Posted by: قادر | مارس 3, 2008

أنهيدونيا آلفي سينغر

annie_0.png

Alvy Singer هو شخصية  رسمها  Woody Allen  وحرص على لعبها مهتماً بأصغر تفاصيلها  في فيلمه الاستثنائي Annie Hall سنة 1977، وهي شخصية مركبة تحمل هماً دائماً وقلقاً يمنعها من الاستمتاع بأي شيء في الحياة. وهي تحمل بناء يؤهلها لتكون نموذجاً جيدا لمعاناة حالة الأنهيدونيا Anhedonia التي يمكن تلخيصها بأنها عجز عن الاستمتاع بأي شيء حتى أكثر النشاطات متعة بالنسبة للبشر. وتعتبر مؤشراً على الاكتئاب. ورغم أن وودي آلن سلط الضوء على أنهيدونيا علاقات الحب والجنس بين آلفي سينغر وآني هول في الفيلم، إلا أنه أبرز في نفس الوقت أنهيدونيا آلفي في كل شيء، والذي ظهر في النص من خلال حديث آلفي عن نفسه لآني أو الكلام  الذي يتوجه به الفي للمشاهد في أجزاء كثيرة من الفيلم أو في كلام آني له في أكثر من موقف كقولها له عندما يلحق بها للوس آنجلوس : إنك عاجز عن الاستمتاع بأي شيء في هذه الحياة، إنك تماماً مثل نيويورك، مثل تلك الجزيرة بالنسبة لنفسك!.

شخصية آلفي سينغر هي شخصية تستفزك لتبحث عن شيء ما، كما يبحث آلفي عن شيء ما دون جدوى، ولعلك تبحث عن أسباب الأنهيدونيا..فهل تبحث عنها لتتجنبها، أم لتعالجها، أم ربما لتتمسك بها أمام لامعقولية الحياة!

يركز وودي آلن على هوية آلفي سينغر اليهودية ويبرزها غير مرة في الحوار  – بمكوناتها الإثنية والثقافية والاجتماعية بالنظر إلى كونه يهودياً ملحداً- كما يركز على نرجسيته وقلقه وعدوانيته وهوسه بالموت وحسه التهكمي والنقدي.

وتظهر أنهيدونيا آلفي سينغر منذ اللحظات الأولى التي يبدأ فيها الفيلم حيث يطلع آلفي المشاهد على نظرته التشاؤمية للحياة بروايته لنكتتين، الأولى عن سيدتين تجلسان في مطعم ما، فتقول الأولى: انظري كم هو رديء الطعام في هذا المطعم، فترد الثانية: كما أنهم يقدمونه بعينات صغيرة!! حيث يُسقط آلفي الموقف على نظرته للحياة، فهي مليئة بالوحدة والبؤس والمعاناة والتعاسة وتمضي بسرعة كبيرة فوق هذا.

أما النكتة الثانية فاقتباس يقول : “لن أرغب أبداً في الانضمام لناد ٍ يقبل شخصاً مثلي كعضو ٍ فيه ! “.. ويعتبر ذلك رفضاً لاشعورياً -وهناك حضور كبير للتحليل النفسي الفرويدي في النص- .. ذلك الاقتباس بالذات يتجلى معناه في علاقته بآني… وهذا الرفض اللاشعوري سيجعل الواحد لا محالة عاجزاً عن الاستمتاع بأي شيء.. فإذا رغبت في شيء وحصلت عليه زهدت فيه… إنها قمة الأنهيدونيا … أن تحب فتاة على سبيل المثال يكون حلم حياتك أن تتجاوب معك لتجد نفسك تنفر منها ما إن تجد نفسك على علاقة معها!!

وكتأكيد على تأثر ألن بالفرويدية فإنه يعود بنا إلى طفولة آلفي حيث يظهر جلياً أن الأنهيدونيا بدأت معه في سن مبكرة (9 سنوات) عندما عزف عن حل واجباته المدرسية أو فعل أي شيء عندما تعرف على موضوع توسع الكون، فيتصور آلفي الصغير أن الكون سيصل إلى مرحلة ينفجر فيها وينتهي كل شيء، وبذلك اختبر آلفي الطفل حالة اللاجدوى في مرحلة مبكرة.

كما أن الحس الفرويدي يتجلى أيضاً عندما يتحدث آلفي عن عدوانيته.. وكيف كان يستخدم لعبة صدم السيارات في الملاهي للتنفيس عن عدوانيته، مشهد يعود في جزء لاحق من الفيلم عندما يخرج آلفي من لقائه بآني في لوس آنجلوس خائباً فيصدم السيارة – وطبعاً تكون لدى آلفي مشكلة أصلاً في قيادة السيارات تشير هي الأخرى إلى حالة الأنهيدونيا- المهم أن وودي يبدأ بالتنقل بين المشهدين (صدم السيارة في لوس آنجلوس .. ولعبة السيارات في طفولة آلفي) بسرعة وهو ما يؤشر على دور التحليل النفسي في النص

ولا ننسى مشهد آلفي في طفولته في المدرسة عندما يظهر وودي آلن فجأة مكان الطفل الذي يؤدي دور آلفي الطفل ليتحدث إلى المشاهد عن بداية علاقته بعالم الجنس.  

ومن خلال علاقات آلفي العاطفية سواء علاقته الرئيسية بآني هول او تلك العلاقات قبل التقائه بآني أو حتى تلك العلاقة العابرة خلال افتراقه عن آني للمرة الأولى، تتكشف لك بوضوح ملامح أنهيدونيا العلاقات التي يقربها لنا وودي آلن في اختتام الفيلم بالقصة التالية : يشتكي رجل للطبيب من أخيه الذي يظن نفسه دجاجة، وعندما يقول له الطبيب: فلماذا لا تسلمه للمصحة ؟.. يجيبه: لكنني لا أستطيع الاستغناء عن البيض!  .. وهكذا هي العلاقات في نظر آلفي.. غير معقولة، وسخيفة، وعبثية، لكننا نتمسك بها فقط لأن معظمنا يحتاج إلى البيض!.. ومع أن هذا الكلام يظهر وكأنه رغبة في إقامة العلاقات وهو ما أبدته الأحداث وحِرص آلفي على استعادة آني بعد أن تتدهور العلاقة، إلا أنه في الحقيقة لا يخرج عن أنهيدونيا آلفي سينغر الذي يرى في العلاقات عبثية وحمقاً لا مفر منه.. فليس معنى أنني أحتاج البيض أنني أستمتع بتناوله.

عدم تقبل آلفي للتغيير وخوفه من تجربة أي شيء  جديد – مثل الأفيون على سبيل المثال – يـُظهر أنهيدونياه مرة أخرى، كذلك هروبه من الحقيقة إلى الخيال من خلال المسرحية التي يكتبها في نهايات الفيلم ويقص فيها علاقته بآني حيث ينهي المسرحية بعودتهما لبعضهما وهو ما لا يحصل في حقيقة الأمر.. فهو يحاول من خلال الفن تعديل الواقع ولو لساعات عرض المسرحية، يهرب من هزيمته إلى انتصار كاذب

آلفي سينغر يقسم الناس في هذا العالم إلى قسمين، المروعين والبائسين… فالمروعون في نظره هم أولئك الذين لا يمكنهم أن يستمتعوا بالحياة بسبب عجز فيهم كالعمى أو الشلل أو المرض، وهذه أنهيدونيا قسرية…. أما البائسون فهم سائر الناس… يعيشون أنهيدونيا اختيارية بسبب وجود المروعين الذين لا يستطيعون الاستمتاع بالحياة… فأنت وفق ذلك التقسيم إما مروع  أو بائس… وسعيد الحظ هنا هو البائس!

فهل كان آلفي مبالغاً؟ أم تراه كان محقاً…فذلك التقسيم ليس متشائماً أو سوداوياً بقدر ما هو واقع… إذ لا يمكن للبعض أن يستمتع بحياته طالما وجد هناك من يعاني… لا يمكن أن تجد نعيماً في الجنة طالما كان هناك من يتعذب في النار… لا يمكن أن ترتاح لفرحك عندما تشاهد على التلفزيون أشلاء “المروعين” في الحروب والنزاعات …

هل الخطأ في آلفي… أم في العالم الذي لا يستطيع آلفي الانسجام فيه…

أم هو خطأ مشترك…

………………………………

تعديل بتاريخ 7/03/2008

دفعني تعليق لاحد الأصدقاء على ما جاء في هذه التدوينة إلى بعض الإضافات

وهو صديق مطلع أكثر مني على التحليل النفسي، وقد رأى أنني أغفلت التركيز على الانهيدونيا باعتبارها حالة من “الموضوع المفقود” أو الهدف المستحيل، وهو على حد تعبيره موجود في كل إنسان، لكنه يظهر بصورة مرضية في الانهيدونيا. 

وضرب الزميل مثالاً آخر على الانهيدونيا هو “دون جوان” الذي لم يكن يستقر في علاقة رغم علاقاته المتعددة.. وهو حسب التحليل النفسي يبحث عن صورة الأم في النساء اللواتي أقام معهن تلك العلاقات دون جدوى.

وقد ذكرني تعليقه بتحليل شخصية دون جوان عند ألبير كامو التي وظفها في “أسطورة سيزيف” كمثال على البطل العبثي الذي يثبت أنه لا وجود حقيقي لما يمكن تسميته بالحب النبيل، وإنما علاقات استثنائية وعابرة.

ومن هنا يمكن التفكير في الانهيدونيا على انها صورة من صور العبثية واللاجدوى… ويمكن التفكير في آلفي سينغر على انه دون جوان… ويمكن التفكير فيه على أنه بطل عبثي

7/03/2008  

محمد عبد القادر الفار

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: