Posted by: قادر | مايو 1, 2016

معنى الجسم البشري

3f1baa0812f35ac2910feeaf463a8d9c437a9b19.png

 

الجسم المادي مُعطى مرتبط بالحضور في هذا العالم…. سابق لاكتشافه …. مسلــَّـم به لمن يسكنه ….

هو أداة الحركة … أداة يسكنها مـُـطلق هو فوق المكان ….

وهو مـَعْرض تقدم الزمن… في حين أن ما يسكنه هو فوق الزمان …

وبمفردات الوحدة فإن الجسم في حد ذاته حالة من الوحدة بين مكوناته تشكل حدّا بين الأنا والأنا الأخرى…

الجسم هو حد الأنا.. خوف من المطلق اللامحدود الذي لا ملامح له… حدٌ حجته التمييز.. وذريعته الجمال… وضرورته الحضور .. والشعور … في عالم القطبية…

أن يستوعب الوجود نفسه على شكل مجموعة من الذوات الشاهدة….. يحتم عند لحظة “نسي الله أنه الله” دائمة الحدوث… أن ينكمش جانب من الوعي “افتراضيا” إلى حدود جسم مادي يعرّف ذاتا شاهدة… لها حدودها…

إن طابع الجسم هو المحدودية … والجسم هو منشأ الخوف …. الخوف عليه من العطب .. من التشوه … من الضعف… من الزمن.. والخوف من الانطباع الذي يتركه عند الآخرين … الشهود الآخرين… والخوف من الحدود التي سيفرضها هذا الجسم على فرص التفوق والقوة والجنس والحب …

الخوف متعلق بالجسم أساسا… لأن الجسم هش… معرض للأذى … يسير مع مرور كل ثانية باتجاه الشيخوخة والموت والانتهاء الى كومة عظام … فإذا انكمش “القادر” الساكن داخل الجسم إلى حدود الجسم متصورا أنه جسم، فهو لا محالة سيكون فريسة للخوف الواعي واللاواعي… في كل لحظة ومع كل نفّس …

ولكن الجسم هو بوابة الوعي على كل فكرة وهاجس… كل صورة وكل صوت وكل ملمس وكل رائحة، استقبلها الجسم بطرق مباشرة وأعضاء واضحة… كل المفردات البصرية والسمعية التي يمكن للعقل أن ينسج منها ويتخيل دخلت من الجسم… والدماغ هو جزء من الجسم.. وهو الذي يتذكّر ويدرك ويتحدث وتدور داخله الأفكار..

من الطبيعي أن ينتج الجسم كل هذا الخوف إذا … إن التجسد هو أصلا مدخل نظام إنتاج الخوف….

إن الجسم هو طريقة المطلق لخوض تجربة الضعف … فالجسم هو ضعف غرضه التمييز (بين الشهود) … وذريعته الجمال…. لماذا ينكمش المطلق الذي لا يمكن تعريفه بشكل .. (فهو فوق الأشكال) .. إلى التعريف بشكل محدود؟.. إنه يخرج بغرض خوض المعاني … خوض الحب .. وتحقيق الاحتمالات …

ولكن الذريعة الأدبية لوجود الجسم …. الجمال.. تبددها ضرورة تحقق كل الاحتمالات … التي تتحقق ولو على حساب الجمال … تخوض النقص والوفرة .. القوة والضعف.. الألم واللذة…

تخوض نقص الشيء (نقص الجمال او القوة في حالة الجسم)… لإدراك قيمته من غيابه …. ونقص الشيء لا يمكن إدراكه إلا إذا قورن بوجود الشيء عند الآخر …

وتخوض فائضا من الشيء.. فيتحول إلى معطى جاهز.. يستمد قيمته عند مقارنته بنقصه “عند الآخر” … *عد إلى مقال “حين اكتشف الله أنه الله”

فإذا كان الجسم الجميل يشدّ الشاهد إلى الحضور… فرحا بالتجارب المتاحة لجسمه جميل … والانطباعات التي يتركها الجسم الجميل عند الشهود الآخرين.. والتي يستلذ بها الإيجو… فإن الجسم كلما افتقد الجمال.. يقترب من استيعاب قيمة “الجمال” الموجودة داخل الساكن فيه… غير الظاهر عليه .. ولأن الجسم هو معرض للزمن … فإن الجمال لا يدوم … لينتبه الجميع في النهاية إلى أن الساكن في الداخل هو فوق الصور … وهو الخالق للصور … المستلذ بها … المحول لها .. صورة بعد صورة.. حياة بعد حياة

*إرادة الجمال*

يريد الإنسان أن يكون جميلا رغبة في ترك انطباعات عند الآخرين بالانجذاب إليه على نحو يرضي الأيجو، هذا أولا… وهو يريد أن يكون جميلا لينفتح على تجارب جديدة… يفتحها له جمال جسده… تجارب تتوقف على إرادة الشهود الآخرين… تجارب يتيحها الشهود الآخرون…

في شوق الإنسان إلى الحرية التي تنازل عنها منذ وطء الوجود الافتراضي، مختارا النسيان وتوهّم العجز… في شوقه إليها يصبح نقص الشكل قيدا على حريته… أكثر ما يحول بينه وبين ما يريد هو جسمه…. لذا فهو يتوق إلى أن يكون هذا القيد جميلا على الأقل …. يجذب سائر المقيدين ويفتح أبواب اللذة ويرضي نزعات الإيجو…

*الخلود في نفس القصة-الذاكرة؟*

مع تقدم المعلومات والتكنولوجيا …. بدأت أفكار (ما بعد الإنسانية) تتجرأ على فكرة الموت… وتبحث عن تقنيات تحقق الخلود … وهناك من يتحدث جديا اليوم عن نقل الوعي إلى “افاتار” جديد … جسم يتم تصميمه ليبقى… وتتم صيانته … جسم يحقق القوة والجمال والاستمرار..

إن الموت كان دائما كما قال فيتغنشتاين “حدثا خارج العالم”…. بموت الجسم.. يصبح التواصل مع الوعي الذي كان داخل الجسم مستحيلا…. المادي هنا سيقول ان الوعي انتهى… المتدين سيقول أن الوعي انتقل الى مكان آخر (بحسب إيمانه).. الروحاني سيقول شيئا آخر … وهكذا

فهل يمكن تحويل الموت من حدث يحدث “خارج” العالم إلى حدث يحدث “داخله”…؟؟

إن القدرة على نقل الوعي من جسم إلى جسم .. هو موت فعليا … يحق لمن سيخوض ذلك أن يقول أنه مات قبل ذلك … جسمه السابق قد مات .. واصبح يتحسس عظام جسده السابق… لجعل عملية الموت كاملة يمكن لمن يختار تغيير الافاتار ان يختار مسح الذاكرة كاملة… ليعود شخصا جديدا … على طريقة التناسخ .. ويبدأ من جديد… هذا أيضا يحل مشكلة من يقولون أن الإنسان سيسأم الأبدية …. (ارجع إلى مقال *معنى النسيان)…

بهذا ينتقل الموت من حدث خارج العالم إلى حدث يحدث داخل العالم …

إن ذلك لا يصلح مع نظام إنتاج الخوف … إلا إذا كان صالحا للاحتكار…. أي كانت عملية نقل الوعي عملية مكلفة يبقى بموجها الاغنياء على قيد الحياة …

لأنه بالنسبة لنظام إنتاج الخوف، لا يجوز إنهاء الموت لأن ذلك يعني نهاية النظام …

سيصبح الموت هنا (بمعنى أن يكون الموت حدثا خارج العالم) حكرا على الفقراء؟

ولكن أيضا حتى حين… فنظام إنتاج الخوف يؤجل فقط … يؤجل قدره الذي لا مفر منه…

إن أفكار ما بعد الإنسانية من جهتها تؤجل انتحار الإنسانية (راجع موضوع “غاية التقدم كشف الإنسان2*) … لاختيار نسيان جماعي … او موت جماعي.. للتواصل مثلا مع ما هو “خارج العالم؟”..

ان معنى الجسد البشري تطور كثيرا مع تطور الإنسان ….. ولكنه حتى الآن.. وضمن ما نعرفه من تاريخ… لم يشهد تحولا جذريا يحول الإنسان نفسه.. من كائن مهووس بجسده … إلى كائن يعترف بأنه الساكن داخل الجسد

ومن يدري … ان الاحتمالات كلها تحدث … كلها تحت السيطرة ..وعالم الغد الفتي واهب الحياة،المتحرر من قيد الجسد، يليه عالم بعد الغد، وبعده بعده… في وهم الحلقة الزمنية…. والتاريخ لا ينتهي …

شيء واحد يجب أن نعرفه جيدا …. نحن بأمان … داخل الجسد أو خارجه.. داخل الجسم أو خارجه … في بحر الوحدة

الجسم البشري هو وسيلة خوض العجز… والإيجو الناجم عن وجود هذا الجسم هو ما يخوض الخوف… لأن هذا الجسم يتجه نحو الموت، ويتجه نحو الفقدان والهرم والضعف … فجماله لا يدوم… وقوته لا تدوم .. من هنا تنشأ عجلة الإيجو، وحرصه على استنفاد كل حدود ما هو ممكن لهذا الجسد من إرضاء غرور الإيجو بجمال جسم صاحبه، أو التلذذ بجمال أجساد اللآخرين الذي يتاح له من خلال جمال الذات او قوتها … والجسد هو الوسيلة لخوض كل ذلك …

في حال وجود جسد كامل، قادر على تحويل نفسه ليكون في أجمل شكل … قادر على استعادة قوته دائما … لا يؤثر فيه الزمن … ولا يمكن أن يصاب بإصابة أو عجز أو تشوه لا يمكن إصلاحه، فإن كل الحدود تنتهي … والنقص اللازم للحركة في أرض الخوف يتبدد ..

وفي حالة عدم التجسد (أي الوجود في نفس هذا المشهد دون جسد)… فإن الحدود أيضا تتبدد إذ أن الخوف هو دائماعلى الجسد.. وحتى حين نخاف على من نحبهم، فهو خوف على أجسادهم بالدرجة الأولى ..

ما معنى الجوع دون جسد؟ وما معنى الجوع مع جسد كامل؟

ما معنى الكبت دون جسد؟ ما معنى الكبت مع جسد كامل جميل كل الاجساد متاحة له؟

إن تجاوز الجسد يكون إما بإلغائه … أو بالوصول إلى الجسد الكامل… والجسد الكامل هو الجسد الذي يمكن تبديله وصيانته وتجميله بلا حدود … ودون قيد من الزمن …

ما القصص والحبكات التي يمكن خوضها مع تجاوز الجسد ؟.. كل القصص حتى الآن كانت متمحورة حول الجسد… مهما توهمنا العكس..

إن الخوف من الموت كان خالق الحركة ومسبب الصراع،، الصراع على المتاح في وقت محدود… وبتجاوز الجسم (سواء بإلغائه أو بجعل الجسم كاملا) فإن هذا الخوف المحرك يتبدد

كذلك الدافع الجنسي … القوة الدافعة للحياة … سيختلف معناه كليا عند تجاوز الجسد … فهو سينتهي في حالة التخلي عن الجسد… وسيختلف معناه في الجسد الكامل إذ لن يعود التفاضل في الجمال والقوة موجودا… وسيتم تجاوز الكبت..

لقد كان الجسد هو أساس كل النشاط الإنساني … الذي يتعلم ليعمل ويبذل الجهد ليبني ويسكن هذا الجسد، ويطعم هذا الجسد، ويريح هذا الجسد، ويزوّج هذا الجسد، ويخوض كل التجارب بهذا الجسد…

كل هذه الأشياء ستختلف معانيها بتجاوز الجسد…

إنّ تطور تكنولوجيا هندسة الجينات وكذلك تطور مشاريع أنسنة الآلات (انظر إلى مشروع الملياردير الروسي ديميتري إيتسكوف) يعدان بتجاوز الجسد، وتجاوز شروط المادة الوراثية، وجعل عملية التجسد عملية محسوبة تسمح بانتقال الصفات المرغوبة فقط.

سيتم تجاوز عدد من الأوهام بذلك، منها قصة سوء الكبر، وأرذل العمر، واعتبار الضربات والأمراض التي يتعرض لها الجسد عقابا، ولن يكون الوصول إلى الجسد الجميل أو القوي إنجازا أو تقديرا لجهد .. أو انعكاسا لاستحقاق .. أو مجرد عملية آلية يلد بها
الجميلون الجميلين، ويحكم التقاء مادتين وراثيتين على ناتجهما..

سيصبح تحويل الجسد عملية لا جهد فيها … وليست شيئا نقبض عليه ونتبجح به … فرحين بمحدوديته التي تضمن لنا التفوق على من يعجزون عنها… او ناقمين عليها طوال عمرنا، متحايلين عليها إما بالتظاهر بالانشغال عنها، أو بلعب دور الضحية …

إن تجاوز الجسد لا يتناغم مع نظام إنتاج الخوف.. ولكن نظام إنتاج الخوف هو متجه نحو نهايته منذ بدايته … كذلك فإن تجاوز الجسد يؤبد الحياة في نفس المشهد…. وهذا ما قد يتنازل عنه الإنسان طوعا… حين يوقن بأزلية الساكن داخله… ويختار أن يواصل الرحلة في مشهد جديد …. سيمتلك الإنسان الفرصة لتوجيه رحلته … في وجود هو دائما خارج السيطرة … ولكن في نفس الوقت .. في أمان..
.

.

. محمد عبد القادر الفار
الحوار المتمدن-العدد: 4277 – 2013 / 11 / 16

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: