Posted by: قادر | أبريل 16, 2013

معنى الذاكرة … ومعنى النسيان

 معنى الذاكرة … ومعنى النسيان

.

surrealism-p-o-in-art-surreal-digital-fantasy-pop-arts-pictures-84501

محمد عبد القادر الفار

معنى الذاكرة

النسيان…. أحد أدوات الوجود الضرورية، ومن المدهش أن تستسلم لما يمكنك أن تسترجعه في لحظة معينة، وقد يبدو لك أنك قادر على استرجاع أشياء محددة فقط، محدودة بهذا الدماغ البشري المعقد، ولكن الهش..

وطوال حياتك يتخلخل هذا الصندوق الأسود ويخلط أحيانا بين الأحلام القديمة والوقائع، تدفق وسيل مستمر… ولكن إلى متى يمكن أن ترافقك  الذاكرة…. كيف يمكنها أن ترافقك في عالم غير مادي مثلا؟

surrealism (1)

هل النسيان هو لعبة الوجود؟ إلغاء ذاكرة الوعي “الشاهد” على العالم في كل دورة جديدة،، ليعيش حيوات ينساها، ويكون دائما في حالة شهادة  على حياة واحدة ينسى غيرها، وينسى كل مشاعر الحب والدفء في حيواته السابقة…. وما أكثر الشهود!! ….

ولكن بافتراض أن هناك “وعيا شاهدا واحدا” على كل ما في الوجود، كل ما حدث وكل ما خطر، كيف يمكن تصور وجود ذاكرة ذاتية تحيط بذلك (حتى فكرة وجود سجلات محوسبة غير واعية تسجل كل ذلك غير متصورة)..

إن الذاكرة المدهشة هي الذاكرة بالمعنى الذاتي لا المعنى الموضوعي، أي أنني لا أعني ذاكرة لا أحد يشهدها … كصوت يدوي في الفضاء دون وجود كيان واع يسمعه… ملايين الأجرام السماوية تصطدم وتولد وتموت وتتحرك، لو لم يكن من شاهد عليها، فلا ذاكرة ذاتية لها… ولكن حتى هذا الاندثار… هل هو ممكن في وجود فيه “شاهد لانهائي على الكل”

220_1surrealism18

هل النسيان حالة مؤقتة… بفرض أن وعيك مستمر منذ ما قبل ولادتك في هذا العالم الفاني، هل شرط دخولك العالم الفاني هو نسيان من تكون خارجه، وحتى تغادره… وأمام فكرة الأبدية واللانهائية: إلى أي حد ستصل بك الذاكرة، هل ستعود مليون سنة؟ مليار سنة؟ مليار مليار سنة؟ هل سيكون هناك من حالة شهادة أبدية أزلية؟؟!! إن الذاكرة لا تحتمل اللانهائية كما يبدو… وهذا هو سبب الرهبة و الخوف من اللانهائية الذي يخفيه اللاشعور من خاطرالزمن والذاكرة بالذات…

ولكن أليس معنى الذاكرة كما يمكن أن نفهمه كبشر مشروطا بشروط هذا العالم المادي وبشروط إدراك هذا العالم والدماغ تحديدا، بمعنى أن الذاكرة  والزمن قد يكون لهما معنى مختلف تماما يحل هذه المشكلة ضمن شروط أخرى

فنحن ضمن شروط تفكيرنا (تفكير مشروط بشروط الدماغ وتفاعلاته وتفاعلات المادة وأبعاد المكان والزمان)لا يمكن أن نحل هذا النفور بين اللانهائية والذاكرة إلا بإلغاء دوري للذاكرة، بمعنى أن شرط الأبدية هو نسيان الأبدية، إلغاء الذاكرة كل حين للبداية من جديد بداية منعشة

عند هذه النقاط التي قد نسميها (نقاط التقطع) تكون البدايات وتبدو النهايات،، وهكذا ترحم تلافيف اللانهائية أحلام البشر بالخلود (حلم الأحبة بالبقاء معا إلى الأبد مثلا)…. هذا أقصى ما يمكن لتفكير مشروط بالمكان والزمان أن يتصوره لحل مشكلة الذاكرة واللانهائية (وهنا نفترض وجود حل، ناجم عن إرادة، إرادة وجود له وعي وحب، لا غاية أو معنى، فالغاية والمعنى بمعناهما المباشر تكلف على الوجود)…

ونحن بحاجة إلى الوصول إلى وعي متجرد عن الزمان والمكان لفحص إمكانية وجود معنى جديد للذاكرة والزمن….

ولكن تبقى بين أيدينا تقنية التأمل في هذا الوجود الإنساني المحدود، فهي تقنية تحاول السيطرة على اللحظة المحسوسة، فالدماغ في لحظة واحدة يسجل عددا لا محدودا من الهواجس والذكريات تحدد استجاباته لكل شيء، وفي لحظة اللاتفكير، أو التركيز في شيء واحد، أو اللاغاية… يمكن أن ندرك معنى الذاكرة (في العالم البشري على الأقل) على مستوى الوعي، ولا أقول الدماغ والأعصاب

8dd71a3e-1ab6-4f18-847a-b3d694b2c16f

معنى النسيان

*مآلات فهم النسيان والذاكرة وفق الدماغ المشروط بالزمن وحتمية تقدمه*

لا يمكن أن تبحث عن معنى الذاكرة وجدواها ومداها، دون أن تبحث عن معنى النسيان، فلولا النسيان ما كانت الذاكرة ولولا الذاكرة لما كان النسيان

ماذا يعني الموت بالنسبة للذاكرة، وماذا تعني الذاكرة بالنسبة للموت؟ لا أحد منا يتذكر أي وجود له قبل هذه الحياة فضلا عن أن يتذكر أنه قد مات قبل ذلك…

ما علاقة الذاكرة بالموت؟

هل الموت هو الطريقة التي ينهي بها الوجود ذاكرة “الأنا” الشاهدة… هل هو الذريعة التي يستخدمها الوجود لإنهاء الذاكرة

وهل الحياة إذا هي بداية لذاكرة جديدة، أم بداية جديدة لذاكرة “أنا” قد محيت، وكيف تتماسك الأنا إذا ما محيت كل ذكرياتها..

هل الحياة هي بداية ذاكرة مؤقتة تنتهي بالموت؟

ما مقدار الألم الوجداني الذي تسببه فكرة أن شخصا عزيزا عليك في هذه الحياة ستنساه وينساك تماما ويواصل كل منكما رحلته الأزلية الأبدية بعد أن ينسى من كان يحبهم ومن كانوا يحبونه بل من كان هو نفسه قبل ذلك… هل هذا مخيب للأمل؟… وماذا يتبقى من خيبة الأمل بعد محو الذاكرة…

أيا كان مقدار ذلك الألم المتصور، فالنسيان كفيل بإلغائة، يكسره ليخلق دورة عبثية متجددة نرى فيها وهم البدايات ووهم النهايات…

هل تفتقد أنت الآن أحدا من حياتك السابقة؟

هل يمكن أنك في مرحلة تم محوها من ذاكرة “روحك” كنت تحب أحدا معينا وشديد التعلق به إلى حد تمني الأبدية معه، وأنت الآن لا تذكره ولا يذكرك

هل الموت والنسيان هي أدوات الوجود للتغلب على الملل من الأبدية، ولماذا يكون هذا هو الحل للتغلب على الملل؟

هل تشكل الأبدية تهديدا للحب المشروط والتعلق؟ ألهذا السبب يلزم النسيان ويلزم التعلق بحالات جديدة؟

* النسيان كتصفير للمعنى .. “وللكارما لا؟”.. مرة أخرى وفق فهم الدماغ المشروط بالزمن*

surrealism-dark-surreal-191187

ماذا سنتذكر بعد الموت؟ وهل سنتوق إلى أية عدالة افتقدناها في حياتنا؟ وكيف، ما دمنا تحررنا من ذاكرة هذه الحياة… وما دمنا نسينا كل ألم وكل ظلم حل بنا… ألا يؤول كل شيء إذا ما نسيه الجميع إلى اللامعنى… وهل هذا عدل؟

النسيان في هذه الحالة يحررنا، نعم، وقد يريحنا، ولكنه بالتأكيد يهزمنا.. ويكشف عجزنا الكامل عن الاحتفاظ بذواتنا، وبمشاعر تمنينا لها الاستمرار…

* الذاكرة .. كعائق أمام التغيير *

هل تتذكر قول مورفيوس لنيو في فيلم ماتريكس في أول لقاء لهما: “أرى رجلا يتقبل ما يراه لأنه يتوقع أن يصحو”…

images

على مستوى العقل الباطن، هناك دائما توقع للمألوف، بل واطمئنان له، وهذا المألوف ما هو؟ أليس تراكمات الذاكرة “في الحياة الحالية” عن طبيعة العالم؟ ليس هناك توقع للمألوف فقط، بل إن هناك اطمئنانا له، أي أنك على مستوى غير مدرك تفضل المألوف على ما تتمناه، ولهذا تتمنى وتصلي وتتخيل وتتصور دون أن يتجلى في حياتك شيء له علاقة بهذه الأمنية (والتجلي ليس تحقق الأمنية بالضرورة، فقد يكون تجليا يبدي لك أن الأمنية لم تكن صوابا، أو أنك على مستوى أعمق، مستوى أقل مباشرة، وأقوى تأثيرا، تتمنى شيئا آخر)…

*هامش*

إن من يتتبع ما يتجلى له في حياته لحظة بلحظة، يلاحظ أن هناك تسارعا ملحوظا اليوم بين الفكرة والاستجابة لها، أو للتذكير، ما انتشر في السنوات الأخيرة على أنه “قانون الجذب”، تفكر في الفكرة فتجد ما يتجلى عنها، شيء من الكثافة والتباطؤ بدأ يضمحل ويتخلخل

كان تجلي الأفكار والأفعال والهواجس يأخذ وقتا أطول بكثير، بحيث لا يتسنى لكثيرين أن يجروا الربط، فكانت الأشياء والحوادث حين تتجلى، يكون الناس قد نسوا أفكارهم أو أفعالهم التي أدت إلى ذلك التجلي، ومع تسارع العملية، سيبدأ الناس بالربط شيئا فشيئا بين ما يحدث وبين الإرادة الروحية الفردية أو الجماعية التي كانت سببا له

أحداث وأفكار كبيرة وقديمة تشهد اليوم تجليا احتاج لآلاف السنين حتى يتمظهر، بينما الاستجابة الحديث لتمظهرات تلك الأفكار القديمة التي تحدث اليوم لا تحتاج إلى ذات الوقت

التجليات تتسارع أســّـيّا،، وهذا سيقودنا قريبا إلى حالة من الاستفاقة لم يكن أحد ليتوقعها في ظل ما يبدو أنه أحط مراحل الوعي “الاستهلاك عالميا، والأخونة عربيا كنماذج”، لكن هذه الاستفاقة مغطاة بقشة… وهذا التسارع قد يقود إلى كشوفات مذهلة …

* عودة .. الذاكرة كعائق*

ما يتجلي في حياتك مرتبط بذاكرتك وبالمألوف بالنسبة لك، لكنه يتعلق أيضا بمكانك في ذاكرة الآخرين والمألوف عنك بالنسبة لهم.. وهناك مقولة مشهورة عن أن الخياط هو أفضل من يمكنك التعامل معه، لأنه يأخذ مقاسك في كل مرة، بينما يعاملك من يعرفونك بمقاييسهم وانطباعاتهم عنك

وكنت قد عبرت عن هذا العائق الذي تفرضه ذاكرة الآخر، في قصيدة كتبتها قبل سنوات قلت في جزء منها:

“لست ُ شخصا واحداً

 

مع أنني لا أصطنع

 

كل ما في الأمر أني

 

دون قصدٍ … أقتنع ْ

 

بانطباع عندهم عني ..

 

جميلٍ .. أو بشعْ

 

كلـّما صادفتُ سيناً

 

صرتُ عبداً لانطباع ٍ عندَ سين ِ

 

مثلـَما عوَّدتـُه عنّي – ولو زوراً – ستبقى صورَتي

 

معْ أنـَّـني لا أصطنعْ

 

لم أكنْ حقاً “أنا” .. إلا هنا في عـُـزلـَـتي

 

حتى أتتْ سلمى

 

لصمتي تستمعْ

 

(سلمى 2 – أسباب النزول)

* النسيان … ولعبة الوجود المشروط*

لعبة الحياة ….. تدخلها ناسيا كل شيء قبلها بما في ذلك أنها واقع افتراضي، وتبدأ تبحث عن الغاية في حين أنه لا غاية، أو بالحد الأقصى الغاية هي اللعبة نفسها، وتبدأها صفحة بيضاء تملأها بشروط الواقع الافتراضي نفسه ظانا أنها حقائق مطلقة،

من شروط هذا الواقع أيضا أن الأفكار بشكل عام يحددها الوجود الاجتماعي للإنسان بمعنى أن المادة “مكون العالم الافتراضي” هي فعلا اللاعب الأساسي ضمن هذا الوجود الافتراضي طالما كنت خاضعا لشروطه، وهذا يثير السخرية في النهاية من ذلك السجال اللامنتهي بين المادية والمثالية

وشرط هذا الواقع الافتراضي الأكثر مكرا هو أنه مع انهماكك فيه يصبح كل ما هنالك في نظرك وبالتالي لا يعود وجودك خارجه ممكنا، وهذا ينتج الخوف…

الخوف يحرك كل شيء، وتبدأ افتراضاتك عن ما سيحدث عند خروجك من هذا العالم، افتراضاتك المتفائلة بخصوص ما هو خارجه تتغذى من شروطه هو، وأيضا افتراضاتك المتشائمة أو المستسلمة لشروطه وشروط مكونه الافتراضي “المادة” تتغذى أيضا من شروط هذا الوجود الافتراضي

مغادرتك له حتمية، وليس لك أن تجزم. تتغذى فقط بافتراضات خلقها ذهنك المشروط، والناس من حولك تغادر دون أن تعرف ما حل بها بعد خروجها، ولا يمكنك ضمن أدوات هذا الوجود الافتراضي الماكر أن تتواصل إلا مع من هم داخله، وهو عند أغلب اللحظات كل ما هنالك بالنسبة لك….

ويبقى السؤال، هل يتغير معنى الذاكرة (كاستيعاب لمعلومات متلاحقة وفقا لترتيب زمني) في وجود غير مشروط بالزمن… أو يختلف فيه إدراك الزمن …

 01Time-s

Advertisements

Responses

  1. وما سمي إنسانا إلا لشدة نسيانه.
    وما سميت دنيا إلا لشدة دنائتها.
    وما سمي قلبا إلا لكثرة تقلبه.

    إعجاب

  2. […] ثنائية الين واليان (الحب اللامشروط – والماتريكس) أو (النسيان – والذاكرة) نحو مستويات من التعقيد أنتجت كل ما نعيشه ونراه […]

    إعجاب


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: