Posted by: قادر | سبتمبر 27, 2013

غاية التقدم …. كشف الإنسان

حين كان الإنسان يرسل الرسائل عبر البريد في ما مضى، كان يمكن أن يكتب خطابا فظا، ثم يمزقه، ويكتب غيره، وقد يتراجع وهو في الطريق إلى صندوق البريد….

everything_you_were_afraid_to_ask_about_donnie_darko

هناك عدة فرص قبل صدور النسخة النهائية …. اليوم مع الرسائل الفورية، تم إفلات اللجام…. لم يعد من السهل احتباس أي فكرة، أو أي غريزة … بل إن ما كان يتم بضغطة قبل سنوات قليلة، أصبح اليوم يتم بلمسة … عن طريق تقنية الtouch

lg-ke850-mobile-phone

* * *

في الحروب، في القتال،،،، كان القتل يحتاج إلى قطع مسافات طويلة تحتاج أياما وأشهرا… وكانت عملية القتل نفسها تحتاج إلى حمل سيف ثقيل أو رمح طويل…. كانت فرص التراجع، أو حتى إصابة الآخر نصف إصابة واردة ..

original

اليوم حتى هذا أصبح يتم بكبسة زر…. دون الاضطرار للتعامل المباشر مع الدماء …. كبسة زر من مكان مغلق فوق السحب… كافية بإسالة دماء وقطع رؤوس قد يشمئز المرء من قطعها بنفسه وإسالتها بنفسه يدويا… وقد يتراجع … أصبح الإنسان مباشرا أكثر مع غاياته… فإذا كانت الغاية القتل، فإن إجراءات القتل التي قد تجعل المرء يتراجع رفقا أو اشمئزازا، قد تم اختصارها… وعلى الطريق لتتشبه بفعل كن فيكون ….

launch-button-nuclear_bomb_israel_iran_world_war

* * *

إن مسار التقدم مقصود ولو لم نكن واعين له …. إن هذا المسار يستدرج كل هواجسنا وغرائزنا للخروج… يستدرج العقل الباطن ليخرج إلى حيز الفعل المباشر، بدلا من إنتاج تراكمات الكبت والتأجيل ….

.

إننا في الطريق لنصبح مباشرين مباشرين جدا …

.

.

*القدرة على الدهشة*

 

baby1

إن القدرة على الدهشة تتلاشى كلما أصبحت الأمور مباشرة أكثر، فالغموض يملأ مساحات كبيرة من القلب، مساحات تصبح فارغة كلما انكشفت الأمور وأصبحت مباشرة.

.

فمعرفة كل شيء تفضي إلى الفراغ، ونحن نخاف الفراغ، نخاف السكون الذي يجلبه، والزهد الذي يفضي إليه، لذا نفضل أن لا نعرف كل شيء، نفضل أن  نكتفي بمعرفة ما يمكن أن يسيّر حياتنا، ونحتفظ في نفس الوقت بكثير من الغموض الذي يدفعنا للخيال وللدهشة ويملأ قلبنا بالتوقعات….

.

الطفل كان قادرا على أن يندهش من كل شيء في البداية، وكانت هناك تلك الأمور الخاصة بالكبار التي يتهامسون بها بينهم ويؤنبون الأطفال إذا حاولوا استراق السمع إليها، ومع مرور الأيام اكتشف الطفل تلك الأمور، فأصابته الدهشة عند الاكتشاف، ثم أصبح الأمر عاديا، وكانت هناك أيضا تلك البلاد البعيدة التي تبدو له عالما آخر، وكانت هناك الطائرة والباخرة، التي لن يلبث أن يركبها لاحقا، أو يتعرف على من ركبها، أو يشاهد تفاصيلها على النت أو على التلفاز، لتصبح عادية جدا… وتتفرغ مناطق جديدة من القلب، ويزداد الخوف من الفراغ وتبدأ محاولة ملء الفراغ من جديد بأي شيء ممكن….

.

ذلك هو المعنى الوحيد الممكن لرمزية آدم وحواء وبهجة الجهل وشجرة المعرفة. الشجرة التي قادت ثمرتها إلى حياة لم يعد من الممكن أن يملأها سوى كدح يكدحه الإنسان حتى يلاقي ما كان يخاف منه، الفراغ، ليعود وينسى من جديد، وتعود إليه بهجة الجهل والنسيان القادرة على بعث الاندهاش من جديد…. (كادح إلى ربك كدحا فملاقيه؟)

adam_eve_snake

.

.

*العلم والاكتشاف يدفعنا باتجاه الفراغ*

.

 .

كانت الشمس والقمر والنجوم والسماء والمطر كلها أشياء غامضة، تبعث على الدهشة، وتملأ القلب، وتتيح إنتاج الخيال والأساطير…

.

تلك النجوم والأضواء التي كان الناس يخلقون حولها الخيالات والعجائب تبين مع تقدم العلم والاكتشافات أنها مجرد أجرام سماوية لا احداث عليها، وهي غازات هائلة، أو أراض قاحلة باردة…إلخ

.

ومع اكتشاف حقيقتها، مساحات كبيرة من القلب تفرّغت….

.

628x471

وبماذا امتلأت؟ الفن؟ الموسيقى؟ السنيما؟ الرواية؟ إن كل مفردات الفن مستعارة من هذا الواقع المحدود…

.

ونحن فعليا لا نخاف المحدود لمحدوديته، الحدود شيء مطمئن للعقل الخائف من الفراغ (من المطلق اللامحدود الذي ليست له ملامح) فالحدود شيء مضاد للفراغ رغم أن العكس قد يبدو صحيحا… لأن العالم غير المحدود هو عالم منفتح تماما، كل شيء فيه مكشوف ومباشر، وهذا المطلق هو فراغ….

.

فهذا العقل المشروط بالثنائيات والقطبيات يريد عالما محدودا ولكنه قادر على إنتاج الدهشة من خلال أشياء غير مكتشفة، يعني يريد عالما ظاهره محدود وباطنه غير محدود، لكن الظاهر المحدود فيه له إطلالة غير مباشرة على الباطن اللامحدود….

.

وقبل اكتشاف جغرافية الأرض ورسم خرائط كاملة لها، كان بوسعنا أن نتصور تلك الجزر الخيالية السحرية الجميلة التي يحدث فيها ما لا يحدث هنا، ما يمكن أن يملأ القلب… ثم انكشف العالم واصبح هناك خرائط جوية ولم يعد هناك جزر ولا ما يحزنون،،،، ومع اكتشاف كل الأماكن، عدنا إلى الفراغ….

.

apollo17_earth

ونحن نعلم أننا لو اكتشفنا كواكب خارجية تحدث عليها أشياء عجيبة فستصيبنا دهشة مؤقتة، ليعود الفراغ ويحل محلها..

.

انكشاف أسباب الاشياء إذا يقود الى الفراغ…

.

.

*الواقع الافتراضي  اليوم (مواقع التواصل الاجتماعي)،،، ورؤية أفكار وغرائز الآخر بشكل مباشر غدا؟*

get_img

 .

لنعد إلى لحظة الخروج من وحدة الوجود إلى التعدد وإيجاد الآخر (حين اكتشف الله أنه الله)… قلنا وقتها أنه ما ان أصبح هناك آخر، حتى انتهت الحرية المطلقة وتم خلق الغموض لأن الآخر ظاهرة غريبة…  هو من جهة “آخرٌ” شبيه بنا ….. وهذا مطمئن، وهو من جهة أخرى ليس نحن (ظاهريا)، وهذا يخلق إمكانيات الصراع والحركة…. التي كانت مستحيلة في حالة الوحدة (حالة إدراك الوحدة فعليا)

.

رغم اضطلاع العلم بكشف كل شيء تدريجيا، يبقى “الآخر”  ظاهرة قادرة على إنتاج نوع من الغموض والدهشة التي تملأ القلب، حتى مع اختفاء الجزر السحرية والكائنات العجيبة ….

.

اليوم ينكشف هذا الآخر لنا بالتدريج، علم النفس أصبح قادرا على أن يتنبأ بما يخبئه الإنسان في قلبه عن طريق قوانين تحكم عقل هذه الإنسان، لتصبح كثير من ردات فعله متوقعة، أي يصبح قابلا لتحليل “علمي” صارم، بل ونشأت مواد قادرة على التأثير في مزاجه وأفعاله عند تعاطيه لها، وبدا أن كثيرا من ردات فعله تحكمها كيميائية معينة….

.

ثم تطور الأمر ليصبح هناك من هو قادر على قراءة ما هو داخل الإنسان من خلال قراءة حركات جسمه ووجهه، قارئو الأفكار mentalists  مثلا …

.

telepathygrid

ورغم أن مسائل التخاطر telepathy  لا تزال في حيز العلوم الكاذبة أو شبه العلم pseudo-science  بالنسبة لمؤسسات العلم الرسمية السائدة، إلا أنها قد تتحول مع تحقيق المزيد من الاكتشافات إلى علم يمكن عبره قراءة أفكار الناس وتسجيلها وربما قراءة رغباتهم ومخاوفهم والتحكم فيها، وربما تسجيل أحلامهم أثناء النوم ووضع تفسيرات ميكانيكية صلبة لكل ذلك …..

.

حين يصبح الإنسان مباشرا ومكشوفا إلى كل هذه الدرجة، هل سيعود الفن قادرا على ملء الفراغ؟ هل ستعود التسلية والرياضة والentertainment  والسياحة قادرة على ملء الفراغ؟

.

الاكتشاف سيجعل كل شيء مباشرا، فأنت تتلذذ بالسياحة وتغيير المكان لأسباب نفسية سيتم تسجيلها وقراءتها، وأنت تستمتع بملمس الماء وباللون الأخضر لأسباب محددة جدا معرفتها المباشرة ستخلق مكانها فراغا كبيرا…

.

they-live

.

هذا ينطبق على الجنس نفسه، حين يصبح مباشرا جدا لدرجة تفقد معها قوة الليبيدو الدافعة ما تبقى من غموضها الذي تم انتهاكه حتى الآن، إلى أن يتم انتهاك الأورجازم والتحكم فيه وتسجيله…هذا قد يهدد مصير هذه القوة الدافعة على الحياة والمنتجة لكثير من الغايات المتعلقة بها بشكل غير مباشر، حتى لا يعود الكبت هو المشكلة، بل تصبح المشكلة تجاوزا للجنس، يشبه ما يتنبأ به فيلم مثل  Mr Nobody 2009، وهو أن ينتهي الجنس في المستقبل، sex becoming obsolete.

Obsolete-Bio-Mechanoid-Sex-Pod

إذا كانت غاية التقدم هي كشف الإنسان، فهل سيقودنا هذا في نهاية المطاف إلى لحظة “نسي الله أنه الله” من جديد، أي لحظة انتحار الحضارة، اختيار النسيان…. حتى نعود ونبدأ من جديد ….. إن دعوات العودة إلى الطبيعة هي أول خطوة، مجرد مؤشر …

.

في فيلم Sphere 1998، وحين تتورط مجموعة العلماء باكتشاف أصبح عبئا عليهم، بمعرفة تشكل خطرا عليهم، وهذه المعرفة في هذا الفيلم هي “قدرة” على تجسيد الأفكار إلى واقع، فإنهم يقررون استخدام “القدرة” من أجل “النسيان”… “القدرة على النسيان”…

.

sphere

التبشير بفكرة اختيار النسيان نجدها أيضا في فيلم  Eternal Sunshine of the Spotless Mind 2004 وفي هذا الفيلم يقوم العلم نفسه بتطوير إمكانية اختيار نسيان ذكريات معينة، وكأن الحضارة تحمي نفسها وتبحث عن طريقة تتجنب بها الانتحار…

.

eternal-sunshine-of-the-spotless-mind

 لن يعود النوم (النسيان اليومي المؤقت) كافيا، وقد تحدثنا في موضوع (النوم كغاية يومية) عن أن النوم حالة صيانة يومية لحماية ما هو كائن ….

.

نحن إذا نتجه إلى اللحظة المتجددة “نسي الله القادر العارف أنه الله القادر العارف”… حتى يتاح له البدء في عالم جديد بذاكرة جديدة، وتجارب جديدة…. كآدم جديد…. عاجز جاهل… بذاكرة جديدة كليا…

.

.

.

  • ملاحظة: البعض ينتقد الاستشهاد بأفلام هولي وود ويعتبر وكأنني أقدمها كدلائل، وأنها في النهاية مجرد أفلام، وللتوضيح: إن الفن هو ساحة اختبار للأفكار الفلسفية ومفرداته كلها مستعارة من هذا الوجود كما ذكرت في هذا المقال، كما أن منبرا مثل منبر هولي وود، يقدم أفلاما يشاهدها الملايين لا نستبعد ابدا ان تمر من خلاله بعض نداءات الاستغاثة وان يجد العلم الكوني طريقا إلينا من خلاله، تماما كما تجد الكثير من الأفكار الاستهلاكية والتدميرية طرقا من خلاله..

Advertisements

Responses

  1. […] وسار الكون كله نحو العودة للحالة الصفرية… … ولو كان الأمر للموجب واحد فقط، لما عاد للرفق مكان، وما كنّا وجدنا وسط كل هذه الصراعات […]

    إعجاب


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: