Posted by: قادر | مايو 1, 2016

مخافة الله …. بين بوذا ومحمد

مخافة الله بين بوذا ومحمد …….
.
.
.

Malala_Yousafzai_Role_Models_1.jpg

*بوذا وعدم الخوف حتى من الله*

إلى أي حد تخلص بوذا من الخوف؟

إلى الحد الذي جعل منه “قادرا”… إذ أنه لا يمكن هزيمة من لم يعد يخاف من أي شيء

لم تعد فكرة وضعه في كيس ضيق فيه مجموعة من الجرذان الجائعة تنهش جسده وهو مقيد داخل الكيس تخيفه
ولا فكرة نار تحرق وجهه وتذيب عيونه وهو مقيّد لا يستطيع الهرب منها
ولا فكرة مجموعة من الزواحف تهجم عليه وتلتهم جسده وهو ينظر إليها عاجزا عن الحركة…
ولا فكرة السقوط في هاوية لا نهاية لها
ولا فكرة صوت هائل الخشونة والعلو يخرق أذنه
ولا فكرة مرور ترليون سنة
ولا فكرة رؤية كل من يحبهم يذوبون أمامه ألما وحزنا وخوفا من النهاية
ولا فكرة ان يفقد كل حواسه وكل اعضائه

لقد وصل إلى مرحلة “أن يكون”…. وهذا هو القادر الذي يعلم أنه قادر….

Battle_with_Mara.jpg

ولكن ما الذي دعاه لمواجهة كلّ هذا الخوف أصلا….

إنها رغبته في التحرر من السماسارا …. من دائرة الموت والحياة والانفعال والفعل والسببية، التي لا تنشأ إلا من “الافيديا”… الاعتقاد الخاطئ… لأنه حتى تنطلي عليك أي حالة أو قصة أنت تعيشها، لا يمكن أن تعرف كل شيء، فهذا يفسد القصة ويكشفها وينهي كل الهويات والأدوار.. …هي رغبته إذا في التحرر من كل هذه “المسرحية”…. وكل دور يمكن أن يفرض عليه أن يلعبه فيها …

أن يتحرر من أي فرصة للألم، مضحيا في سبيل ذلك في أي رغبة في اللذة، لأن الرغبة في اللذة هي التي تؤدي إلى الألم…

أراد أن يفلت تماما كل شيء كان يمسكه…. وحين تخلص من كل أشكال الخوف أصبح بإمكانه أن يفلت كلّ شيء…..

والآن لنسأل سؤالا من داخل هذه الساماسارا وما تحتويه من “معرفة خاطئة” ضرورية لاستمرار عجلة “الحياة” التي لا طائل منها من وجهة نظر بوذا….

ماذا لو أراد بوذا أن يعود…. أن يعود إنسانا … أن ينبعث من جديد من عدم النيرفانا واللاوجود المتيقظ، إلى حالة إنسان يعاني من جديد ويسأل الأسئلة الوجودية ويشتاق للذة ويهرب من الخوف ويؤلمه موت من يحبهم ويخاف من مسيره نحو الشيخوخة ثم الموت..؟

السؤال في حد ذاته خاطئ بالنسبة للبوذية، ويدل على عدم فهم حالة النيرفانا من حيث أنها إدراك كلي، وفهم تام لحقيقة أن “الذات” كانت مجرد قناع، وأن الذات أساسا غير موجودة …

ولكن السؤال يطرح نفسه بقوة بالنسبة لذات خاضعة لشروط الساماسارا، ذات أقصى تجريد يمكن أن تصل إليه هو “كوجيتو إرجو سوم” أو “أنا أفكر إذا أنا موجود”… ليست الفكرة فقط موجودة هنا بل المفكّر ….. بينما الأمر عند من يفهم أن الذات ليست موجودة هو “أنا أفكر، إذا الفكرة موجودة، وليس المفكّر”…

ولكن هناك ثمّة مفكّر … وكل ما يفعله نفي الذات هو “إحالة” الفكرة إلى مصدر آخر …. وفي نوبات “اختلال الأنية” أو انفلات الشعور بالأنا depersonalization فإنك قد تشعر أن الذات التي أنت معتاد على أنها “أنت” ليست هي من تفكّر ولا هي من تفعل… هذا يبعث الذعر في من تصيبه هذه الحالة… وإلى أن يعود إحساسه بذاته إلى الوضع المألوف…

بوذا يسعى إلى حالة النيرفانا .. وهي حالة لا “أفكار”فيها… وبالتالي كون نفي الذات سيحيل الفكرة إلى مفكّر آخر ليس موضع اهتمامه

هذا يعيدنا إلى حقيقة أن بوذا تجاهل الآلهة، واعتبر أمرها غير مهم … فإذا كانت الذات وهمية، وما يجعلها تبدو حقيقية هو تدفّق أفكار المفكّر “الإله” من خلالها لتبدو هي المصدر، فإن انطفاء التفكير يحررك من وهم الذات وكذلك يحررك من الآلهة…

مواجهة بوذا كانت مع من إذا …

هل كانت مع الله ؟ ….

لا … هي كانت مع “إرادة الله” في الاستمرار…. انحيازا “لإرادة الله” في عدم الاستمرار…. التي تحدثنا فيها في المقال السابق “الموقف من استمرار الوجود -2-“… حيث أن كمال الله يتطلب أن يريد الشيء ونقيضه بمرونة كاملة تتعاطف مع الرغبة في الوجود والرغبة في اللاوجود، كحالة متعادلة سبحانية..

هل هذا يعني أن بوذا أساء فهم الله ؟

لا…بل هو أدرك حقيقة فكرة “الاستخلاف” وأراد أن يستنفدها لأقصى الحدود، بالتحرر منها …

فرغم أن أفكار العقل المفكر تتدفق من المصدر الإلهي … إلا أن المصدر الإلهي ترك عنصر “الاختيار” … وهذا العنصر هو النفخة التي تحيل الذات إلى شيء موجود … وليس مجرد كائن آلي … وعلى هذا العنصر “الاختيار”… اختار بوذا أن يتمرد … انه اختار أن “لا يختار” شيئا بعد الآن … ولا ينحاز إلى شيء بعد الآن …

وكل ما واجهه من خوف ورعب وإغراء وهو في طريقه للاستنارة كان العتب الكوني لاختياره الانسحاب من المسرحية، عتب واجهه بوذا بشجاعة، رافضا أن يلعب أي دور بعد ذلك .. وينسحب إلى اللاوجود، الموجود فعليا …

مارا لم يكن شيطانا …. بل كان جانب الحركة والاستمرار في قوى الكون …

وبوذا لم ينسحب كليا … وها نحن نخوض في قصة استنارته من داخل الساماسارا ..

وحين عاد ليبشّر …. دعا الناس إلى سلك طريق الوسط …. واختار الطريق المعتدل بين انغماس الذات في شهواتها وإهلاكها بالزهد، مع انضباط ذاتي صارم (راجع مقال: اللاعنف في العقائد الأسيوية)

ولم يكن بوسعه أن يكون كل تركيزه هو دعوة الناس لأن تكون هذه آخر حياة لهم ويدخلوا بعدها في نيرفانا الفناء، فالدارما ليست مجرد دعوة للفناء، بل إن أغلب التعاليم كانت عن كيفية العيش في هذه الحياة نفسها …
الأهم هو أن البوذية لم تدع إلى عدم التكاثر….. وكان حريا بداعية الفناء أن يحث الناس على عدم التكاثر للعمل على إنهاء هذه “المسرحية”….

ما الذي فعله بوذا إذا ….. هو كان تعبيرا عن رغبة الفناء في موازنة رغبة الاستمرار….
.
.

*محمد … ومخافة الله كفضيلة*

رغبة الاستمرار سيأتي من يمثلّها بشدة، على هيئة إنسان عربي، إذا ما استغرق في تأمله وغاص في الباطن وساورته شكوك حول الأنا وهي هي حقيقة أم لا… فواجهه الكون بالتخويف … حاول فهم دافع الكون للتخويف… وتعاطف معه …

سيبسيبسيب.jpg

لذا فهو لم يواصل مقاومة التخويف الذي مارسه الكون (قاومه في البداية “ما أنا بقارئ)… بل اعتبر مخافة الله اقصی فضيلة.. لأن هذا الخوف سيردع الإنسان عن محاولة السعي إلى الفناء، بل إن الإنسان سيسعى إلى جنة عرضها السماوات والأرض بعد الحياة، التي عليه أن يعيشها.. ويعمل فيها … فسيرى الله عمله ورسوله والمؤمنون، والجنة لا تنال بالانتحار …

بوذا ذهب للتأمل هربا من العالم، وسعيا إلى اللاغاية.. والتخلص من وجوده…

بينما ذهب محمد إلى التأمل ليفهم العالم… ويفهم الغاية… غاية العالم وغاية وجوده..

لذا كان من الطبيعي أن ينتج الإسلام بعد ذلك سياسة وتوسعا وفتوحات تتناغم مع رغبة استمرار العالم، استمرار قائم عن الصراع والحركة لا على السكون…. فالعربي يسأل عن الغاية …. ولا يسأل عن اللاغاية والوصول إلى الاستنارة الداخلية بالتأمل على طريقة بوذا…

تأمل محمد كان هدفه الوصول للغاية..

أما بوذا فرأى ان الرواية عبثية وانه لا غاية…وإذا كانت هناك ثمة غاية للانسان فهي التحرر من وجوده في الرواية

وهذا دفع بوذا لاعتبار رغبة الاستمرار مجرد وهم يخلقه الايجو المتمسك بالاستمرار في الوجود في الرواية…

ومثلما لم يستطع بوذا أن يلتزم كداعية للفناء الكلي فلم يدع الى التوقف عن الانجاب والاتفاق على الانقراض، فإن محمد لم يلتزم كداعية للاستمرار الذي لا هوادة فيه… لذا تجد في خطابه مساحات للتسامح والجنوح للسلم والزهد، وتستشعر رغبة لديه في انتهاء العالم على شكل “يوم القيامة”…

عدم التزامه الكلي هذا فتح الباب لاحقا للصوفية، ممثلي رغبة الفناء في الإسلام… خاصة من يسموّن غلاة الصوفية، أهل الحب اللامشروط، والمدائح النبوية في نفس الوقت …

إن عدم قدرة بوذا على الالتزام الكلي بالفناء في دعوته وعدم قدرة محمد على الالتزام بالصراع الكلي (وقود الاستمرار) في دعوته هو عين التوازن … هذا العجز هو التوازن

فأيا كان ميلك … فأنت لن تميل كل الميل…

ستشد من ناحية … وسيشد غيرك من ناحية …. وسيواصل الكون وجوده الضروري …
.
.
.

محمد عبد القادر الفار
الحوار المتمدن-العدد: 4606 – 2014 / 10 / 17

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: