أشكال الانضباط… هو أن لا تخطئ بذريعة أنك تتألم، بحجة أنك تعاني. ولا يكفي أن تتجرع المرارة كي تعدّ صابراً، فأنت لم تتجرعها بإرادتك، ومقياس انضباطك هو أن تتجرعها بلا تذمّر…

الصبر من صفات الرجال، ومؤشّر على الفعالية، أي القدرة على الفعل الكثير والمتتابع والكفؤ، ذلك أن الذي يستطيع أن يصبر، أي أن يمتنع عن الخطأ ساعة الألم، هو قادر على الاستمرار في الفعل المتتابع خلال الإجهاد، ولذلك يقيس الصبر الرجولة والفعل.

tumblr_lvjzghyV4Y1qj9oqro1_500.png
الصبر هو أيضا الحرص على ستر الضعف ساعة الألم، فمن الصبر أيضاً أن تتجنب الأنين، وأن تحرص على عدم إظهار ضعفك للرجال أولاً. فإذا عجزت عن الصبر واحتجت إلى التنفيس، أو بدا أنك لا محالة مخطئ بذريعة الألم، فإياك أن يكون هذا الكشف لضعفك أمام الرجال، بل ابدأ بخاصة خاصتك من النساء، خاصة من تجد فيهن قوّة وصبراً، فهنّ خير المزمّلات وخير المدثّرات، حتى وإن كان دورك الأساسي أن تكون أنت السند لهن. فإذا ضعفت أكثر، فلتكشف شيئا من ضعفك أمام خاصتك من الرجال، من يفوقونك في سلم الرجولة لا من تفوقهم وينظرون إليك كسند. ولكنهم أولئك الذين يفوقونك ولكن لا يجدون في ضعفك فرصة لاستغلالك.

mary-cross-jesus-298x300.jpg


والصبر صبران، صبر على هول شديد لوقت قصير، أو صبر على مرارة وضيق أقل شدة ولكنهما مستمران على الدوام. وإنه لا يكون هول شديد لوقت طويل،وذلك لطبيعة الأشياء حيث أنها تنكسر عند مرحلة معينة، كجسم الإنسان الذي لديه قدرة محدودة على الاحتمال. وهذا من لطف الوجود بأهله، وثلث الوجود لطيف بالضرورة وثلثه مر وضروري، وثلثه حياد متردد، هو الثلث الذي يقف خلف اللغة والأفكار والإبداع.

ss


والصبر القصير على الهول الشديد ضروري للرجل، كما أن الصبر الطويل على الضيق ضروري للمرأة، فهو مقاتل بطبيعته، أو بالدور الذي تفترضه الطبيعة منه، وهي خادمة له بطبيعتها، أو تبعا للدور الذي تفترضه الطبيعة منها والذي تشتاق هي إليه دون إفصاح حتى لنفسها في بعض الحالات، خاصة حالة العالم المعاصر. والخادم في ضيق، ضيق لخضوعه، وإن أحبه، ضيق الخياط بملل نسيجه، ضيق المصمم بتفاصيل تصميمه. والإنسان يحتاج الصبرين، سواء كان ذكرا أو أنثى. وان كان اسم الله “الصبور” أقرب لمعنى الصبر الطويل على الضيق -كونه صبور على نقائص الناس وجهلهم المستمر- فإن الصبور يحب الصابرين، من يحتملون الألم الشديد لوقت قصير، ويقتدرون على صبر الساعة.

Lakshmitailor.gif


إن الصبر على المعاناة هو من علامات النضوج والاكتمال، وهو في حالة صبر الرجال علامة على الرجولة لا تكشفها إلا المحن، وقد تحسب أنك قادر عليه فيخيب ظنّك بنفسك عند الشدائد وتجد أنك تنزلق سريعا إلى الخطأ بذريعة الألم. فإذا حلّت الشدائد، فهو موسم اختبار صبرك، فلا تفوّته.

castaway_786_poster.jpg

Posted by: قادر | أغسطس 28, 2016

عيون مغلقة … على اتساعها

EWS-tom-mask-616x348

.

.

من المفارقات الملفتة أنك من الوارد أن تجد في اليابان، أو كوكب اليابان كما يطلق عليها المبهورون بها، سلوكيات من نوع أكل بعض أنواع الحيوانات وهي ما تزال حية، مثل الأخطبوط والضفادع التي يقدم بعضها في المطاعم وهو على قيد الحياة، وذلك للاستفادة منه طازجا ينبض بالحياة ويرفس بأذرعه فيما يتم قضمها او كالضفدع ينظر إليك بعينين خائفتين وأنت تأكله

.

…..

dddd
.

هذا في بلد النظام والحقوق والواجبات بل بلد العدالة والحريات والتهذيب، بلد البوذية واللاعنف وغيرها من قيم لا قيمة لها مجتمعة حين تعجز عن ثني انسان عن فعل فيه كل هذا الكم من الإيلام. وهذا أيضا درس مهم يذكرنا أن القيم لا تنتشر بمجرد التبشير بها.
.
ولكن، ماذا لو اكتشفنا مثلا أن أكل دماغ كائن معين وهو لا يزال حيا يشفي تماما من السرطان أو غيره من الأمراض اللعينة. ماذا لو تعرضنا لهذا الامتحان….. إننا قد نتفاجأ بأنفسنا نتقبل أمورا مهولة في حالة الاستماتة للبقاء أو دفع الألم….

.

.

الأنا مهددة دائما بالاضطرار للأنانية…..
.

.

ولكن ماذا عمن يتقبل الفظائع وهو ليس مضطرا لها…. أي شيء يمكن أن يفعل لو أصبح تحت التهديد؟
.

.
هشاشة الالتزام الأخلاقي للأنا حين يتعلق الأمر بالتهديد بخسارة شديدة أو موت تكشفها الافتراضات.
.

.

الافتراضات تكشف هشاشة هذا الالتزام….
.

.
مثلا … مجرم سيكوباثي على طراز شخصية فيلم سو، يخير رجلا بين أن يحرق وجهه بماء النار ويقطع يده أو أن يجعله يقتل أباه… أو إله من نوع زيوس يخيرك بين ان تتعذب الى الابد عذابا شديدا يتكرر دون توقف او ان تقوم مرة واحدة بحرق ابويك وقليهما في قدر من الزيت المقلي…. افتراضات لا تنتهي تكشف هشاشة الالتزام

.

.

Saw-Billy-The-Puppet.jpg

.

.
إنّ محدودية السيناريوهات الممكنة تحفظ ماء وجه إنسانيتنا، وتتيح لنا أن نصدّق أننا أخلاقيّون…. فالافتراضات تبقى داخل الرأس …. ونحن لن نوضع في الغالب أمام اختيارات مؤلمة من ذلك النوع….
.

.
هذه الافتراضات بعيدة التحقق… رغم أن التأمل فيها يكشفنا …. لذا فإنّ بيننا جميعا اتفاقا ضمنيا غير محكي، يقضي بأن نستمتع بنعمة إمكانية تصديق أننا أخلاقيون… نعمة تصديق أن وجود أكثر من وعي (وهو أساس المتعة واللذة والحبكة والصراع) يمكن أن يتحقق دون هول الخوف من افتراضات تضع الأنا والآخر في حالة تفتح أبواب الرعب والشناعة…
.

.
في الجنس الأمر أوضح…. فحين نلتزم بعلاقة مونوجامي، خاصة الزواج، فإنن عيوننا تصبح مغلقة على اتساعها عن كل الافتراضات الأخرى…. فهناك آلاف وملايين السيناريوهات الماجنة لممارسة الجنس مع كل عابر … والكل يتخيل ويتمنى، وتتجاوب أعضاؤه وهرموناته مع سيناريوهات هي بالضرورة في عرف الخيانة… والأهم … هي بالضرورة تقوّض المعنى …. معنى العلاقة… معنى الحب… معنى الاكتفاء ….
.

.

أبدع ستانلي كوبريك في فيلمه “عيون مغلقة على اتساعها

Eyes Wide Shut

.

.

Eyes-Wide-Shut.jpg.

.

  حين ينتبه الزوجان المتحابان المستقران في منتصف حياتهما إلى فائض السيناريوهات الأخرى الممكنة مع الآخرين …. فيتذوقان مرارة العدمية … ثم يعودان -بعد أن يتصارحا- للاتفاق على إغلاق عينيهما الواسعة….. والانضباط …. في سبيل الحفاظ على المعنى ….
.

.
الانضباط هو سبيل الحفاظ على المعنى ….. الانضباط ولو على حساب تحقق احتمالات تثير فضولنا،،،، أو الأخطر: تكشفنا

 

 

 maxresdefault6.jpg

الحضارة تشكل تهديدا للجموح، فهي تكنس في طريقها الانفعال والحماس والدهشة والتأويل، وصولا إلى الجموح، وذروته الجنس.

كلما زادت الحضارة خفَّتْ حدة الجنس وخفَتَ الاستقطاب وتخنثت العلاقة بين الطرفين.

أين ستجد العلاقة جامحة أكثر… حيث تجد.الحوار بين الطرفين؟ حيث يحضر التلاقي الفكري والتكافؤ والعقلانية؟ أبدا… إنك لن تجد جموحا يقترب من جموح علاقة سيد بجاريته، حيث تخاطبه كسيد ويخاطبها كخادمة، حيث الطاعة والمهابة، حيث تسترضيه ويعلق لها السوط او يعاملها كقط اليف في بيته. علاقة لا يسمحان للحوار أن يخترقها او يهددها ببروده وخنوثته وتقبله لكل شيء….. إنه حيث يقل الحوار، ويزداد التأويل المتبادل، والدهشة، والاحتكام إلى قراءة لغة الجسد وحماسة التمني لردات فعل جامحة، هناك يقبع الجموح، لا حيث الكلام والحوار والتكافؤ

بل حيث الخوف

إن علاقة لا خوف فيها لا تراتبية فيها ولا تعالي، وهذا يقلل حماسها، فالندية بخلاف ما قد يظن المرء تقلل الحماس كونها تقلص الفجوة بين الاقطاب.

إن الخوف عنصر إثارة يتلاشى تدريجيا مع تحضر العلاقة ووجود الحوار والكلام والتكافؤ….

إن الإنسان، ولخيبة أمل العقل والعقلانية، قد يتخلى عن العقل وعن الحكمة وعن الوصول إلى قمة المعرفة، في سبيل الحفاظ على ترتيب بدائي يتيح الاحتفاظ بالجموح ويقدر الحواس والانفعالات.

obsolete.jpg

المشهد كالتالي:

الانسان يرد الى ارذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا… الارض تأخذ زخرفها وتتزين ويظن أهلها أنهم قادرون عليها (زيادة العلم والحضارة وشيوع ثقافة العالمية وحقوق الانسان وذوبان الفوارق الجنسية والعرقية والدينية ) فيأتيها طوفان او نيزك يمنعها من ان تحرمنا من النهاية الدرامية، يمنعها من نهاية مملة تتضمن أن نتخنث تدريجيا او يقل الجموح الجنسي ويقل التزواج حتى نأخذ في الانقراض كما هو حاصل في اوروبا الغربية….

الطوفان هو عملية ضرورية لخلق فجوة في ذاكرة الحضارة لمنع تراكم يصل بالبشرية الى التخنث الجماعي…..

طوفان او نيزك….او ما شابه…. زلزلة واثقال مخرجة مثلا

فإذا استوت سفينة الناجين المحافظين “اهل اليمين” على الجودي بدأت من جديد بذاكرة بدائية عن الحضارة السابقة، وتقاليد محافظة رافضة لحالة التميع والخنوثة العقلانية الاخيرة التي سبقت الطوفان….

الحق والحق نقول: وداعا… اتلانتيس

ancient-atlantis.jpg

Posted by: قادر | أغسطس 6, 2016

معنى المعاناة

الشعور بأن الحياة بلا معنى يجعل حتى أصغر قدر من المعاناة لا يحتمل. لذا فإن أول وظيفة للمعنى هي ايجاد مبرر للمعاناة، وأهم المعاني هو معنى المعاناة. ولا عجب أن المعنى والمعاناة قريبان في اللفظ

محمد عبد القادر الفار

Vlcsnap-2014-08-25-01h49m58s224

Posted by: قادر | مايو 26, 2016

معنى الأورجازم

Eyes-wide-shut_2

.

متى ما نشأ الوعي البشري الجاهز لتعلم النطق خلال بضع سنوات، يبدأ شعوره بالأنا، ويستعد لاستقبال “أنت” من الآخرين باعتبارها تستهدفه وتشير إليه، وهذا الوعي ينشأ من اشتعال جمر الذكورة الحار اليابس في كهف الأنوثة البارد الرطب.
.
ولمّا كان ذلك الوعي ينشأ عن الجنس، فإنه يحمل معه منذ نشأته معاني لحظة توهّج اجتماع الذكورة والأنوثة، انفجار الذكورة الذي تصاحبه نشوة بالضرورة، واستقبال الأنوثة لذلك الانفجار، استقبالاً “قد” تصاحبه نشوة الارتعاش والحفاوة الشديدة بانفجار الذكر.
.
ومع أن النشوة ليست مرتبطة بالضرورة بالتخصيب، خاصة في حالة المرأة، التي قد لا تصل إلى النشوة في حالات كثيرة. ومع أن الأغلبية الساحقة من الانفجارات والانسحاقات والارتعاشات الذكرية والأنثوية لا تنتج وعياً بشرياً جديداً، إلا أن الوعي الوليد حين ينشأ يحمل معاني النشوة الذكرية والنشوة الأنثوية منذ نشأته إلى تحلله، كأقطاب تتنازع دوافعه ورغباته ومخاوفه.
.
فالنشوة الذكرية، أو الأورجازم الذكري هي صيحة “أنا”… شعور شرس بالأنا من قبل الذكر، واندفاع شديد نحو الولوج في جمال ذات الأنثى
.
أما النشوة الأنثوية، أو الأورجازم الأنثوي فهو صيحة “أنت”، شعور بنكران الذات من قبل الأنثى، وشوق شديد لدخول جميل فعل الذكر في ذاتها.
.
ونشوة الأنثى المقصودة هنا هي النشوة المهبلية التي تتبع الولوج والانسحاب المتتابع، وهذا جوهر الانوثة من حيث انها استقبال لجميل فعل الذكر، وليس المقصود النشوة البظرية التي تمثّل جانباً ذكوريا يشبه نشوة الذكر المندفع نحو إيلاج جميل فعله في جميل ذات الأنثى.
.
واندماج نشوة الذكر ونشوة الأنثى هو اجتماع “الأنا” و”الأنت”، اجتماع “موت مشتاق إلى الحياة” مع “حياة مشتاقة إلى الموت”. وهي لحظة خلق وعي شاهد جديد

.

maxresdefault

.
الجنس ساحة اختبار الضمائر والذوات في اندفاعها نحو أشد أطراف القطبيات إثارة، وذروته هي غاية التفاعل بين الأقطاب (لا النقائض) التي تنتج اللذة وتنتج الألم، وبالتالي تخلق الشعور بالحياة، الذي يزداد كلما توسع الوجود، أي كلما توسعت المسافة بين قطبي الفعل والانفعال، حيث يلج الفعل في الذات، الفعل الميت المشاق إلى الحياة يلج في الذات الحية المشتاقة إلى الموت.
.
الوجود كله متذبذب بين الفعل والانفعال، فهو عملية دخول وخروج مستمرة، عملية إيلاج وانسحاب دائمة، بل إن الوعي هو في حد ذاته عملية تغذية راجعة دائمة، حيث يستقبل الوعي المستشعر للأنا شعورا ويعاود إرساله، كمرايا داخل مرايا…
.
وهذه هي ذبذبة الوجود المستمرة، وإيقاع الكون الدائم….

.

.

AndrewStewart-supernova2-space-art-8519

Posted by: قادر | مايو 16, 2016

البدائية، كرغبة كونية

….أن تتحدى الوراثة هو أن تتحدى ملايين السنين، أن تتحدى الخلية الأولى…..

(إميل سيوران)

..

ameba1.JPG

 

***

مهما طوت الأزمان أزماناً، تبقى للحظة البداية أهميتها. فحتى لو طُوي كلّ الماضي، سيسأل أحدث الناس عن لحظة البداية. الفضول لن يتمكن من اللحاق بمجريات مليارات مليارات السنين الماضية وما حوته من أيام وساعات ولحظات، ولكنه ببساطة يسأل عن لحظة واحدة، لحظة البداية. ومتى ما تم استدعاء لحظة البداية -حتى لو تجاهلنا كل شيء حدث بعدها حتى الآن- يمكن تصوّر محاكاة جديدة. ما الذي يمكن أن يكون حدث منذ تلك اللحظة؟ ما هي كل السيناريوهات الممكنة التي انتقلت بالوجود من لحظة البداية إلى لحظة الآن؟

.

examples-stone-age-clothing_7c334f4ae33b6e37.jpg

.
الكون لا ينسى أصله مهما أصبح أرقى منه، ومهما تطوّر الوعي فإن البدائية في أشد صورها عنفاً وتزمّتاً وسذاجةً وجفافاً، تبقى ضامنة لاحترام كونيّ لا يزول….. كطفلة خالدة لا يكبر عقلها، ولكنها ولودة على الدوام، تلد أطفالا يخرجون وهم أقل منها وعياً ويشيخون وهم يفوقونها وعيا بمراحل ومراحل، ولهم من الأحفاد أجيال وأجيال كل جيل راكم من الوعي ما جعله أرقى من سابقه، ولكن أرقى الأجيال لا تستطيع أن لا تنحني عند أقدام الجدة الخالدة الطفلة، وتقدم لها ولاءها المطلق، لها ولبدائيتها، لها ولبدايتهم.

13127213-child-king-with-crown-isolated-on-white-Happy-toddler-with-royal-head-gear-smiling-having-fun-Stock-Photo.jpg

تستغرب بعد أن ظهرت فيروز، أن يظهر من يستمع إلى وجدي غنيم؟ تستغرب بعد إبداعات دوستيوفسكي وتشيخوف وتولستوي أن تجد من يستمع إلى تسجيلات داعش بإعجاب؟ تستغرب بعد تطوّر مواثيق حقوق الإنسان أن تجد المتعطشين لدماء الآخرين بناء على ايديولوجيات عرقية أو دينية أو مذهبية أو مناطقية؟ تستغرب بعد كل هذا التطور في الوعي البشري وما حمله ذلك التطور والتواصل والإنتاج الإنساني المشترك في الأدب والفن والعلم من سمو روحاني أن تجد من هو مستعد للإبادة الجماعية في سبيل زيادة ثروته المادية؟
.
لا تستغرب….
.
شاهد الوحوش…. الضباع لا زالت حتى الآن تأكل فريستها قبل أن تقتلها، تأكلها حية، تتنازع الضباع لحم وجهها وهي لا زالت ترى وتسمع وتشعر. هذه البدائية حاضرة، ولو انصرف عنها البشر بسبب تطور عقلهم ووعيهم، أو مارسها بعضهم والأكثر لها رافض، فهي ستجد ضالتها في الوحوش، في عالم الحيوانات، وفي عالم الحشرات المخيف.
.
في هذا الوجود رعب وألم وحرائق وقمع وكبت وحبس ليس مقتصرا على الإنسان، ولو تنازل البشر كلهم عنه، سيبقى موجودا عند الكائنات التي تحتكم إلى انفعالاتها.
.

Animals___Reptiles_Frog_became_the_prey_095147_.jpg
لقد انفصل البشر -بوعيهم ونطقهم- عن مملكة الحيوانات منذ أمد طويل وتكرّموا بالنطق وحازوا شرف خلافة رب الأرباب وحمل أمانة كلماته، ولكنهم لا يمكن أن يهربوا من بداية القصة. ومهما هربوا، سيشهدون مواسم عودة شديدة تثير عجب وغضب أصحاب الوعي، أصحاب الوعي الحالمين السذج. هم يسمونها انتكاسات، أن يتحول الناس من ديوان أمل دنقل إلى ديوان عائض القرني، ومن مسرح سارتر إلى برنامج علامات الساعة لنبيل العوضي، وأن يتحولوا من موسيقى السنباطي إلى أناشيد العفاسي…. يسميها أصحاب الوعي السذج بالانتكاسة…. ولعلها كذلك…. ولكن الأحرى تسميتها موسم ردة الفعل البدائي…. البدائية الكونية ترد الكرّة….
.

eca772d431b4b209c42957c69b5342e6.jpg

.
بل إن البدائية تتجاوز الحرب والعنف والايديولوجيا والتزمت والمحافظة لتستحوذ على الجنس نفسه…… الجنس لا يمكن أن يتخلى عن بدائيته…. تلك الوحشية بين ذكر يفترس أنثاه….وأنثى تظهر المقاومة وهي خاضعة، شبقة لقوة فحلها، تنتشى لكونها جاريته الصغيرة. ذكر شديد يحمل كل صفات الخشونة والذكورة ينقض على أنثاه الممتلئة بالمنحنيات، على فرسه…. يثب عليها ويبطش بها، فتستيقظ بدائيتها لتنتشى رغم أنف عقلها الذي قرأ لنيرودا وطرب على بيتهوفن وسبر أغوار المجرات ونظريات الفيزياء الحديثة…. وهو أيضاً، ذلك الذكر الضاري، يستجيب لبدائية داخله لا يردعها إلمامه بالفلسفات القديمة والحديثة وفنون المسرح والسنيما ….
.

304.jpg

.
البدائية تفرض نفسها على الجميع في الجنس…. من من البشر هو مستعد للتفريط في البدائية حين يصل الأمر إلى الجنس؟…. إن البشر سيحيّدون عقولهم ساعة ممارسة الجنس، كونه سيفقد جموحه ويتخنّث في اللحظة التي يحاول فيها أن يصبح متحضراً ويجاري الوعي البشري المتراكم….

الجنس أحد الأسلحة الفتاكة في يد البدائية الكونية….. ولكنه ليس وحيداً ….. فالمجد أيضاً لا يمكن أن ينمو إلا ضمن بدائية تتنازل عن كثير من مكتسبات الوعي البشري المتراكم …. المجد والبطولة … الانتصار …. النفوذ …. السيطرة …. هذه كلها لم تقل مع مرور الزمن، رغم أنها تتعارض في صميمها مع أساسيات نظرية من مكتسبات الوعي البشري المشترك….. هي لم تقل ولن تقل بل هي تأخذ أشكالاً أخرى ….

وحين تشعر بالإحباط مما آلت إليه السياسة، وما آل إليه الوعي العام، حتى حل حسن نصر الله محل مهدي عامل، وحلّ محمد مرسي محل عبد الناصر، وحل أحمد ياسين محل وديع حداد، وحل بن لادن وعبد الله عزام محل جول جمال وسناء محيدلي… لا تقل هي انتكاسة، بل افهم أنها ردة فعل متوقعة….. تضرب بقوة كلما جاوز الابتعاد عن البدائية حدوده…. لتردعه وتعيد إلى الحياة شيئاً من التوازن…..

توازن على حساب شيء جميل ….. ولكن لا مفر

;llllllll.jpg

تعرضت في سلسلة مقالات “الموقف من استمرار الوجود” وفي مقال “مخافة الله بين بوذا ومحمد” ومؤخرا في موضوع “زمن الميمز” إلىوجهتي النظر المتقابلتين بخصوص استمرار الوجود، وجهة نظر أهل الفناء التي تحتقر الحياة والحركة وتسعى إلى فناء العالم ووجهة نظر أهل البقاء الذين يحتقرون السكون ويسعون إلى استمرار العالم وتوسعه. وفي حين أن معظم النظريات والفلسفات تستعير عناصر من كلتي وجهتي النظر محاوِلةً التوسط بينهما وسلك طريق وسطي معتدل، إلا أن معظم التأويلات والممارسات والتطبيقات تميل  إلى أحد وجهتي النظر، ميلاً هو دون التطرف في العادة.

أما التطرف في أحد الجانبين فهو خطر جداً، ونتيجته وبال على من يسير فيه، فينتهي نهاية مؤلمة، وينهزم أتباعه، ولا يدوم ذكره، مهما كان مخلص النية أو صادقا أو طيب القلب أو مستقيم السلوك. التطرف في إرادة الاستمرار يمثله الجبابرة والطغاة، وفهم خطره وسوء مآلاته قد يكون أوضح للناس، كون الإنسان هو ابن الأرض الحية،المشتاقة إلى الفناء وإرادة التوقف، الأرض التي كانت الشهيدة على استنارة بوذا، المائل إلى الفناء دون التطرف في ميله. لذا ففي حين أن المخلوق من الطين قد يفهم بسهولة خطر الجبابرة إلا أنه قد لا ينتبه إلى خطر الدعوة إلى الفناء واحتقار الاستمرار.

ماني الغنوصي، الزاهد الفاني في الله، هو أحد أشد الأمثلة على التطرف في إرادة الفناء، فإذا ما قورن بوذا أو المسيح بماني، أصبحا من أهل البقاء. لقد رفض ماني الحياة الظاهرة واحتقرها ودعا إلى التوقف عن الإنجاب، أي إلى الانقراض وطوي صفحة البشرية. كذلك  رفضت المانوية تماماً قتل الحيوانات والنباتات واعتبرت أن من يقتل حيواناً أو نباتاً سيكون مصيره أن يولد بعد موته  من جنس الشيء الذي قتله، وهو طرح -رغم نقائه وطيبته- يعطّل حركة الحياة واستمرارها وتطورها.

www-St-Takla-org___Mani-01

انتشرت المانوية بسرعة في عهد مؤسسها وانطفأت بسرعة، بعد أن انقلب كهنة المجوس عليه وتم قتله شر قتلة بأمر من الحاكم، فلم تمكث في الأرض ولا رُفع ذكر مؤسسها. لم يبق من المانوية إلا قصتها، فاندثرت بكل ما فيها من صدق أو حسن نوايا.

إن درس المانوية درس مهم في هذا الزمن بالذات، الزمن الذي بدأت نعومة العيش فيه توجه الناس نحو عقائد “العصر الجديد – نيو إيج” والتشجيع على تجارب تبديل الوعي “Psychedelic experiences” من قبل مجاذيب معاصرين من أمثال  تيرينس ماكينا وديفيد آيك وغيرهم ممن يؤيدون تقنين أنواع معينة من المخدرات، وكذلك الدعوات اللاسلطوية الأناركية التي تبشر بعالم متحرر من كل قيود النظام والعمل والسلطة. إن درس المانوية يعلمنا أن دعوات كهذه يصعب أن تمكث في الأرض. عليها أن تكون موجودة، وتلعب دورا في دفع البشرية إلى الإبداع، حيث أن الإبداع لا ينمو تحت القيود، ولكنها لن تلبث أن تنهار.

يمكن الحديث عن أهل البقاء بوصفهم قوى اليمين وأهل الفناء بوصفهم قوي اليسار.إن طبيعة اليمين، لا اليسار، في أي مجتمع هي التي تعكس درجة تقدمه. فالقوى الملتزمة بالحفاظ على الأمر الواقع تكون متقدمة طالما كان الأمر الواقع متقدما. اليمين ليس بالضرورة رجعيا. صحيح أنه يمانع التغيير ويبدي حذرا مع دعوات التطوير لكن دافعه قد يكون الحفاظ على حالة متقدمة نسبيا أو فيها امتيازات لا بد من الحذر من التفريط فيها. اليمين في مجتمعاتنا العربية مثلا محصور في قوى التعصب الديني والعشائري، وطالما أن الأمر الواقع لدينا متأخر لا بد أن قوى الأمر الواقع ليست متقدمة. هنا تبرز الحاجة المؤقتة إلى نفس تحرري يغير الأمر الواقع التعيس إلى حالة أكثر تقدما وتستحق أن تجد يمينا جديرا يحفظها ويحميها.

أما على المستوى الروحاني، فلا يسعنا أن نكون يمينيين فقط، متمحورين حول التكاليف الشرعية والحدود والمحرمات والمباحات، بل نحتاج نفسا روحانياً يسارياً يبشر بالحب والخيال والعوالم الموازية، ولكن علينا ألا نفرط في اعتدالنا، وإخلاصنا للاستمرار الذي لن نشهده.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين.

 

Posted by: قادر | مايو 1, 2016

عصر الأنبياء الصامتين

321962_10150279799011256_1569915853_o.jpg

النبوة، والبطولة، وحتى الكاريزما القوية التي تفتح باب الانبهار والاتباع، كلها لم يعد لها متسع في هذا الزمن. مواطن الضعف الفردية أصبح ضبطها سهلاً. نحن في عصر الميمز، حيث كل شيء قابل للاستهزاء، كل الحدود منتهكة. لكل بشري حسابات على وسائط التواصل تنزع عنه أي كمال او قداسة وتعري مواضع ضعفه وتحفظها وتسجلها على قواعد بيانات محفوظة باشكال من الباك اب لا قبل لخيار الناس من الكتومين بمواجهتها، فلكل امرئ سجلات محفوظة من الصوت والصورة يحتفظ بها غيره على اجهزتهم، لا في مخيلاتهم القابلة للنسيان والتغيير.

هو بالتأكيد عصر بلا أنبياء يجهرون بنبوتهم، ولا عارفين “حقيقيين” يبوحون بمعارفهم.هو عصر بلا حرمات ولا قداسة. فلا أحد سيحظى بكبرياء وغموض المقربين الأولين، مهما دنا واطلع وذاق….عصر الميمز هو عصر الإنسان الحر، التائه، بلا معصومين يقبل أقدامهم، ولا عارفين يقتفي أثرهم، عصر بسيئاته وحسناته أمر واقع حتى حين.

في حين أن النبي رجل “وما محمد إلا رسول”، “وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا”، “وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق”، إلا أن السيرة تكتسب طابعا أسطوريا يضفي على كل شخصياتها هالة من الجدية والوقار الدائم، والدراما الثابتة، حيث كل لحظة في سيرة نبي تبدو لقارئها وكأنها مشهد محكم الإخراج، لا يتسرب إليه هزل ولا ضعف ولا ركاكة. بل كل لحظات النبي مسجلة في السيرة. والساعات الطويلة التي لم تسجل ولم ترو، كأنها لم تحدث، بكل تفاصيلها التي قد تكون ممتلئة بالرتابة أو المواقف الحياتية التي تنزع بتكرارها أي هالة.

ينسب إلى العارف الأندلسي ابن سبعين أنه قال: لقد تحجر ابن آمنة واسعا بقوله “لا نبي بعدي”…. وهو قول ينكره عليه بل ويكفره عليه كثير من الناس…. ولعل محمدا عليه الصلاة والسلام كان يفضل لو أن ابن سبعين قد قال “لعل محمدا عليه الصلاة والسلام قصد بقوله “لا نبي بعدي” أنه لا مكان في مستقبل البشرية المفتوح (العصر الحالي بالذات أكثر من عصر ابن سبعين) لجهر الأنبياء بنبوتهم، أو لا مكان للرسل تحديدا، ولا مكان لأوامر وشرائع محددة لا مجال لتداولها والنقاش فيها.

فحتى بعد ابن سبعين بمدة طويلة، ظهر أنبياء جدد (لعل بعضهم صادق) ولهم أتباعهم حتى اليوم، ومع أن قول سيد المرسلين “لا نبي بعدي” قد ضيّق حصة أولئك الأنبياء من الأتباع، إلا أننا لو قارننا الوضع مع زمن الميمز الحالي، لوجدنا أن أكثر الناس تقبلا لفكرة النبوة لا يمكن أن يصدقوا انبعاث نبي جديد. بل ولو جاء بالمعجزات سيقولون هو ساحر أو هو الدجال الأعور عدو المسيح، وحتى من أتباع ديانات لم يقل نبيها “لا نبي بعدي”

الناس تريد أن تركن إلى معلّم روحاني من ماض سحيق، يكتسب بقدمه وانقطاع أي بيانات محسوسة عنه “صورة، صوت، رائحة” هالة أسطورية وسحراً لا يكون لأي معاصر.

محمد صلى الله عليه وسلم نبي، ومن نبوءته أنه رأى مستقبلا تتصاعد فيه القيمة الفردية للإنسان، حتى تصبح تجربته الروحية الخاصة، مهما قلت أهميته الظاهرية ومكانته الاجتماعية أو العلمية، هي دليله بدلا من تجارب أشخاص آخرين، تم تعميمها، واتباعها.

* تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون*

صلى الله على الذات المحمدية وسلم تسليما كثيراً
.
.
.
محمد عبد القادر الفار

1/5/2016

Posted by: قادر | مايو 1, 2016

معنى الرضا

Assessing-Life-Satisfaction.jpg

لو استبعدنا الكائنات التي لا تعي وجودها، مثل النباتات، والكائنات التي لا تعي سوى غرائز البقاء مثل معظم الحيوانات، وتوجهنا إلى الكائنات التي طوّرت ذكاءا حوّل وهم الأنا الفردية فيها إلى واقع معقد من العلاقات والإرادات…كائنات “ذكية” مثل البشر
وقلنا لأي فرد منها : “تأمل وتجرد من أي غضب أو انفعال أو تشويش وأنصت لقلبك سائلا إياه: هل أنت راض ٍ؟”

لأنه كائن أفسده ترف الاختيار، وترف الكذب، فقد يختار أن يقول نعم وقد يختار أن يقول لا …. وعلى الأغلب سيقول، أنا راض نسبيّا، هناك نعمة، وهناك حرمان، وهناك سعي دائم نحو الأفضل …

وهذه الإجابة تعني أنه ليس راضيا أبدا … فهناك حرمان، ولو كان الأمر بيده لما حرم نفسه من شيء،،، ولأن الأمر ليس بيده، فهو لا يمكن أن يكون راضيا …. مهما صبّره الحصول على بعض اللذات عن حرمانه…

أما لو كنت إجابته “نعم وكفى” فهي ستنطلق بدافع العرفان للجانب الذي يرضيه في حياته، بدافع الحمد، وكل حامد هو طامع بالزيادة، وهذا الطمع يعني أن بقاء الأشياء على حالها ليس كافيا أي أنه ليس راضيا …. “ما كان من الأوّل!”

أنا أحد هذه الكائنات يا صديقي … فخذني مثالا …

وبكل صدق وتطرّف سوف أجيبك … أنا لست راضيا…

وسأكون فظا وأجيب نيابة عنك … ولا أنت راض…

ومهما افتعلت الرضا وحاولت تصديقه، ستعود الحقيقة لتصفع وهم الرضا وتذكرك: أنت لست راضيا…

معنى الرضا هو أنني لو امتلكت القدرة المطلقة، قدرة كن فيكون، فلن أغيّر شيئا

وأنا أعلم علم اليقين أن هذا ليس صحيحا …

ولا بد أنك تعلم ذلك عن نفسك أيضا…

لننطلق إذا من نقطة صدق ….

أنا …. لست راضيا

ولكن من أنا … ما أنا؟؟؟

ما هي هذه الإرادة التي لها أن ترضى أو لا ترضى، وتتذوق الطاقات التي تجتاحها ،فتحكم عليها، وتعاني، وتتلذذ…. إن مثل هذه الأنا لا يمكن أن يرضيها العجز…
إن مثل هذه الأنا محكومة بإرادة القدرة، بإرادة التأله، بإرادة القوة المطلقة !

وأي افتعال للرضا والزهد داخل حدود هذه الساماسارا هو رد فعل يحاول أن يحصل على أكبر قدر من الراحة رغم عدم إمكانية تحقيق “الرضا”…. فهو محاولة للتجاهل والتناسي والتسامي من أجل التكيف….
التكيف يخفف ألمك… ولكنه لا يعني الرضا…. لنعد ونسأل أكثر إنسان متكيف في الوجود: لو كانت لك قدرة كن فيكون، هل ستبقي كل شيء على حاله دون تغيير؟؟

قد يقول نعم… وحتى لو كان يصدّق أنه صادق –فالإنسان ينطلي عليه كذبه هو أحيانا- إلا أن هذا المتكيّف الكبير الزاهد، عند حصوله على قدرة كن فيكون، ستشتعل فيه جذوة البهجة والإرادة… فيعيد نفسه شابا لو كان عجوزا، وصحيحا لو كان معتلا، ومعافى لو كان مريضا، وجميلا لو كان قبيحا، وغنيا لو كان فقيرا، وطويلا لو كان قصيرا

ثم بعد كل شيء …. لماذا يكون الرضا فضيلة؟ ولماذا يكون احترام ما هو كائن ومحاولة إطفاء الإرادة شيئا جيدا؟ …. هل لأنه يحقق راحة اليائسين؟
بل ما معنى “جيد” و”فاضل” هنا
الطفل الصغير يا عزيزي أنقى مني ومنك …. نعم … فهو أولا مهتمّ باللعب أكثر من الواجبات.. اللعب هو أهم شيء بالنسبة له … وهو مباشر … وهو أقل اشمئزازا من الطبيعة وكائناتها، وهو أقل احتراما للحدود والقواعد …

وهذا الكائن النقي … لا يتنازل عن أي إرادة… بل لا يتصور أنه يجب أن يكون هناك حائل بينه وبين أي شيء يريده…

فهو آت من اللامحدود، لذا كلما اكتشف حدّا، أزعجه ذلك الحد جدا…. وانفجر بالبكاء..
إنه لحوح جدا جدا …. لا يصمت عن البكاء قبل إرضائه …

ومع الوقت تروّضه الحدود… أو تلوّثه الحدود … ولأنه لم يعد يذكر اللامحدود الذي جاء منه، فهو يطوّر تقبلا وتكيفا.. لا لأن هذا هو الدرس الذي جاء ليتعلمه، ولا لأن هذه هي الحكمة، ولا لأنه اكتشف بذلك الرضا معنى الوجود، بل لأن الكفاح ضد كل هذه الحدود الجامدة التي تبدو عصية على الكسر، هو كفاح لم يعد يبدو مجديا، أمام ذلك الذي تمرّغ في المادة …

إن الرضا هو استجابة ذلك الذي يئس من القوة، استجابته للاجدوى متابعة المحاولة

.
.
.
محمد عبد القادر الفار
الحوار المتمدن-العدد: 4456 – 2014 / 5 / 1

Posted by: قادر | مايو 1, 2016

مخافة الله …. بين بوذا ومحمد

مخافة الله بين بوذا ومحمد …….
.
.
.

Malala_Yousafzai_Role_Models_1.jpg

*بوذا وعدم الخوف حتى من الله*

إلى أي حد تخلص بوذا من الخوف؟

إلى الحد الذي جعل منه “قادرا”… إذ أنه لا يمكن هزيمة من لم يعد يخاف من أي شيء

لم تعد فكرة وضعه في كيس ضيق فيه مجموعة من الجرذان الجائعة تنهش جسده وهو مقيد داخل الكيس تخيفه
ولا فكرة نار تحرق وجهه وتذيب عيونه وهو مقيّد لا يستطيع الهرب منها
ولا فكرة مجموعة من الزواحف تهجم عليه وتلتهم جسده وهو ينظر إليها عاجزا عن الحركة…
ولا فكرة السقوط في هاوية لا نهاية لها
ولا فكرة صوت هائل الخشونة والعلو يخرق أذنه
ولا فكرة مرور ترليون سنة
ولا فكرة رؤية كل من يحبهم يذوبون أمامه ألما وحزنا وخوفا من النهاية
ولا فكرة ان يفقد كل حواسه وكل اعضائه

لقد وصل إلى مرحلة “أن يكون”…. وهذا هو القادر الذي يعلم أنه قادر….

Battle_with_Mara.jpg

ولكن ما الذي دعاه لمواجهة كلّ هذا الخوف أصلا….

إنها رغبته في التحرر من السماسارا …. من دائرة الموت والحياة والانفعال والفعل والسببية، التي لا تنشأ إلا من “الافيديا”… الاعتقاد الخاطئ… لأنه حتى تنطلي عليك أي حالة أو قصة أنت تعيشها، لا يمكن أن تعرف كل شيء، فهذا يفسد القصة ويكشفها وينهي كل الهويات والأدوار.. …هي رغبته إذا في التحرر من كل هذه “المسرحية”…. وكل دور يمكن أن يفرض عليه أن يلعبه فيها …

أن يتحرر من أي فرصة للألم، مضحيا في سبيل ذلك في أي رغبة في اللذة، لأن الرغبة في اللذة هي التي تؤدي إلى الألم…

أراد أن يفلت تماما كل شيء كان يمسكه…. وحين تخلص من كل أشكال الخوف أصبح بإمكانه أن يفلت كلّ شيء…..

والآن لنسأل سؤالا من داخل هذه الساماسارا وما تحتويه من “معرفة خاطئة” ضرورية لاستمرار عجلة “الحياة” التي لا طائل منها من وجهة نظر بوذا….

ماذا لو أراد بوذا أن يعود…. أن يعود إنسانا … أن ينبعث من جديد من عدم النيرفانا واللاوجود المتيقظ، إلى حالة إنسان يعاني من جديد ويسأل الأسئلة الوجودية ويشتاق للذة ويهرب من الخوف ويؤلمه موت من يحبهم ويخاف من مسيره نحو الشيخوخة ثم الموت..؟

السؤال في حد ذاته خاطئ بالنسبة للبوذية، ويدل على عدم فهم حالة النيرفانا من حيث أنها إدراك كلي، وفهم تام لحقيقة أن “الذات” كانت مجرد قناع، وأن الذات أساسا غير موجودة …

ولكن السؤال يطرح نفسه بقوة بالنسبة لذات خاضعة لشروط الساماسارا، ذات أقصى تجريد يمكن أن تصل إليه هو “كوجيتو إرجو سوم” أو “أنا أفكر إذا أنا موجود”… ليست الفكرة فقط موجودة هنا بل المفكّر ….. بينما الأمر عند من يفهم أن الذات ليست موجودة هو “أنا أفكر، إذا الفكرة موجودة، وليس المفكّر”…

ولكن هناك ثمّة مفكّر … وكل ما يفعله نفي الذات هو “إحالة” الفكرة إلى مصدر آخر …. وفي نوبات “اختلال الأنية” أو انفلات الشعور بالأنا depersonalization فإنك قد تشعر أن الذات التي أنت معتاد على أنها “أنت” ليست هي من تفكّر ولا هي من تفعل… هذا يبعث الذعر في من تصيبه هذه الحالة… وإلى أن يعود إحساسه بذاته إلى الوضع المألوف…

بوذا يسعى إلى حالة النيرفانا .. وهي حالة لا “أفكار”فيها… وبالتالي كون نفي الذات سيحيل الفكرة إلى مفكّر آخر ليس موضع اهتمامه

هذا يعيدنا إلى حقيقة أن بوذا تجاهل الآلهة، واعتبر أمرها غير مهم … فإذا كانت الذات وهمية، وما يجعلها تبدو حقيقية هو تدفّق أفكار المفكّر “الإله” من خلالها لتبدو هي المصدر، فإن انطفاء التفكير يحررك من وهم الذات وكذلك يحررك من الآلهة…

مواجهة بوذا كانت مع من إذا …

هل كانت مع الله ؟ ….

لا … هي كانت مع “إرادة الله” في الاستمرار…. انحيازا “لإرادة الله” في عدم الاستمرار…. التي تحدثنا فيها في المقال السابق “الموقف من استمرار الوجود -2-“… حيث أن كمال الله يتطلب أن يريد الشيء ونقيضه بمرونة كاملة تتعاطف مع الرغبة في الوجود والرغبة في اللاوجود، كحالة متعادلة سبحانية..

هل هذا يعني أن بوذا أساء فهم الله ؟

لا…بل هو أدرك حقيقة فكرة “الاستخلاف” وأراد أن يستنفدها لأقصى الحدود، بالتحرر منها …

فرغم أن أفكار العقل المفكر تتدفق من المصدر الإلهي … إلا أن المصدر الإلهي ترك عنصر “الاختيار” … وهذا العنصر هو النفخة التي تحيل الذات إلى شيء موجود … وليس مجرد كائن آلي … وعلى هذا العنصر “الاختيار”… اختار بوذا أن يتمرد … انه اختار أن “لا يختار” شيئا بعد الآن … ولا ينحاز إلى شيء بعد الآن …

وكل ما واجهه من خوف ورعب وإغراء وهو في طريقه للاستنارة كان العتب الكوني لاختياره الانسحاب من المسرحية، عتب واجهه بوذا بشجاعة، رافضا أن يلعب أي دور بعد ذلك .. وينسحب إلى اللاوجود، الموجود فعليا …

مارا لم يكن شيطانا …. بل كان جانب الحركة والاستمرار في قوى الكون …

وبوذا لم ينسحب كليا … وها نحن نخوض في قصة استنارته من داخل الساماسارا ..

وحين عاد ليبشّر …. دعا الناس إلى سلك طريق الوسط …. واختار الطريق المعتدل بين انغماس الذات في شهواتها وإهلاكها بالزهد، مع انضباط ذاتي صارم (راجع مقال: اللاعنف في العقائد الأسيوية)

ولم يكن بوسعه أن يكون كل تركيزه هو دعوة الناس لأن تكون هذه آخر حياة لهم ويدخلوا بعدها في نيرفانا الفناء، فالدارما ليست مجرد دعوة للفناء، بل إن أغلب التعاليم كانت عن كيفية العيش في هذه الحياة نفسها …
الأهم هو أن البوذية لم تدع إلى عدم التكاثر….. وكان حريا بداعية الفناء أن يحث الناس على عدم التكاثر للعمل على إنهاء هذه “المسرحية”….

ما الذي فعله بوذا إذا ….. هو كان تعبيرا عن رغبة الفناء في موازنة رغبة الاستمرار….
.
.

*محمد … ومخافة الله كفضيلة*

رغبة الاستمرار سيأتي من يمثلّها بشدة، على هيئة إنسان عربي، إذا ما استغرق في تأمله وغاص في الباطن وساورته شكوك حول الأنا وهي هي حقيقة أم لا… فواجهه الكون بالتخويف … حاول فهم دافع الكون للتخويف… وتعاطف معه …

سيبسيبسيب.jpg

لذا فهو لم يواصل مقاومة التخويف الذي مارسه الكون (قاومه في البداية “ما أنا بقارئ)… بل اعتبر مخافة الله اقصی فضيلة.. لأن هذا الخوف سيردع الإنسان عن محاولة السعي إلى الفناء، بل إن الإنسان سيسعى إلى جنة عرضها السماوات والأرض بعد الحياة، التي عليه أن يعيشها.. ويعمل فيها … فسيرى الله عمله ورسوله والمؤمنون، والجنة لا تنال بالانتحار …

بوذا ذهب للتأمل هربا من العالم، وسعيا إلى اللاغاية.. والتخلص من وجوده…

بينما ذهب محمد إلى التأمل ليفهم العالم… ويفهم الغاية… غاية العالم وغاية وجوده..

لذا كان من الطبيعي أن ينتج الإسلام بعد ذلك سياسة وتوسعا وفتوحات تتناغم مع رغبة استمرار العالم، استمرار قائم عن الصراع والحركة لا على السكون…. فالعربي يسأل عن الغاية …. ولا يسأل عن اللاغاية والوصول إلى الاستنارة الداخلية بالتأمل على طريقة بوذا…

تأمل محمد كان هدفه الوصول للغاية..

أما بوذا فرأى ان الرواية عبثية وانه لا غاية…وإذا كانت هناك ثمة غاية للانسان فهي التحرر من وجوده في الرواية

وهذا دفع بوذا لاعتبار رغبة الاستمرار مجرد وهم يخلقه الايجو المتمسك بالاستمرار في الوجود في الرواية…

ومثلما لم يستطع بوذا أن يلتزم كداعية للفناء الكلي فلم يدع الى التوقف عن الانجاب والاتفاق على الانقراض، فإن محمد لم يلتزم كداعية للاستمرار الذي لا هوادة فيه… لذا تجد في خطابه مساحات للتسامح والجنوح للسلم والزهد، وتستشعر رغبة لديه في انتهاء العالم على شكل “يوم القيامة”…

عدم التزامه الكلي هذا فتح الباب لاحقا للصوفية، ممثلي رغبة الفناء في الإسلام… خاصة من يسموّن غلاة الصوفية، أهل الحب اللامشروط، والمدائح النبوية في نفس الوقت …

إن عدم قدرة بوذا على الالتزام الكلي بالفناء في دعوته وعدم قدرة محمد على الالتزام بالصراع الكلي (وقود الاستمرار) في دعوته هو عين التوازن … هذا العجز هو التوازن

فأيا كان ميلك … فأنت لن تميل كل الميل…

ستشد من ناحية … وسيشد غيرك من ناحية …. وسيواصل الكون وجوده الضروري …
.
.
.

محمد عبد القادر الفار
الحوار المتمدن-العدد: 4606 – 2014 / 10 / 17

Posted by: قادر | مايو 1, 2016

معنى الجسم البشري

3f1baa0812f35ac2910feeaf463a8d9c437a9b19.png

 

الجسم المادي مُعطى مرتبط بالحضور في هذا العالم…. سابق لاكتشافه …. مسلــَّـم به لمن يسكنه ….

هو أداة الحركة … أداة يسكنها مـُـطلق هو فوق المكان ….

وهو مـَعْرض تقدم الزمن… في حين أن ما يسكنه هو فوق الزمان …

وبمفردات الوحدة فإن الجسم في حد ذاته حالة من الوحدة بين مكوناته تشكل حدّا بين الأنا والأنا الأخرى…

الجسم هو حد الأنا.. خوف من المطلق اللامحدود الذي لا ملامح له… حدٌ حجته التمييز.. وذريعته الجمال… وضرورته الحضور .. والشعور … في عالم القطبية…

أن يستوعب الوجود نفسه على شكل مجموعة من الذوات الشاهدة….. يحتم عند لحظة “نسي الله أنه الله” دائمة الحدوث… أن ينكمش جانب من الوعي “افتراضيا” إلى حدود جسم مادي يعرّف ذاتا شاهدة… لها حدودها…

إن طابع الجسم هو المحدودية … والجسم هو منشأ الخوف …. الخوف عليه من العطب .. من التشوه … من الضعف… من الزمن.. والخوف من الانطباع الذي يتركه عند الآخرين … الشهود الآخرين… والخوف من الحدود التي سيفرضها هذا الجسم على فرص التفوق والقوة والجنس والحب …

الخوف متعلق بالجسم أساسا… لأن الجسم هش… معرض للأذى … يسير مع مرور كل ثانية باتجاه الشيخوخة والموت والانتهاء الى كومة عظام … فإذا انكمش “القادر” الساكن داخل الجسم إلى حدود الجسم متصورا أنه جسم، فهو لا محالة سيكون فريسة للخوف الواعي واللاواعي… في كل لحظة ومع كل نفّس …

ولكن الجسم هو بوابة الوعي على كل فكرة وهاجس… كل صورة وكل صوت وكل ملمس وكل رائحة، استقبلها الجسم بطرق مباشرة وأعضاء واضحة… كل المفردات البصرية والسمعية التي يمكن للعقل أن ينسج منها ويتخيل دخلت من الجسم… والدماغ هو جزء من الجسم.. وهو الذي يتذكّر ويدرك ويتحدث وتدور داخله الأفكار..

من الطبيعي أن ينتج الجسم كل هذا الخوف إذا … إن التجسد هو أصلا مدخل نظام إنتاج الخوف….

إن الجسم هو طريقة المطلق لخوض تجربة الضعف … فالجسم هو ضعف غرضه التمييز (بين الشهود) … وذريعته الجمال…. لماذا ينكمش المطلق الذي لا يمكن تعريفه بشكل .. (فهو فوق الأشكال) .. إلى التعريف بشكل محدود؟.. إنه يخرج بغرض خوض المعاني … خوض الحب .. وتحقيق الاحتمالات …

ولكن الذريعة الأدبية لوجود الجسم …. الجمال.. تبددها ضرورة تحقق كل الاحتمالات … التي تتحقق ولو على حساب الجمال … تخوض النقص والوفرة .. القوة والضعف.. الألم واللذة…

تخوض نقص الشيء (نقص الجمال او القوة في حالة الجسم)… لإدراك قيمته من غيابه …. ونقص الشيء لا يمكن إدراكه إلا إذا قورن بوجود الشيء عند الآخر …

وتخوض فائضا من الشيء.. فيتحول إلى معطى جاهز.. يستمد قيمته عند مقارنته بنقصه “عند الآخر” … *عد إلى مقال “حين اكتشف الله أنه الله”

فإذا كان الجسم الجميل يشدّ الشاهد إلى الحضور… فرحا بالتجارب المتاحة لجسمه جميل … والانطباعات التي يتركها الجسم الجميل عند الشهود الآخرين.. والتي يستلذ بها الإيجو… فإن الجسم كلما افتقد الجمال.. يقترب من استيعاب قيمة “الجمال” الموجودة داخل الساكن فيه… غير الظاهر عليه .. ولأن الجسم هو معرض للزمن … فإن الجمال لا يدوم … لينتبه الجميع في النهاية إلى أن الساكن في الداخل هو فوق الصور … وهو الخالق للصور … المستلذ بها … المحول لها .. صورة بعد صورة.. حياة بعد حياة

*إرادة الجمال*

يريد الإنسان أن يكون جميلا رغبة في ترك انطباعات عند الآخرين بالانجذاب إليه على نحو يرضي الأيجو، هذا أولا… وهو يريد أن يكون جميلا لينفتح على تجارب جديدة… يفتحها له جمال جسده… تجارب تتوقف على إرادة الشهود الآخرين… تجارب يتيحها الشهود الآخرون…

في شوق الإنسان إلى الحرية التي تنازل عنها منذ وطء الوجود الافتراضي، مختارا النسيان وتوهّم العجز… في شوقه إليها يصبح نقص الشكل قيدا على حريته… أكثر ما يحول بينه وبين ما يريد هو جسمه…. لذا فهو يتوق إلى أن يكون هذا القيد جميلا على الأقل …. يجذب سائر المقيدين ويفتح أبواب اللذة ويرضي نزعات الإيجو…

*الخلود في نفس القصة-الذاكرة؟*

مع تقدم المعلومات والتكنولوجيا …. بدأت أفكار (ما بعد الإنسانية) تتجرأ على فكرة الموت… وتبحث عن تقنيات تحقق الخلود … وهناك من يتحدث جديا اليوم عن نقل الوعي إلى “افاتار” جديد … جسم يتم تصميمه ليبقى… وتتم صيانته … جسم يحقق القوة والجمال والاستمرار..

إن الموت كان دائما كما قال فيتغنشتاين “حدثا خارج العالم”…. بموت الجسم.. يصبح التواصل مع الوعي الذي كان داخل الجسم مستحيلا…. المادي هنا سيقول ان الوعي انتهى… المتدين سيقول أن الوعي انتقل الى مكان آخر (بحسب إيمانه).. الروحاني سيقول شيئا آخر … وهكذا

فهل يمكن تحويل الموت من حدث يحدث “خارج” العالم إلى حدث يحدث “داخله”…؟؟

إن القدرة على نقل الوعي من جسم إلى جسم .. هو موت فعليا … يحق لمن سيخوض ذلك أن يقول أنه مات قبل ذلك … جسمه السابق قد مات .. واصبح يتحسس عظام جسده السابق… لجعل عملية الموت كاملة يمكن لمن يختار تغيير الافاتار ان يختار مسح الذاكرة كاملة… ليعود شخصا جديدا … على طريقة التناسخ .. ويبدأ من جديد… هذا أيضا يحل مشكلة من يقولون أن الإنسان سيسأم الأبدية …. (ارجع إلى مقال *معنى النسيان)…

بهذا ينتقل الموت من حدث خارج العالم إلى حدث يحدث داخل العالم …

إن ذلك لا يصلح مع نظام إنتاج الخوف … إلا إذا كان صالحا للاحتكار…. أي كانت عملية نقل الوعي عملية مكلفة يبقى بموجها الاغنياء على قيد الحياة …

لأنه بالنسبة لنظام إنتاج الخوف، لا يجوز إنهاء الموت لأن ذلك يعني نهاية النظام …

سيصبح الموت هنا (بمعنى أن يكون الموت حدثا خارج العالم) حكرا على الفقراء؟

ولكن أيضا حتى حين… فنظام إنتاج الخوف يؤجل فقط … يؤجل قدره الذي لا مفر منه…

إن أفكار ما بعد الإنسانية من جهتها تؤجل انتحار الإنسانية (راجع موضوع “غاية التقدم كشف الإنسان2*) … لاختيار نسيان جماعي … او موت جماعي.. للتواصل مثلا مع ما هو “خارج العالم؟”..

ان معنى الجسد البشري تطور كثيرا مع تطور الإنسان ….. ولكنه حتى الآن.. وضمن ما نعرفه من تاريخ… لم يشهد تحولا جذريا يحول الإنسان نفسه.. من كائن مهووس بجسده … إلى كائن يعترف بأنه الساكن داخل الجسد

ومن يدري … ان الاحتمالات كلها تحدث … كلها تحت السيطرة ..وعالم الغد الفتي واهب الحياة،المتحرر من قيد الجسد، يليه عالم بعد الغد، وبعده بعده… في وهم الحلقة الزمنية…. والتاريخ لا ينتهي …

شيء واحد يجب أن نعرفه جيدا …. نحن بأمان … داخل الجسد أو خارجه.. داخل الجسم أو خارجه … في بحر الوحدة

الجسم البشري هو وسيلة خوض العجز… والإيجو الناجم عن وجود هذا الجسم هو ما يخوض الخوف… لأن هذا الجسم يتجه نحو الموت، ويتجه نحو الفقدان والهرم والضعف … فجماله لا يدوم… وقوته لا تدوم .. من هنا تنشأ عجلة الإيجو، وحرصه على استنفاد كل حدود ما هو ممكن لهذا الجسد من إرضاء غرور الإيجو بجمال جسم صاحبه، أو التلذذ بجمال أجساد اللآخرين الذي يتاح له من خلال جمال الذات او قوتها … والجسد هو الوسيلة لخوض كل ذلك …

في حال وجود جسد كامل، قادر على تحويل نفسه ليكون في أجمل شكل … قادر على استعادة قوته دائما … لا يؤثر فيه الزمن … ولا يمكن أن يصاب بإصابة أو عجز أو تشوه لا يمكن إصلاحه، فإن كل الحدود تنتهي … والنقص اللازم للحركة في أرض الخوف يتبدد ..

وفي حالة عدم التجسد (أي الوجود في نفس هذا المشهد دون جسد)… فإن الحدود أيضا تتبدد إذ أن الخوف هو دائماعلى الجسد.. وحتى حين نخاف على من نحبهم، فهو خوف على أجسادهم بالدرجة الأولى ..

ما معنى الجوع دون جسد؟ وما معنى الجوع مع جسد كامل؟

ما معنى الكبت دون جسد؟ ما معنى الكبت مع جسد كامل جميل كل الاجساد متاحة له؟

إن تجاوز الجسد يكون إما بإلغائه … أو بالوصول إلى الجسد الكامل… والجسد الكامل هو الجسد الذي يمكن تبديله وصيانته وتجميله بلا حدود … ودون قيد من الزمن …

ما القصص والحبكات التي يمكن خوضها مع تجاوز الجسد ؟.. كل القصص حتى الآن كانت متمحورة حول الجسد… مهما توهمنا العكس..

إن الخوف من الموت كان خالق الحركة ومسبب الصراع،، الصراع على المتاح في وقت محدود… وبتجاوز الجسم (سواء بإلغائه أو بجعل الجسم كاملا) فإن هذا الخوف المحرك يتبدد

كذلك الدافع الجنسي … القوة الدافعة للحياة … سيختلف معناه كليا عند تجاوز الجسد … فهو سينتهي في حالة التخلي عن الجسد… وسيختلف معناه في الجسد الكامل إذ لن يعود التفاضل في الجمال والقوة موجودا… وسيتم تجاوز الكبت..

لقد كان الجسد هو أساس كل النشاط الإنساني … الذي يتعلم ليعمل ويبذل الجهد ليبني ويسكن هذا الجسد، ويطعم هذا الجسد، ويريح هذا الجسد، ويزوّج هذا الجسد، ويخوض كل التجارب بهذا الجسد…

كل هذه الأشياء ستختلف معانيها بتجاوز الجسد…

إنّ تطور تكنولوجيا هندسة الجينات وكذلك تطور مشاريع أنسنة الآلات (انظر إلى مشروع الملياردير الروسي ديميتري إيتسكوف) يعدان بتجاوز الجسد، وتجاوز شروط المادة الوراثية، وجعل عملية التجسد عملية محسوبة تسمح بانتقال الصفات المرغوبة فقط.

سيتم تجاوز عدد من الأوهام بذلك، منها قصة سوء الكبر، وأرذل العمر، واعتبار الضربات والأمراض التي يتعرض لها الجسد عقابا، ولن يكون الوصول إلى الجسد الجميل أو القوي إنجازا أو تقديرا لجهد .. أو انعكاسا لاستحقاق .. أو مجرد عملية آلية يلد بها
الجميلون الجميلين، ويحكم التقاء مادتين وراثيتين على ناتجهما..

سيصبح تحويل الجسد عملية لا جهد فيها … وليست شيئا نقبض عليه ونتبجح به … فرحين بمحدوديته التي تضمن لنا التفوق على من يعجزون عنها… او ناقمين عليها طوال عمرنا، متحايلين عليها إما بالتظاهر بالانشغال عنها، أو بلعب دور الضحية …

إن تجاوز الجسد لا يتناغم مع نظام إنتاج الخوف.. ولكن نظام إنتاج الخوف هو متجه نحو نهايته منذ بدايته … كذلك فإن تجاوز الجسد يؤبد الحياة في نفس المشهد…. وهذا ما قد يتنازل عنه الإنسان طوعا… حين يوقن بأزلية الساكن داخله… ويختار أن يواصل الرحلة في مشهد جديد …. سيمتلك الإنسان الفرصة لتوجيه رحلته … في وجود هو دائما خارج السيطرة … ولكن في نفس الوقت .. في أمان..
.

.

. محمد عبد القادر الفار
الحوار المتمدن-العدد: 4277 – 2013 / 11 / 16

 

Posted by: قادر | مايو 1, 2016

معنى الجاذبية الأرضية

101715_essay_opener_free.jpg

 

كان لابد لعالم المحاكاة المادي (الافتراضي) الهش الذي نعيش فيه، الذي يشترط لحضورنا فيه النَّفـَسَ تلو النّفــَـس… يشدنا إلى الحضور بالأنفاس .. لنغيب عن مشهده ﻷ-;-تفه الحوادث او تطول بنا الانفاس حتى نشيخ ونتأكسد ونموت.. كان لا بد له من ان يعطي مساحة اساسية لجاذبية تشدنا جميعا الى نفس المكان… إلى هذه الأرض … حبة الغبار وسط كون فسيح لم نجد فيه آخرين حتى الآن….

مع هذه الجاذبية التي تشدنا معا إلى نفس المكان …يصبح المكان حقيقة… ويكتسب صلابة اكبر.. ويتحتم علينا الاصطدام ببعضنا في هذا المكان “المحدود”؟ .. ارض الخوف ..

إن هذا الخوف هو الخوف من الإفلات… الخوف من الابتعاد

نحن نخاف من الابتعاد الف الف الف مليون ميل عن هنا… هنا هو المرجع… نحن مشدودون له… وهذا شيء مطمئن… كما نخاف أن نبتعد مليار مليار مليار سنة عن هنا… قبل “الآن” أو بعدها… والانفاس تشدنا لـ “الآن”…. تثبتنا وتطمئننا …

اما ان نفلت للانهائي.. فهذا الخوف من الحرية يشبه الخوف من اختفاء الملامح… ﻷن الملامح لا وجود لها دون حدود… الملامح هي بالأساس حدود نخرج بها من شكل الأميبا الى ملامح محددة اكثر ثبات وصلابة..

نحن نريد التعريف… التحديد…بدلا من وحشة وجود لانهائي لا حدود ولا تعريف فيه…

إن نظام انتاج الخوف يعز عليه ان يفلت من نفسه وينتهي…لذا يتشبث ب هنا و الآن… مع ان المكان فرض.. والزمان هو اللانهاية

.

.

محمد عبد القادر الفار
الحوار المتمدن-العدد: 4265 – 2013 / 11 / 4

Older Posts »

تصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: