Posted by: قادر | مايو 1, 2016

معنى الرضا

Assessing-Life-Satisfaction.jpg

لو استبعدنا الكائنات التي لا تعي وجودها، مثل النباتات، والكائنات التي لا تعي سوى غرائز البقاء مثل معظم الحيوانات، وتوجهنا إلى الكائنات التي طوّرت ذكاءا حوّل وهم الأنا الفردية فيها إلى واقع معقد من العلاقات والإرادات…كائنات “ذكية” مثل البشر
وقلنا لأي فرد منها : “تأمل وتجرد من أي غضب أو انفعال أو تشويش وأنصت لقلبك سائلا إياه: هل أنت راض ٍ؟”

لأنه كائن أفسده ترف الاختيار، وترف الكذب، فقد يختار أن يقول نعم وقد يختار أن يقول لا …. وعلى الأغلب سيقول، أنا راض نسبيّا، هناك نعمة، وهناك حرمان، وهناك سعي دائم نحو الأفضل …

وهذه الإجابة تعني أنه ليس راضيا أبدا … فهناك حرمان، ولو كان الأمر بيده لما حرم نفسه من شيء،،، ولأن الأمر ليس بيده، فهو لا يمكن أن يكون راضيا …. مهما صبّره الحصول على بعض اللذات عن حرمانه…

أما لو كنت إجابته “نعم وكفى” فهي ستنطلق بدافع العرفان للجانب الذي يرضيه في حياته، بدافع الحمد، وكل حامد هو طامع بالزيادة، وهذا الطمع يعني أن بقاء الأشياء على حالها ليس كافيا أي أنه ليس راضيا …. “ما كان من الأوّل!”

أنا أحد هذه الكائنات يا صديقي … فخذني مثالا …

وبكل صدق وتطرّف سوف أجيبك … أنا لست راضيا…

وسأكون فظا وأجيب نيابة عنك … ولا أنت راض…

ومهما افتعلت الرضا وحاولت تصديقه، ستعود الحقيقة لتصفع وهم الرضا وتذكرك: أنت لست راضيا…

معنى الرضا هو أنني لو امتلكت القدرة المطلقة، قدرة كن فيكون، فلن أغيّر شيئا

وأنا أعلم علم اليقين أن هذا ليس صحيحا …

ولا بد أنك تعلم ذلك عن نفسك أيضا…

لننطلق إذا من نقطة صدق ….

أنا …. لست راضيا

ولكن من أنا … ما أنا؟؟؟

ما هي هذه الإرادة التي لها أن ترضى أو لا ترضى، وتتذوق الطاقات التي تجتاحها ،فتحكم عليها، وتعاني، وتتلذذ…. إن مثل هذه الأنا لا يمكن أن يرضيها العجز…
إن مثل هذه الأنا محكومة بإرادة القدرة، بإرادة التأله، بإرادة القوة المطلقة !

وأي افتعال للرضا والزهد داخل حدود هذه الساماسارا هو رد فعل يحاول أن يحصل على أكبر قدر من الراحة رغم عدم إمكانية تحقيق “الرضا”…. فهو محاولة للتجاهل والتناسي والتسامي من أجل التكيف….
التكيف يخفف ألمك… ولكنه لا يعني الرضا…. لنعد ونسأل أكثر إنسان متكيف في الوجود: لو كانت لك قدرة كن فيكون، هل ستبقي كل شيء على حاله دون تغيير؟؟

قد يقول نعم… وحتى لو كان يصدّق أنه صادق –فالإنسان ينطلي عليه كذبه هو أحيانا- إلا أن هذا المتكيّف الكبير الزاهد، عند حصوله على قدرة كن فيكون، ستشتعل فيه جذوة البهجة والإرادة… فيعيد نفسه شابا لو كان عجوزا، وصحيحا لو كان معتلا، ومعافى لو كان مريضا، وجميلا لو كان قبيحا، وغنيا لو كان فقيرا، وطويلا لو كان قصيرا

ثم بعد كل شيء …. لماذا يكون الرضا فضيلة؟ ولماذا يكون احترام ما هو كائن ومحاولة إطفاء الإرادة شيئا جيدا؟ …. هل لأنه يحقق راحة اليائسين؟
بل ما معنى “جيد” و”فاضل” هنا
الطفل الصغير يا عزيزي أنقى مني ومنك …. نعم … فهو أولا مهتمّ باللعب أكثر من الواجبات.. اللعب هو أهم شيء بالنسبة له … وهو مباشر … وهو أقل اشمئزازا من الطبيعة وكائناتها، وهو أقل احتراما للحدود والقواعد …

وهذا الكائن النقي … لا يتنازل عن أي إرادة… بل لا يتصور أنه يجب أن يكون هناك حائل بينه وبين أي شيء يريده…

فهو آت من اللامحدود، لذا كلما اكتشف حدّا، أزعجه ذلك الحد جدا…. وانفجر بالبكاء..
إنه لحوح جدا جدا …. لا يصمت عن البكاء قبل إرضائه …

ومع الوقت تروّضه الحدود… أو تلوّثه الحدود … ولأنه لم يعد يذكر اللامحدود الذي جاء منه، فهو يطوّر تقبلا وتكيفا.. لا لأن هذا هو الدرس الذي جاء ليتعلمه، ولا لأن هذه هي الحكمة، ولا لأنه اكتشف بذلك الرضا معنى الوجود، بل لأن الكفاح ضد كل هذه الحدود الجامدة التي تبدو عصية على الكسر، هو كفاح لم يعد يبدو مجديا، أمام ذلك الذي تمرّغ في المادة …

إن الرضا هو استجابة ذلك الذي يئس من القوة، استجابته للاجدوى متابعة المحاولة

.
.
.
محمد عبد القادر الفار
الحوار المتمدن-العدد: 4456 – 2014 / 5 / 1

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: