Posted by: قادر | أبريل 30, 2016

يا ليت قومي يعلمون؟

يا ليت قومي يعلمون؟
.

.

illusionist_sit.jpg

أي قيمة تبقّت للخبر وأيّ معنىً لا يزال ممكنا للحدث؟ إن العالم يتجّه إلى فتور شديد، خاصة مع سقوط البراهين، Evidence becoming obsolete.

مع هذا التقدم الهائل في تقنيات التلاعب بالصورة الثابتة والمتحركة والتحكم بالصوت وتغييره، ماتت قدرة الصوت والصورة على تقديم البرهان. مات البرهان المرئي والمسموع، ونحن الذين قتلناه. لم يعد بوسع الإعلام البرهنة على حدوث أي شيء. الحدث -في زمن التقنية- يتماهى مع الأسطورة. الإرادات الراهنة أهم من حقيقة الوقائع التي وقعت سابقاً، وهي ليست تابعة لها ولا نابعة منها. بل الوقائع هي التي تنثني لخدمة الإرادات والمواقف المسبقة. راوي الحدث أقوى من فاعله. والشاهد على الحدث هو على وشك أن ييأس من إقناع غيره بأن إدلاءه بشهادته لا غرض منه إلا تبيان الحق، ولسان حاله “يا ليت قومي يعلمون”، العبارة التي تواسي أصحاب المعرفة المباشرة، ومن ذاق وعرف وافتقد إلى برهان يثبت به لغيره ما شهد وسمع ورأى. وقد ورد عن العالم الكبير لويس باستور أنه قال:

“عندما تؤمن بأنك وجدت حقيقة علمية مهمة، وتكون متلهفاً لإعلانها، أمسك نفسك لأيام، أسابيع وحتى سنوات أحياناً. حارب نفسك، جرّب وخرّب تجربتك وأعلن اكتشافك فقط بعد نقض كل الفرضيات المعارضة”.

وينطبق قول باستور ذاك على أي حقيقة وأي اكتشاف، سواء كان في العلم أو في الحقائق الوجودية أو حتى عند اكتشاف وصفة لأكلة جديدة،. ذق طبقك وحدك مرات ومرات قبل أن تفصح عن وصفتك. اغطس في حلاوته وتقبل مرارته ووازن محتوياته وعدل عليها إلى أن تنضج هي وأنت ،حتى لا تبدو أبلها حبن تصيح: “وجدتها”، وتعيش في حسرة “يا ليت قومي يعلمون”. ذق طبقك أنت أولا، وقد تكتشف أن إفصاحك عنه في غير أوانه لا يليق أصلا، فتدفنه تحت جدار القوم الذين يستطعمهم الأنبياء فيأبون أن يطعموهم، وإلى أن يبلغ أهلها أشدهم فيقضون الجدار المقام ويستخرجون كنزك المدفون، يا عزيز القوم.

ومما ورد عن أمير النحل قوله: “ليس كل ما يعرف يقال ، وليس كل ما يقال حضر أهله ، وليس كل ما حضر أهله ، حان وقته ، و ليس كل ما حان وقته صح قوله”.

غرض البرهان هو التحقق من “هل”. هل حدث ذلك أم لا؟ هل صحّت هذه الرواية أم لا؟ ولكن أداة الاستفهام الأخطر هي “لماذا”.نعم، إن أداة الاستفهام الأخطر هي “لماذا”، كون الإجابة عليها لا يمكن أن تكون صادقة تماما، ولو أمكن في الظاهر فلأن الظاهر لا يحدثك إلا بما تطيق، وأنت لا تطيق إلا القليل. أنت أجرأ من السماوات والأرض والجبال، ولكن طاقتك مسألة أخرى، فكتفك الذي حمل الأمانة لم يحملها وحده، وما رميت إذ رميت.

ومن أهمية لماذا سؤالها: “لماذا نريد أن نعرف؟” و”لماذا نريد أن نتحقق؟” أليس العالم أعقد من أن نتخذ مواقفا تجاه محتوياته؟ نعم، ولكن العمر أقصر من أن لا نتظاهر بذلك على الأقل.
.
.

.

bill-murray-no-one-will-believe-you.jpg

.

.
محمد عبد القادر الفار
الحوار المتمدن-العدد: 5056 – 2016 / 1 / 26

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: