Posted by: قادر | أبريل 30, 2016

الكلام في مواجهة العدم

نون والقلم وما يسطرون.jpg

اللغة كانت أكبر فتح في وجه العدم. باحتيالها على ما هو كائن، لتعطيه -بوصفها له- معنى. أعطته مفهوم “المعنى” نفسه، والقدرة على التجريد، وخلق هياكل متشعبة من المعاني من خلال الوصف الكلامي والسرد. لاحظ الجملة السابقة، ولا كلمة منها تشير إلى كينونة ما، وإنما هي تجريدات. وصف الشيء يواسي خواءه، ويرش ملحا يخلق له مذاقا بعد ان كان حشوا.

في الخلاء يموت قط فيصيب زوجه حزن لا يفهمه، انفعالات لا قدرة لها على سرد ما يحدث، وتبيان مكانه وزمانه وفصل مكوناته. القط لا يفكر باستخدام لغة تخلق تجريدات مثل “حب” أو “حزن” أو “فراق”.

لينطق القط ويصف حادث موت صاحبه، وليقم -بالاستعانة باللغة- باستعادة ذكرياتهما معا. دع الأشياء تنطق، وراقب.

وصف القط لما حدث لا يمكن أن لا يحمل تأويلا ميتافيزيقيا للحدث حتى لو اقتصر وصفه على

“صديقي كان معي. صديقي لم يعد معي. صديقي كان حيا وهو الآن ميت. لم انجح في ايقاظ صديقي ليبحث معي عن شيء نأكله. أنا وحيد”.

ذلك الوصف حمل اشارات مباشرة الى كينونات ولكنه حمل تجريدات اكثرها إثارة هي “الآن” و “هنا”.

التأويل لا مفر منه. نبرة اللغة والاختيار من المترادفات يساهم في التأويل، كون اللغة لها مرسل ومتلق. والإثارة في المونولوج او الحوار الذاتي ان المرسل يصبح متلقيا أي يتذوق بنفسه طبخه اللغوي ويصبح لكلامه هو تأثير عليه في عملية تغذية راجعة هي التي تقف خلف تطور التفكير.

مراقب الحدث إذا كان ناطقا ويفكر باستخدام اللغة فإن تلقيه للحدث يلوي الحدث ويملؤه بعد أن كان مجرد تفاعل ميكانيكي بين مواد الأشياء. التأويل يملؤ خواء الحدث.

إن اللغة الآن أمام أخطر سؤال عدمي ألا وهو “ماذا بعد”. ماذا بعد كل السرد. ماذا بعد كل ما يحدث. ماذا بعد ترليون ترليون سنة. بل هو سؤال لا ينجو منه اكثر الناس تدينا “ماذا بعد مليار مليار سنة من فرز الناس الى الجنة والنار”. ماذا نسرد. وهل تضمحل اللغة مع قلة الإثارة، فنعود كالقطط.

في البدء كان الكلمة. وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده. وهو صاحب “كن”. Let there be

وهو الذي وجهنا للكلام: اقرأ

4996b7ec96c31f378265453ddd1d7bd6.jpg

يستمرّ العالم ما استمرّت القدرة على الكلام. لا تنفد الأحداث ما لم تنفد الكلمات. فإذا كان الزمن علة التغير وكان المكان علة التّكثّر، فإن الكلام هو علة البقاء، وهو الحافظ المحفوظ.

بالكلام خرجنا من العدم بمعجزة، وبالكلمات نتجنب العودة إلى العدم،،، بمعجزة أعجب.

قال عزّ من قائل:*ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم*

13417081151.jpg

محمد عبد القادر الفار
الحوار المتمدن-العدد: 5055 – 2016 / 1 / 25

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: