Posted by: قادر | أبريل 30, 2016

الزوغزوانغ … واستحالة اتباع الحق ..

php4TwG3W

اتباع الحق المطلق هو خطاب الحد الأقصى ……. وهو مسعى الحد الأقصى … السقف الأعلى … وفكرة “اتباع الحق” لا يمكن أن تغيب…. كخطاب وكشعار وكفكرة….. كحال كل خطابات الحد الأقصى، تشدّ في النهاية إلى حالة معتدلة من الطرف الذي كانت تدعو إليه… وإذا مالت عن الاعتدال باتجاه مُناها، جاءها جهد الطرف الآخر ليعيدها إلى رشدها، أبعد من خط الوسط، نحو انطلاقتها، وبهذا يكون الطرف الآخر قد مال، فتعيده هي إلى رشده خلف خط وسطه، حتى يتعادلا، فيميل أحدهما من جديد


وذلك هو مثل الحق والباطل..

ولماذا لا يمكن اتباع الحق ؟………

الاتباع يكون لمعرّف ….

والحق منثور نثرا …. … متوزع على الخطابات والمواقف والسلوكيات والمشاعر والإرادات….in bits and pieces….. مخلوط حد الانحلال مع الباطل، خليلين وخصيمين…figure-ground ….. يجلي وجود أحدهما الآخر ويعرّفه….. وإذا كان الحق يعرف بذاته فهو أيضا يأخذ ملامحه بمعرفة الباطل، وكما أن الباطل يعرف بذاته فهو يأخذ ملامحه بمعرفة الحق …..
تتبع الحق يعني امساك كل هذه المحاليل بغية ترشيح الحقّ والباطل، والأخذ بالحق وترك الباطل، وهو أمر لا سبيل إليه…. ولو أمكن نظريا، فهو عمليّا مستحيل …. بمعنى أن تمثيل الحق الخالص على أرض الواقع غير ممكن…

فهل يمكن اتباع الباطل؟

حتى الباطل المحض لا يمكن اتباعه، ولكن… طالما أن كل ما لم يرتق إلى حد “الحق الذي لا يشوبه باطل” هو في النهاية باطل لمن أراد اتباع الحق….. فالناس بشكل عام هم أهل باطل، فضل أحدهم على غيره طفيف، ويشهد بذلك عارفو فضلهم من قوى الغيب التي هي أقرب لكل واحد من حبل الوريد…………

الله أقرب إلينا من حبل الوريد…… لكننا في نفس الوقت نعرج إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة …….. قريب حتى انه لأقرب للواحد من نفسه وبعيد إلى حد يصل بالبعض إلى إنكاره في الظاهر……. وكذلك الحق والباطل …. في بعدهما وقربها…….
بسيطة ….. طريق الحق إذا هو الطريق الذي يكون تركيز الحق في محلوله أعلى من تركيز الباطل ……………

هذا هو الرد المباشر والظاهر والبسيط ….

ولكن تركيب المحلول ليس مباشرا بحيث يمكن قياس تراكيزه…… بل ان محاليل هذا الوجود تخالط بعضها وتغير تراكيزها وتنقلب من حال الى حال………ومن شأن إلى شأن ….حتى يصبح الحديث عن ترشيح حق لا باطل فيه استحالة لا ريب فيها
هذا عن الحق كمنهج…. أو كطريقة…. أو كمتلازمة من المبادئ …….. ولكن … الحق أبلج في الجزئيات.. أليس كذلك؟ ….. قتل الناس مثلا… أن آتي لشخص من الباب للطاقة وأقتله …. هذا سلوك باطل لا يمكن أن نختلف عليه أليس كذلك …. ومساعدة شخص مريض او عاجز على تصريف أموره أو مساعدة يتيم أو إطعام مسكين، كل هذا حق لا ريب فيه.. أليس كذلك……..
نعم هذا باطل وذاك حق على المستوى الظاهر،، ولكن ما ان يزيد العلم بالتفاصيل، وببواطن مجريات الأمور، وبما حدث وسيحدث، حتى تبدأ الأمور تختلف….. فقد يصبح قتل ذلك الإنسان تجنيبا له ولغيره لقصة مأساوية كانت ستحصل لا محالة لو عاش… ويكون من قتله -حتى لو قتله عدوانا وظلما لا علماً بما سيحدث وتجنيبا له إياه- قد قام بالحق بنية الباطل ….. ومساعدة مريض أو عاجز قد يتبين أنها ستقود إلى شر كبير، لو علمه الفاعل ما فعله، فهو قام بالباطل بنية الحق ….

ولكن الإجابة على هذا سهلة: الحق أبلج بقدر علمك به …. تصرف وفقا للعلم الأكيد الذي بحوزتك …… اتبع الحق بهذه الطريقة …. وهذا يجعلك بريء الذمة….. ولنكن واقعيين، إن احتمالية شر ينتج عن مساعدة مريض أو خير ينتج عن قتل بريء هي أقل بكثير جدا من الاحتمال المعاكس، فافعل الخير الظاهر… جنب الناس الآلام وأعطهم ما يحتاجون، وزدهم من اللذات إن استطعت، وكن عادلا بينهم … وكفى الله المؤمنين شر القتال….

أما إذا كانت الصورة الأكبر متاحة لك، وكان بوسعك تجنب الشر الأكبر من خلال شر ظاهر على المستوى الأصغر، وكان مردود الحق والخير أعلى… فاتبع ذلك الحق…. وقاتل أهل الحق الظاهر الذين سيقاتلون باطلك على المستوى الأصغر، الظاهر لهم… ولو قتلوك فهم على حق …. ولو قتلتهم فأنت على حق …..

وقديما قال الحلاج لقاتليه “اقتلوني تكتبوا عند الله مجاهدين، وأكتب أنا شهيد”……….

وفي قصة موسى مع الخضر، إشارة رمزية إلى هذا التعقيد في الخير والشر…. فيروي لنا أحداثا فيها نية للحق وراء كل فعل باطل ….. ..حتى في ما يتعلق بالموت والحياة … والقتل … وكون الحياة الدنيا وراءها حياة أخرى لا يبطلها القتل… يجعل من يبصر ما يحدث للمقتول أو الميت بعد وفاته من استمرار لا يبالي للقتل قدر مبالاة أهل الظاهر الذين يفقدون الميت… حتى وإن غلّظ في تجريم القتل “فكأنما قتل الناس جميعا”………. فالتغليظ هو لأنه على مستوى من المستويات على الأقل سيكون الموت فاجعا………..

والقرآن بإخباره لنا هذه القصة، لم يهدف إلى أن يقول لنا إلى أن نية الخضر هي خير ولو فعل الباطل في الظاهر، فالخضر ليس معرّفا في القصة، ولا يذكر اسمه ولا يصفه….. بل الفكرة هي أن الحق والباطل يقود أحدهما إلى الآخر …. لذا فهو حين رواها لنا فتح لنا باب افتراض قصة أخرى…. يقوم بطلها بأفعال كلها خيّرة في الظاهر، ولكن كلها بنية الباطل….

ويروي بوذيو الزن القصة التالية:

فلاح مسن عمل لسنوات طويلة في الزراعة. ومرة فر حصانه بعيداً. سمع جيرانه الخبر فجاؤوا لزيارته. قالوا له بتعاطف: “إنه لحظ سيء” فقال: “ربما.
“وفي الصباح التالي عاد الحصان ومعه ثلاثة أحصنة برية. فاندهش الجيران وقالوا له: “إن هذا لحسن جداً” فقال: “ربما”.
في اليوم التالي، كان ابنه يحاول ركوب أحد الأحصنة غير المروضة فرماه الحصان وكسرت ساقه. أتى الجيران مرة أخرى ليعرضوا تعاطفهم معه لسوء حظه فأجابهم الفلاح المسن: “ربما”.
وفي اليوم التالي جاء رجال الدرك إلى القرية ليسوقوا الشباب إلى الجيش. وتركوا ابن الفلاح بسبب ساقه المكسورة. فهنأه جيرانه فقال: “ربما”…………….

الحياة سيناريوهات ظاهرة لأبطالها المباشرين، نيتك فعل الحق ضمنها، تجعلك تلتزم بالنص الذي تقرأه لدورك …. أي بمبلغك من العلم، أي أن الخضر لو رأى غلاما في الطريق وهو لا يعلم ما سيحدث من شر لو عاش، فهو مطالب بإكرام الغلام لا قتله، ولو قتله في هذه الحالة، فقد فعل إثما، حتى لو كان هناك خير من وراء الباطل، فهو لم يقصد الخير وإنما الباطل بفعله هذا …..
إنها الافيديا اذا ….. المعرفة الناقصة أو الخاطئة، هي شرط الالتزام بالأدوار…..وهي وراء تحديد الخير والشر في أي مستوى…. وليس لأهله طالما لم يتجل لهم المستوى الباطني له أن يحكموا بما لم يعلموا… (ما شهدنا إلا بما علمنا)…
ولو سقطت كل الحجب وعرف الكل كل شيء سيؤدي له كل فعل، سيتقيد الجميع، وسينظر جميع الممثلين إلى الكاميرا ثم إلى وجوه بعضهم، ولا يعود انطلاء أي شيء ممكنا بالمرة…
هذا السيناريو النظري لاتباع الحق …… سيقود إلى حالة تعرف في الشطرنج باسم “زوغزوانج” Zugzwang…. حيث أي حركة تعني خسارة اللعبة … وفي حالة الحق والباطل، سيصبح من حتميات أي حركة أن تميل بصاحبها عن الحق…….

هل الحركة هي الباطل والسكون هو الحق؟؟؟

ولا هذه … بل كلاهما حق وباطل …. فالحركة إطارات والسكون شحمة….. والإطارات إلى الشحمة تبدو أحوج من الشحمة إلى الإطارات …. “تبدو”…. و””لو”” اعتبرنا الحركة أو الإطارات هنا هي الباطل -فمن ناحية أخرى يمكن اعتبار الحركة بركة، وكما يقول المثل الإيد البطالة نجسة- فسيسهل علينا أن نفهم لماذا تحتاج خطابات الباطل أن تطعّم نفسها بشيء من الحق…. فتجد خطابا هو في جوهره دعوة عنصرية ولكنه يتضمن عدالة اجتماعية، أو خطاب حرب يدعو إلى العدالة …. الباطل يحتاج إلى بعض الحق ليروج لنفسه… بينما لا يبدو أن خطابات الحق تحتاج إلى تطعيم نفسها بالباطل، فالحق لا يحتاج الى الباطل ليروج لنفسه …… وهذا لأننا محكومون بتقدم الزمن إلى الأمام،، فلا نلمح الحقيقة بسهولة، حقيقة نراها حين نعود ونمشي الطريق في الاتجاه المعاكس، فالخطاب العنصري مثلا الذي تضمن عدالة اجتماعية ظاهرة ليخفي نية الباطل، يمكن أن يصبح عدالة اجتماعية تتضمن خطابا عنصريا، وبنيّة العدالة الاجتماعية تتبنى خطابا عنصريا ضروريا… فالظاهر لنا أن الإطارات لا تستغني عن الشحمة لحاجتها إلى الحركة، بينما الشحمة لا تحتاج إلى الإطارات لتتجنب ألم سحقها بينها…. ولكن الشحمة بدون الإطارات تفقد تعريفها، ولا يعود هناك من ينتجها……..

ولكن ……….. ماذا لو أمكن نظريّاً ……… إنتاج خطاب يمثل الحق المطلق …………… استنطاق هذا الحق في أصفى حالاته… ألن يكون خطابا أحق بالاتباع

في الحقيقة نعم …. سيكون أحق أن يتبع …. ولكن في نفس الوقت، لن يلاحظه أحد…… وإن فعلوا لن يهتموا له… ولو اهتموا لن يتبعوه….. فهو باهت للناظرين، ولا يغري أحدا بالاتباع، لا أهل الباطل الظاهر ولا أهل الحق الظاهر..

والعمل؟

العمل هو أن نمارس الحق الأبلج في حدود مبلغنا من العلم …. وفوق كل ذي علم عليم

وفائدة كل ما قلته في هذا المقال إذا؟

أن لا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما أتانا….

ونتقبل ما نطيق تقبله….. من الأحداث بالذات … ومن الخطابات …. ونوسّع دائرة احتمالنا وصبرنا ….. إلى أقصى مدى

محمد عبد القادر الفار
الحوار المتمدن-العدد: 4637 – 2014 / 11 / 18 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: