Posted by: قادر | أكتوبر 15, 2014

الموقف من استمرار الوجود

أولاً:

.

عن الأبدية

Paradise-Drawing-HD-Wallpaper-1024x514

.

الجنّة ….. يا لجمال ذلك الحلم…..حيث كل شيء متاح … كل شيء جميل .. الجميع سعيد … الجميع مستمتع ..

لا صراع .. لا معاناة … كل ما تطلبه تحصل عليه … اطلب تعط…

فيا له من مصير !

ولكن أليس المصير نهاية ؟…

ماذا بعد المصير؟

حين تفكر في الأمر، تجد أن أحوال أهل الجنّة لا تطمئن …. وتبدأ التساؤلات … هل ينجب أهل الجنة أطفالا …. وإذا كانوا ينجبون، فهل الجنة تتوسع … وإذا كانت تتوسع، فهل تصبح للإنسان أجيال لا نهاية لها من الأحفاد … وهل تطيق ذاكرته ذلك …
.

.

genie

.

.
وماذا لو اشتاق أحد أهل الجنة إلى طفولته … وأراد أن يعود طفلا …

الحقيقة أنه لا مفر من إسقاط التجربة الإنسانية على هذا الواقع الأبدي، كون الانسان يريد أن يظل إنسانا … وهذا ما وُعِد به … وعلى هذا الأساس سعى للجنة سعيها وهو مؤمن …
.

.
التجربة الإنسانية هي محدّد هذا الوعي، وعيي ووعيك…

.

.

.
الأمر بسيط إذا… محدّدات …. المحددات كالعادة هي ما يخلق الملامح … ويسمح بالاستمرار … لتكن طبيعة أهل الجنة عدم إرادة التكاثر، وعدم تمنّي أشياء تعطّل الحياة، مثل أخينا الذي يريد أن يعود طفلا …
.
.
تغيير جيني مثلا … أو بيئي .. الإنسان مثلا لا ينزع لنكاح المحارم في العادة …. هذا ونحن في العالم الأرضي يجيب عن سؤال أحد الملائكة للمصمم في الملأ الأعلى “وماذا لو اشتهى الإنسان أمه أو أخته، ألم تخلقهم من ذكر وأنثى”….
.

.

0_23_neanderthal_family

التصميم تطلب هنا محدّدات … “ببساطة ننزع هذه الرغبة ، ولو على مدى أجيال … لنمنع تصارع الذكور في البيت الواحد على الإناث… ولنسمح بالاستمرار …”
.
.
لذا يبدو أن العقل البشري ينتج غرورا يصوّر لصاحبه أنه لا بد للعقل من أن يكون قادرا نظريّا على الإحاطة بكل شيء…. لتأتي غرائزه ومحدداته البيولوجية لتنوب عنه في إجابة سؤال مثل “لماذا لا تحب هذا أو لماذا تشمئز من ذاك”…
.

.
الرغبة في استمرار الوجود في حد ذاتها “محدد”… من أهم المحددات … فهي وراء التكاثر.. ولو كانت الرغبة هي فقط في استمرار الذات وخلودها لاكتفى الإنسان بتمني الخلود لنفسه لا للأرض والحياة عليها وترك أشخاص يواصلون العيش والبناء في عالم هو مفارقه إلى عالم آخر..او الى الفناء…
.

.

the_continuity_of_life_fountain

.

.

هذا المحدّد إذا -الرغبة في استمرار الحياة على كوكب الأرض- جاء ببساطة عن طريق غريزة غرس البذور في الأرحام، ونشر الدي إن إيه… وغرائز النفور من جنس المحارم سمحت بوجود أنوية العائلات بدلا من صراع الذكور داخل الأسرة الواحدة … وهذا أدى إلى خلط الدي إن إيه أكثر …
.

.

.

.

وبالعودة إلى أهل الجنة … فأحوالهم التي كانت لا تطمئن منذ قليل، يبدو أنها لا يمكن أن تكون خارج السيطرة …. خاصة الملل … لا بد من وجود آليات تتحكم به … أبسط هذه الآليات –التي يمكن أن تسمح بالسيطرة على “الملل من الوجود” دون ان تحوّل الانسان الى كائن بليد غير شغوف– هي آلية النوم الطويل ….. لننم مئة سنة من كل ألف سنة … ولننس … نعم … لتكن ذاكرتنا دائما قادرة على أن تعود للخلف ألفي سنة فقط مثلا …. بحيث أنه كلما مر وقت أكثر كلما محيت الذكريات الأقدم …. هذه مقترحات بدائية وسهلة … فما بالك بنبع الإبداع …
.

.

5449400823_095f89fb30_z
.
ولكن لا زال لدى من هو مشتاق لنيرفانا الفناء حجة أخرى … فهو يتذمر من هذه الحياة التي تحكمها محدّدات تجعل العقل ذليلا أمامها … فلا يعرف لماذا يريد ولماذا لا يريد… وانما هي فقط بيولوجية وجينات وهرمونات … والحرية هي في عدم استمرار كل هذا…
.


.
النوم مئة سنة من كل ألف سنة لا يكفي ذلك العاشق للفناء … ولكن… ما رأيه بعالم لا جنس فيه … ماذا لو أن الجنة لا جنس فيها ولا نشتهي الجنس فيها أصلا …. لو أجبرنا ذلك العاشق للفناء على أن يعيش، وخيّرناه بين عالم لا يشتهي فيه الجنس أصلا ليفتقده، وعالم فيه جنس….. كوننا سألناه السؤال ومحددات الرغبة في الجنس لا زالت تحكمه، فهو سيقول إذا كان لا بد من العيش، فليكن عيشا فيه جنس!..

ولكن تعال لنسأل شخصا من عالم افتراضي لا توجد فيه أصلا رغبة جنسية نفس السؤال…. هو لن يفتقد شيئا لا يعرفه …. ولأن الرغبة الجنسية ليست مزروعة فيه، فمشاهد الناس وهي تركب بعضها فتتلذذ ستبدو له مضحكة، أو إذا كانت غرائز الاشمئزاز موجودة فيه فقد تبدو له مقرفة …
.
.

images

.

.
المشتاق للفناء يقول على الأقل إذا لم نتحرر بالفناء الكامل فلننزع عنا هذه المحددات فنصبح عقلا خالصا لا تحكمه أي أهواء… ويا لها من حرية….. وسنغض الطرف هنا عن أن الرغبة في الحرية هي في حد ذاتها من المحددات، المحددات التي يبدو أن من ضمن أهدافها الدفع بالتطور للأمام حين تبطل مسوغات وجود بعض الزنازين، لخلق زنازين جديدة بعد مدة، سيتم خلق رغبة في التحرر منها عند الوقت المناسب، حين تزول فعاليتها…. سنغض الطرف عن ذلك ونقول له .. ولكن كل الأهواء تشتعل وتخمد، لتعود فتشتعل وتخمد، وما ان تخمد، حتى تصبح محيّدة، ولو لوقت قصير، فتحضر خصال العقل الخالص أمامها، لذة الأكل ولذة النوم ولذة الجنس كلها مؤقتة، تشتعل ثم تشبع، ثم تشتعل من جديد…. ما رأيك بهذا الحل… هذا يتيح للعقل الخالص أن يحضر، وللغايات أن تستمر، دون أن يسلبنا أي حضور للعقل الخالص…
.
.

IMG_0950-570x760

.

لكن صاحبنا داعية الفناء سيعود بعد انطفائه قليلا ليشتعل ويناكف -وهذا ناتج عن محددات ليست خارج الحسبان، فخطابه ضروري، خطاب الفناء لا يجب أن يفنى، ليبقى يخيف عشّاق الاستمرار بعصا الفناء-… سيعود ويقول، وماذا بعد كل ذلك… النوم مئة سنة كل ألف سنة، ولذات ما بعدها لذات… ونسيان وتذكر … وقصص لا تنتهي … وذاكرة تمتد ألفي سنة فقط … ولا ملل ..
.

.

ماذا بعد …. الن يشتاق هؤلاء البشر للتطور … فإلى أين سيصل التطوّر… ام أنهم سينسون أين وصلوا بتطورهم ويعودون إلى سابق عهدهم البدائي، ليعاودوا التطور من جديد، مثل سيزيف …. يا لعبثية هذا … ويا لنعمة النسيان التي أصابت سيزيف هذه المرة … فسيزيف الجنة (أهل الجنة) ينسى صراعه نحو القمة في كل مرة، ليذوق كلما تسلق القمة من جديد طعم إنجاز يحققه أول مرة ..

.

.

tidal-waves-destroyed-atlantis-lemuria-mt-thera-erupts-airl-alien-says-1500-bce-will-happen-again-the-idea-girl-says
.
ألا يدفع هذا بالملأ الأعلى إلى الضحك …. إذا كانت أحوال أهل الجنة هي هذا المصير فإن أحوال أهل الملأ الأعلى هي الضحك المتواصل على تلك السعادة المتكررة التي تصيب سيزيف كلما وصل إلى القمة …. يصلها للمرة المليار، فيصيح أخيرا وصلت، وتزغرد له اللواتي زغردن له مليار مرة قبل ذلك، وتتعلم التي لا تجيد الزغردة أن تزغرد وسط هذه الاحتفالية، تتعلم ذلك “من جديد” للمرة المليار…
.

.

sisyphus_Before_After-743642

.
وعجبا لعاشق الفناء هذا، إذ يظنّ أن نبع الإبداع عاجز إلى هذا الحد، ليركن إلى عود أبدي لن يعود مضحكا بعد مدة..
.

.

url
.
الصراع…. الصراع يا عاشق الفناء …. صراع جديد، لم يسبق له أن وجد…. في أي ذاكرة وفي أي نسيان…. افتراس جديد ومعاناة جديد وألم جديد وكفاح جديد …. فسيزيف لن يكرر نفسه …… سيبدأ بتغيير ما يحمله …. فبدلا من صخرة… قد يحمل وعاء كبيرا من الماء مثلا، ينسكب منه طوال الطريق، فيجده فارغا حين يصل، فيضحك على خيبته، وتضحك عليه النساء اللواتي تزغردن، ثم يعود فيحمل شيئا آخر، وقد لا يسير من الأعلى إلى الأسفل، وقد يزحف زحفا….
.

.

ولكن عاشق الفناء يعود ليشتعل بعد أن انطفأ…. فيقول … ولماذا لا نفنى… يمكن أن يضاف إلى تركيبة المحددات عنصر جديد، عنصر تقبّل الفناء …. وقال لي: أنت تكافح للاستمرار في الوجود لأن هذا المحدد “محدد تقبل الفناء” ليس موجودا فيك … وما إن يوجد فيك حتى تنطفئ فيك شعلة الرغبة في الاستمرار ….. وشبه الأمر بالشخص الافتراضي الذي يعيش في عالم لا توجد فيه رغبة جنسية، حين سألناه كيف يطيق الحياة من دون جنس…. فمع زرع محدد يتقبل الفناء، يسير الناس للفناء بسهولة … ولعل المحدد هو الرغبة في الاستمرار لا تقبل الفناء … فالوجود طارئ على العدم.. الحالة الأصلية المستقرة … و”التشبث” و”التمسك” ورفض “الإفلات”… “رفض إفلات كل شي… بما في ذلك الانفلات من أن تكون”Letting go of being … فهذه محددات خلقتها أجندة الرغبة في الاستمرار…
.

.

monster-at-the-end

.

.

لن أملك أن أقول له بعد خطابه الأخير -الضروري- هذا سوى “هذا فراق بيني وبينك”…. إذ لم يعد من الممكن أن نستمر في هذا الجدال دون أن نتفق على شيء ما …
.

.
“وجود الله” …نعم…. عليك نور يا عاشق الفناء …
.
.
لو فني كل شيء، كل شيء، خمدت كل طاقة الكون حسب ما يمكن للعلم أن يتحدث عنه أو للفلسفة أن تصفه… فلا يمكن أن لا يكون … لا يمكن أن لا يكون أي شيء…..
.

.

مهما فنيت أشياء، فهذا الشيء يبقى… وهو قادر على استرجاع كل ما مر دون جهد…
.
.
وهو خلف خطاب الفناء وخلف خطاب البقاء…
.

.

هو الله ..
.

.
وليس بالضرورة أن نتفق على الله لنتمكن من الاستمرار في الحوار ولا يصل الى نقطة مسدودة … ولكن يكفي أن نتفق على أنه “لا يمكن أن لا يكون هناك أي شيء”

.

.

………………

ثانياً:

.

“لا يمكن أن لا يكون هناك أي شيء”

.

.

Quotation-Nishida-Kitaro-self-Meetville-Quotes-273989

.

.

“لا يمكن أن لا يكون هناك أي شيء”….
.

.
لماذا؟ … لماذا هنالك شيء بدلا من لا شيء؟…. اللاشيء النظري ليس مستقرا …… العدم النظري لا يلبث أن ينهار ليفسح مجالا للوجود …
.

.
وما هذا الموجود الضروري؟ … إن كونه الموجود الضروري يجعله مصدر كل شيء… لذا يمكن إجابة السؤال “ما هذا الموجود الضروري” بأنه “كل شيء”…. هو الوعي الرياضي الخالص الذي سيشكل أساس الكتلة والطاقة، الانفعال والفعل، ويدشّن الحركة….. كل شيء خياله وفكره…. كل شيء هو خاطر من خواطره…. هو الحالم وكل شيء حلمه…
.

.
لو أن هذا الوعي اختار السكون….. السكون الذي لا تشوبه فكرة…. فهذا يشبه أن يغفو كل موجود سواه …. لا يمكن أن لا تكون هناك يقظة …
.

.
لنعد إذا إلى هذه الحقيقة الفينومينولوجية “لا يمكن أن لا يكون هناك أي شيء”…. التي تبرز أمام سؤال “لماذا هنالك شيء بدلا من لا شيء”…. هل يمكن أن ينهار العدم ليفسح الوجود لشيء غير واع… هل يمكن أن لا يكون هنالك وعي في الوجود….
.

.
إن العدم ينهار أمام “وعي”… وعي بأنه “هناك شيء” .. وعي بأنه “هأنذا”… وعي بأنه “ممكن”… حالة إدراك لا تلبث أن تخلق شيئا لتدركه… تنبثق عنها كتلة ساكنة، لا تلبث أن تتخلخل، وتنبثق طاقة…..
.

.
لو نام كل شيء، فقد كل شيء وعيه، يبقى هذا الوعي المناوب….
.

.
هذا الوعي الإلهي تتنازعه رغبة في الفناء ورغبة في الاستمرار…. وهذا ما يجعله كاملا …. مرونة إرادة الشيء ونقضيه …. هذا فقط ما يتيح التسامح الكامل … اجتماع الرغبة ونقيضها ….. لذا فهو يقف خلف خطاب الفناء وخلف خطاب الاستمرار اللذين تحدثت فيهما في المقال السابق…
.

.
وكل ما هو موجود يتحول وينتقل من شكل لآخر، وسنة الأشياء هي تمسكها بأن تبقى على حالها، رغبة بقاء على نفس الحالة مصدرها الرغبة في الفناء، ولكن رغبة الاستمرار تجعلها تتحول من شكل لآخر… هناك تحولات صغرى ضمن نفس النطاق، إنسان يولد طفلا ويتحرك باتجاه الشيخوخة، وهناك تحولات من إنسان إلى إنسان ومن ذاكرة إلى ذاكرة، أو من إنسان إلى حالة وعي أخرى…. رغبة الاستمرار في نفس الحالة مصدرها مركب من رغبة الفناء ورغبة الاستمرار اللتين تجتمعان في نفس الفرد… رغبة السكون في نفس الحالة ونفس الشكل ونفس العائلة ونفس الذاكرة ولكن مع حركة نسبية….
.

.
هذا مأزق لأي وعي صحا على حالة معينة فأحبها وأحب من فيها…
.

.

homer-simpson-quotes-tumblr-i10

.

.
“فأن لا يعود هو” هي مأساة، مأساة يفقد فيها هوية أحبها وارتبطت بأناس أحبهم وبذاكرة أحبها…. “وأن لا يعود” ينازع رغبة أصيلة بالاستمرار….. وكذلك أن يظل في نفس الحالة مع نفس الناس ينازع رغبة الاستمرار، كون السكون في نفس الحالة يفضي من حيث لا يعلم هو إلى رغبة الفناء…… رغبة الفناء هي كالمكابح لرغبة الاستمرار، ولكن الحركة تستمر “بالضرورة”… ضرورة أن يكون هناك “وعي”… … فرغبة الفناء تهدئ فقط من شدة رغبة الاستمرار… لتذكرها بالأصل الواحد لكل شيء…. والحركة تستمر لأن هناك قوتين متكافئتين تؤثر كل واحدة باتجاه عكس الأخرى……. وهذا يشبه قانون نيوتن الأول للحركة ….
.

.
ولكن لنعد للمأزق…. وكل ما هو مؤلم، لا بد له من علاج، والمواساة لا تكفي، فالوعي الإلهي المناوب اليقظ يشهد هذا الألم… ألم إنسان يريد أن يظل هو نفسه ضمن نطاق معين للحركة….
.

.
إن كل ما قد حدث يمكن استرجاعه ….. تشغيل هذا الدي في دي مرات ومرات….. والانتقال ذهابا وإيابا من الحالات والأكوان…. مع بهجة عبور الذاكرة القديمة وكأنها تحصل أول مرة “من جديد” فيما هو أيضا يمارس حالة جديدة، وكأنه يجزئ وعيه بين حالات لا نهاية لها ….. إذ أن قسمة شيء محدود عددا لا نهائيا من المرات مستحيلة وضرورية كتناقض ظاهري الكلام فيه قديم على الأقل قدم زينون الاليلي وحديث على الأقل حداثة هيجل…..
.

.

Zeno

.
معنى أنك كنت “فلانا”… وعشت كفلان.. ابن فلان وفلانة… وزوج هذه ووالد هؤلاء….. يجعل استرجاع هذه الحالة ممكنا….. بسهولة تفوق بكثير سهولة إعادة تشغيل فيلم سبق تشغيله…. ولتنطلي عليك حيله الإخراجية والسينارستية، يكفي أن تنساه قبل تشغيله…
.

.


إن الرغبتين الجوهريتين في الفناء والاستمرار اللتين تخلقان حركة ظاهرها غير مستقر من جانب ومستقر من الجانب الآخر وباطنها مستقر من جانب وغير مستقر من الجانب الآخر، تتحققان… ليبقى كل شيء متوازناً ذلك التوازن الباهت والمغري في نفس الوقت، المؤلم واللذيذ في نفس الوقت، الساكن والمتحرك في نفس الوقت
.

.
الواعي والغافي في نفس الوقت
.

.

ثالثاً:

.

الثمرة النهائية … وغزو الفضاء

forbidden-tree

*الشيء، كل شيء، سلسلة من الموجودات المؤقتة، سلسلة من اللحظات الكينونية؛ فكل شيء ينشأ كي يزول، وكي ينشأ من جديد. العالم يتجدد كل لحظة. فالعالم زائل وأبدي في آن: أبدي الزوال، زوالي الأبد*

الصوفية والسوريالية – أدونيس

———

في الجزأين السابقين وصلنا إلى أنه “لا بد أن يكون هناك شيء”، وأنه لو زال هذا الكون لانبثق غيره، وأن كل ما سبق له الوجود يمكن استرجاعه، وأن النقيضين يجتمعان معا، فيجتمع التقدم مع الانسحاب والوجود مع العدم والسكون مع الحركة ليدفع صراع النقيضين المجتمعين الى التطور.
.

hegel

.
هذا يدفعنا لنسأل:
.
إذا كان انهيار الكون سيفضي إلى كون جديد، لأنه لا بد من وجود كون يفضي إلى حياة، وتكون الثمرة النهائية لهذا الكون الشاسع البارد الساكن كائنا ناطقا مبدعا مثل الإنسان يختار ويبني ويخلق المعاني المركبة …. (ابن عربي اعتبر الإنسان هو ثمرة الكون في كتابه “شجرة الكون”)… ………..فهل نريد انهيار هذا الكون لينشأ مكانه كون جديد يبدأ مرة أخرى من الصفر ….
.

200px-Ibn_Arabi

.
ما الموقف من استمرار هذا الكون في الوجود، وهل نتمسك به أم لا نمانع انهياره ليبدأ غيره من جديد … من الصفر ….
.
إن البداية الجديدة معناها احتمالات جديدة…. وقد تنشأ الثمرة الإنسانية الناطقة على نحو مختلف هذه المرة وتبدأ قصة تفضي إلى تاريخ يختلف كليا عما حدث في هذا الكون ….
.

e0fcaebba43e3292b3c7531871ebca9b

.
ولكن… هل يعقل أن يستغرق الكون 13 بليون سنة حتى يفضي إلى ثمرته النهائية، الإنسان، ليخلق هذا الإنسان قصة عمرها 7 ملايين سنة فقط، ثم ينهار الكون……
.
كارل ساغان حين قارن عمر تواجد البشر في الكون بعمر الكون وجده يشبه نسبة حجم يد الإنسان إلى حجم ملعب كرة قدم ………

.


.
التاريخ الطويل للثمرة النهائية للكون هو قصير إذا ما قيس بعمر الكون، طويل فقط بالنسبة لأعمارنا القصيرة … فهذه الثمرة النهائية لا زالت تحبو في الفصول الأولى من هذا الكون، وإذا ما عرفنا أن كوكب الأرض البالغ من العمر 4 بليون سنة، أمامه بليون سنة أخرى يمكنه فيها دعم الحياة على ظهره، لأن الشمس لن ترحمه، فهذا يعني أن الثمرة النهائية عليها أن تجد مواطن جديدة لها خارج كوكب الأرض …
.
لم يستغرق الكون 13 بليون سنة في شارة البدء حتى ظهور الثمرة النهائية، بطلة الكون، لتظهر لمدة سبع مليون سنة أو حتى بليون سنة، ثم تفنى، لتعود شارة النهاية……… هذا يشبه أن تكون شارة البدء قبل المسلسل مدتها ربع ساعة وتكون مدة المسلسل بضع ثوان… وهذه مسخرة لا مجال لها
.

.
إن على هذه الثمرة الناطقة أن تجد مواطن جديدة لها في هذا الكون الفسيح …. تغزو الفضاء ….. لذا فإن دعم أبحاث غزو الفضاء اليوم هو من أشرف المهمّات التي ينبغي على المجتمعات الإنسانية المتقدمة أن تضطلع بها …
.
والآن لنعد إلى السؤال الذي طرحناه منذ قليل… إلى أي مدى نريد لهذا الكون أن يستمر قبل أن ينهار فينبثق غيره…..
.
على الأقل، إلى الحد الذي يسمح للثمرة الناطقة للكون بأن تطلق إمكانياتها إلى أقصى مدى، بحيث لا يكون عبورها أقصر من شارة البدء…
.
وعلى الأكثر، ليبق ما استطاع إلى البقاء سبيلا، وما استطاعت الثمرة الناطقة أن تبدع… حتى لو دام هذا الكون إلى الأبد ….
.

.

تلخيص لما سبق:

في الجزء الأول تحدثنا عن صعوبة هضم مفهوم الأبدية بالنسبة للذات الإنسانية احتمالية الوجود، قصيرة العمر، ونفور العقل البشري من الأبدية رغم اشتياقه لها، وعن طبيعة الإيجو البشري ومحددات تصميمه التي يمكن تعديلها لتتيح فسحة الأبدية حتى للذات المحتملة الوجود، ثم انتقلنا إلى مسألة استمرار العالم والكون نفسه، وانتهينا إلى أنه أمر عائد إلى الذات الإلهية واجبة الوجود.

في الجزء الثاني تحدثنا عن الوعي الضروري الوجود، الشاهد على كل ما يتكون ويزول، وعن خلقه للعالم، وعن أن الرغبتين البشريتين المتناقضتين في الفناء وفي الأبدية هما انعكاس لرغبتين إلهيتين باستمرار العالم وفنائه، وكيف أن توازن الرغبتين يفضي إلى الاستمرار في الحالتين، استمرار مشدود إلى أصله الساكن..

في الجزء الثالث تحدثنا عن دور البشرية في استمرار العالم الذي تلعب فيه دور البطولة، وكيف أن تشكيل الكون يظهر أن القصة لا تزال في بدايتها وأن مسؤولية استمرار العالم تقع على عاتق البشر، الذين يجب أن يحافظوا على استمرار نوعهم عن طريق البحث عن مصادر للطاقة في الفضاء (ومنها الوصول إلى الطاقة مباشرة من الشمس) وكذلك الاستيطان في كواكب الكون ومجراته المختلفة.
……………………

………..
استمرار هناك وهنا

الغيب واجب الوجود، والكون محتمل الوجود، ولكن إرادة الغيب تفضي إلى وجود الكون باستمرار، ولو انعدم هذا الكون ستوجد غيره، هذا يعني أن الاستمرار هو سنّة الوجود المحتمل الذي يتشكل ليفنى، بأمر الغيب واجب الوجود…. فإذا فني تشكل غيره…

ولكنه استمرار مشدود إلى أصله الساكن، معترف بأن الوحدة حق، يواسي لوعة الوحدة لما يسببه لها الاستمرار في الانفصال من أسى، يواسيها بحبه، لكنه يواصل … يواصل ويجعل الوحدة في قلبه، وينظر إليها بعين الممتن العاشق ….
..

 wewewe

..
وهذا هو الصراط المستقيم …. صراط الذين أنعمت عليهم (أهل التوازن بين الوحدة والانفصال، بين الفناء والاستمرار، بين الإفراط والتفريط)….. غير المغضوب عليهم (أهل الاستمرار الذين لا يلتفتون إلى الوحدة) ولا الضالين (أهل الفناء الذين لا يسعون للاستمرار)…

وفي قول الله “ابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا” إشارة إلى هذا التوازن، استمرار الدنيا (استمرار وجود لدنيا ما) في موازاة استمرار الغيب…

استمرار لا أشهده؟

لا يملك الإنسان ألا يسأل عن جدوى السعي لإطالة عالم لا يشهده، فهو وإن كان مجبولا على التكاثر، فلعله أمل فيه بأن يذكره ابنه بعد مماته، ثم يذكره حفيده…. ولكن وبعد عدة أجيال من موته، بعد أن انتشرت مادته الوراثية إلى حد ضاع معه أصلها، وذهب ذكره، ما جدوى عالم لا يشهده ….. فالإيجو مبدؤه “أنا ومن بعدي الطوفان”….
.

Death-is-the-Road-to-Awe-Clint-Mansell

.
وهو مبدأ يساعد على الاستمرار، لأن استمرار العالم قائم على أنا الأفراد، ورغباتهم الذاتية، الوجدانية والحسية….

وهذا الإيجو لا يمكن مواساته بأي طريقة حين نتحدث عن فنائه…. أي حديث لا يتضمن بقاءه هو حديث مؤلم ومرفوض وموحش ومحزن له ….

الوجود الواجب قادر على تمديد وجود ما هو محتمل الوجود إلى الأبد، وهذا لا يجعلهما متساويين، كون الواجب الوجود سيبقى دائما سابقا للمحتمل، منشئا له… محيطا به … شاهداً عليه…

ولكن احتمالي الوجود خائف، فالإيجو طبيعته الخوف، وهو مرتاب، ويحتاج إلى تطمينات من واجب الوجود بأنه لن يكون مجرد طيف خيال مرّ في خاطر الغيب، في خاطر الله، ثم انطفأ كما تنطفئ الشمعة….

 .

 1366456856_Candle-Light

.
حتى إبراهيم الخليل يسأل الله “أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي”…..

الخوف في جوهره ليس من نهاية الوجود، بل هو قبل ذلك، هو الخوف من نهاية الشهادة على الوجود، حتى لو استمر الوجود، فلا عزاء لشخص على وشك الفناء حين تقول له لا تقلق فالدنيا ستستمر بعد موتك ولسان حاله هو “فبم تبشرون” أو بكل صراحة “يا فرحتي”….

حال الأغلبية المحجوبة والقلة المكشوفة

إن محتمل الوجود هنا على عدة أنواع ….. فنوع اعتبر كل الوجود محتمل الوجود، وأنه لا يوجد وعي إلهي واجب الوجود، وهم الملحدون….. وفيهم أيضا أهل فناء وأهل بقاء ….. أهل الفناء منهم يتقبلون الموت ويقولون “الموت لا يعني لنا شيئا يكون فلا نكون”…. أما أهل البقاء، فمعاناتهم أكبر، ومنهم أهل الإنجازات الكبيرة من الملحدين الذين يريدون أن يحققوا أكثر ما يمكن تحقيقه من إنجازات قبل الموت…. بينما أهل الفناء منهم يريدون تحقيق أكثر قدر من الملذات قبل الموت ….

والنفس متقلبة وليست حادة بالشكل الذي يجعلهم يجزمون بأنه لا وجود للوعي واجب الوجود….

النوع الثاني بين محتملي الوجود هو أهل الإيمان باللسان، قوم يسلّمون فلسفيا أو دينيا أو “تراثيا” بغيب واجب الوجود، ولكنهم في اغتراب عن الإحساس به يقينا، ولأن النفس البشرية متقلبة وليست حادة بالشكل الذي يجعلها تجزم بشيء، فهؤلاء خائفون، يتقبلون الموت ويتجنبونه، يسعون للملذات (فناء) وللإنجازات (استمرار) ويحاولون مثل الملحدين تناسي الموت باعتباره بوّابه لم يعد أحد منها…

النوعان الأول والثاني هما كل البشرية تقريبا، والله يوضح للناس أنه ما كان ليطلعهم على الغيب بشكل يقلل همة الناس عن الاستمرار والكد والجهد، لأن قيام دليل قاطع أمام البشر على وجود حياة بعد الموت سيجعل عجلة الاستمرار تتوقف، فعجلة الاستمرار وقودها محاولات الناس لاستنفاد حدود الممكن، وهذا اللايقين مما بعد الموت هو الذي أدى للإبداع والابتكار والإنجازات الكبيرة….. إن كون الغيب محجوبا ومستورا هو سنة الحياة وطريقة استمرارها… وبغيرها يفسد العالم … “فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه”… نعم إن رغبة الاستمرار هذه هي وراء كل ستر للغيب عن الناس….

“وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله”…. وهذا هو النوع الثالث، نوع نادر…. ينكشف أمامه الحجاب لأسباب تستدعي تدخّل الغيب في الأحداث بما لا يتعارض مع الاستخلاف …. فبدلا من التدخل الإلهي المباشر في تصريف الأحداث، أو الإيحاء بأفكار معينة لبعض الناس (inception)، فإنه بانكشاف الحجاب لأناس معينة، يمكن توجيههم لأعمال معينة بما لا يتعارض مع الاستخلاف، كون هذا التوجيه ليس ملزما ….. وقد تحدثنا في مقال سابق “مخافة الله بين بوذا ومحمد” كيف أن بوذا مثلا اختار عدم التعاون مع التوجيهات الإلهية، بعد انكشاف الحجاب له، وهو في ذلك مارس الاستخلاف الذي هو في حد ذاته إرادة إلهية، في مقابل محمد الذي اختار أن “يسلم” لله وينفذ مشيئته بأدق التفاصيل ما استطاع إليها سبيلا.

إن الاستخلاف هنا (قبول الغيب واجب الوجود باستقلال نسبي لإرادة محتملي الوجود عن إرادة الغيب) لا يستثني من تم هدم الحجاب أمامهم، فلهم أيضا أن يكونوا من أهل الفناء أو أن يكونوا من أهل البقاء… ولهم أن يتخذوا الموقف الذي يشاؤونه من استمرار الوجود

“ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا”

….
….

…..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: