Posted by: قادر | مايو 21, 2008

اللاعنف في العقائد الأسيوية

 

من نص ل ويليام ستيوارت نيلسون : سنـّة اللاعنف وقواها الكامنة

(الترجمة إلى العربية : محمد عبد القادر الفار)

ما بين الألف الأول والثاني قبل الميلاد، عندما كان الإغريق لا يزالون قبائلاً رحلاً، ظهرت أقدم كتابات التاريخ الدينية في الهند، وهي “الفيدا”، التي نجد فيها ما يوصف بأنه “أول تدفق من العقل ِ الإنساني، ومن وهج  ِ الشعر، والطرب ِ ببهجة الطبيعة وغموضها”.

وبعد “الفيدا” جاءت تعاليم “البراهمانا”، وشرائع “المانوية”، و “الأوبانيشاد” الفلسفية. ثم ظهرت الملحمتان العظيمتان : “المهابهاراتا” و “الرامايان”، وكجزء من “المهابهاراتا” كانت أناشيد الرب ” بهاغافاد غيتا” التي وصفها الفيلسوف الألماني “فيلهلم فون هومبولدت” بأنها ” الأجمل، بل ربما هي الأغنية الفلسفية الحقيقية الوحيدة التي لها وجود بأي لغة معروفة”.

ومنذ البداية، ومتضمنةً في الصلوات، والتأملات الفلسفية، والوصايا، والشعر والملاحم، كانت فكرة اللاعنف حاضرة. وفي “البهاغفاد غيتا” ، تعتبر “الأهيسما”  Ahisma-والتي تعني اللاعنف – فضيلةً أخلاقيةً علوية :
***
وأرى فال الشؤم يا كْريشْنا، ولا أرى أي منفعة من قتل أقربائي في المعركة. 1/31
ليس حقاً أن نقتل أبناء دْهْريتاراشْتْرا، أقاربنا، أخوة أبي. كيف يمكن أن نكون سعداء يا مْدهافا، يا كْريشْنا، إذا قتلنا شعبنا. 1/ 37
حتى ولو كانت عقولهم ممتلئة بالجشع ولا يرون مدى الخطأ الذي يقترفونه في تدمير العائلة، ولا يرون أي خطيئة في خداع الأصدقاء 1/38

((ترجة الأستاذ سليم حداد))
http://www.tmbulletin.com/bhagavadgita/index.htm
***

إن قوانين المانوية تنص على أن الذي يريد أن يعلم الآخرين ما فيه خيرهم وسعادتهم يجب أن يهتدي “بالأهيسما” وأن يستخدم نحوهم خطاباً عذباً ولطيفاً. ومن المهابهاراتا تأتي الحكمة التي تقول أن اللاعنف هو أعظم ديانة أو فريضة.

واللاعنف ليس فقط أحد الفضائل الجوهرية في الهندوسية ورؤيتها الكونية بشكل عام، بل فيه أيضاً تلك السجايا الأخرى للروح الإنسانية الي لا تنفصل عن اللاعنف. ولذلك فقد حثت المهابهاراتا على الامتناع عن إلحاق الأذى بجميع المخلوقات سواء بالفكر، أو بالقول، أو بالفعل، واعتبرت أن الطيبة والكرم هي الواجبات الثابتة للخير والصلاح. فمن توجيهات قوانين المانوية : “دعه يستمع إلى الكلمات القاسية بصبر. دعه لا يهين أي أحد. وفي وجه أي إنسان غاضب دعه لا يظهر الغضب في المقابل. دعه يبارك إذا ما لعن.”

وطوال الآلاف من السنين التي مرت بها النصوص المقدسة، نجد حضوراً للمعاناة المفروضة ذاتياً، وكذلك تنازل المرء عن كل ما لديه من أجل الخير، وهما الأمران اللذان سنكتشف أن كليهما من الأمور الثابتة المصاحبة لمنهج اللاعنف الحقيقي.

لقد اتبعت الهندوسية القديمة مسار معظم الديانات الأخرى تاركة وراءها صفاء سنينها الأولى من الروحانية النقية، والشعر، والفهم الفلسفي والأخلاقي العميق فانحدرت إلى عبادة جامدة، دنيوية، ذات نظام اجتماعي طبقي، قاس جداً.

وجاء الإصلاح العظيم بمجيء جواتما بوذا، قبل الميلاد بخمسمئة سنة، والذي أعطى للعالم نموذجاً شخصياً مبكراً وعظيماً واستثنائياً على الالتزام التام بأسلوب حياة اللاعنف.

ابتعد بوذا عن شعائرية الفيدية وطقوسها، فهاجم الخرافات، والمراسم، وحرفة كهان الدين والمصالح الشخصية المتعلقة بها، والغيبيات، واللاهوت، والمعجزات، والوحي، وكل ما يتعلق بما هو خارق للطبيعة. فاستند إلى المنطق والتجربة. وركز على الأخلاق. وبذلك الوصف للإصلاح البوذي، يقول نهرو عن بوذا : ” إن نظرته الشاملة تأتي مثل نفس من الريح النقية القادمة من الجبال بعد الهواء الفاسد للتأمل الغيبي”.

ما القيمة التي تتراكم مع العنف؟

إجابة البوذية على ذلك هي : “الأحقاد لا تخمد بالحقد،، كلا،، الأحقاد تخمد بالمحبة”.

ويمكن الاعتماد على “الانتصارات” لتربية الكراهية،، فالمهزومون بائسون بطبيعة الحال.

إن كلام الناس يجب أن ينسجم مع القاعدة نفسها، لأن استخدام لغة قاسية مع أولئك الذين ارتكبوا الخطيئة هو بمثابة نثر الملح على جراح الخطأ.

علــًّم َ بوذا :

أخي يجب ألا يقوم متعمداً
بتدمير حياة أي كائن
لا نقوم من أجل حياتنا نحن أبداً
بقتل كائن حي عن عمد
إن من يعثر على الحقيقة
ويضع جانباً العصا والسيف..
يعيش حياة البراءة والرحمة
فيعالج الشقاقات.. ويرسخ الصداقة
لأن سعادته هي في السلام..

لقد تحدثت عن التزام بوذا التام بأسلوب حياة اللاعنف. إن التزاماً من هذا النوع لابد أن يتضمن حرصاً عميقاً على خير الجميع.  وذلك نابع فعلاً من عاطفة بوذا. فقد قال مرشداً تلاميذه : “اذهبوا إلى كل البلاد وادعوا إلى هذا الإيمان. قولوا لهم أن الفقير الضعيف، والغني المترف، هم كلهم واحد، وأن الطبقات كلها تتحد في هذا الدين كما تفعل الأنهار في البحر.”

عش حياتك من أجل خير وسعادة  الجموع العظيمة، بشفقة ورحمة مع العالم، من أجل خير وفوز وسعادة الناس.

أما “المنبوذون” بالنسبة له، فلم يكونوا “المنبوذين” المعتادين عند الهندوس,, فقد قال:

… إن الإنسان الغاضب، والذي يضمر الكراهية
والذي يؤذي الكائنات الحية، ويكذب في حديثه
ويمجد نفسه ويحتقر الآخرين
يجعلك تعرفه “كمنبوذ”

إن الإخلاص لنهج اللاعنف يتضمن أيضاً الانضباط الذاتي ونكران الذات. وقد رفض بوذا المبالغة في الزهد واختار الطريق المعتدل بين انغماس الذات في شهواتها وإهلاكها بالزهد، مع انضباط ذاتي صارم، وقال : “لا يستطيع ولا حتى إله،، أن يحول انتصار إنسان تغلب على نفسه فعاش دائماً متقيداً بانضباطه إلى هزيمة”..

وبعد أن أصبح له ستون تابعاً، أرسلهم في طريقهم بهذه الرسالة : “اذهبوا أنتم الآن بتعاطفكم مع العالم، من أجل خير الآلهة والناس. ولا يذهب اثنان منكم في نفس الطريق. بشروا الناس بالعقيدة المجيدة. نادوا بحياة كاملة، ومثالية، وصافية،،، حياة من القداسة”.

ومع أن بوذا لم يشجع على إهلاك النفس وتعذيبها، إلا أنه حذر من عاقبة الأنانية. فقال المعلم : “يعاني الناس من أنانيتهم؛ يقتلهم قلقهم الدائم”، و :

الإنسان الذي يمتلك الكثير من الأملاك
ولديه الذهب والطعام
وينعم دائماً بأشيائه الحلوة
هذا هو سبب الخسارة

إن البوذية المتأخرة ابتعدت في كثير من النواحي عن تعاليم مؤسسها الأول، ومع هذا، ورغم مغادرتها للهند بعد أكثر من ألف سنة، فقد تركت أثراً لا يمحى على حياة وفكر هذه البلاد.

.
.
.
.يتبع

The Tradition Of Non-violence And Its Underlying Forces
By Wiliam Stuart Nelson
http://www.mkgandhi.org/g_relevance/chap01.htm


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: