Posted by: قادر | سبتمبر 24, 2016

جاذبية العناد

%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9%d8%b9

جاذبية العناد

.
.
العناد موقف محافظ، متمسّك بإرادة سبق أن صدرت، مهما خالفت العقل أو حتى الضمير، هو دور ملتزم بالنّص، يكابر بالذات أمام الكلام. فالمتكلم الفذ قد يدرك قوة كلامه الهائلة، وأن قدرة الكلام على التغيير أو المحافظة -في وجود هو في أساسه وصف كلامي- هي أكبر من قدرة الفعل ومن سطوة الانفعال.
.
.
.
الكلام يواجه العدم، ويبطل الفعل، وينفّس الانفعال، وهو قدس الأقداس القادر بكلمة “كن” على البدء والإعادة. وهو الذي يؤثر في خواص المادة، ويطلق الطاقة، ويحصرها، ويوجهها. ولكنه دون انفعالاته اللاعقلانية باهت، ليس مغريا بالمرّة. هو الحقيقة المملة للوجود، التي وصفها زياد بن عاصي حفظه الله “متصور لو حدا ما عنده اشي الا يحكي قديش ممكن يحكي، خاصة إذا الله طوّل بعمره”، وهي عبارة من برنامجه “العقل زينة”، والكلام المنسوج بعناية هو زينة العقل، والعقل زينة هذا الوجود، الباهت بحقيقته، المثير بأوهامه. وقد سبق لي –قبل خمس سنوات- أن وصفت الحقيقة بقولي ” إن الحقيقة لا بيضاء ولا سوداء، لا رمادية باهتة ولا صفراء فاقعة، لا هي بلون الفرح، ولا بلون الكآبة، الحقيقة غالبا شفافة لا تدركها الأبصار، ولا يمكن رسمها على ورقة أو إيجاد شيء له نفس لونها، وهي غير مغرية إجمالا.
.
.
.
إن نقطة قوة العناد هي إثارته، فالصلابة مثيرة، والثقل مغر. والكلام بتفسيره وتحليله وتركيبه وتأويله وحججه وحواراته وقتله لمتعة الفعل وللذة الانفعال هو محل احتقار لدى الأغلبية الساحقة من البشر، من يفضلون الإثارة على الحقيقة.
.
.
.
.
مع الكلام، يبطُل الدافع للتمسك بأي موقف، وأي إرادة، فهو بقدرته على الوصف والمحاججة والرد والأخذ يواجه النقائض ببعضها حد معادلتها كلها، فترتخي الأدوار وتصبح الحبكة نفسها رخوة لا حدّيّة فيها. فالصم البكم الذين لا يسمعون (يرفضون الكلام ويتجنبونه كي يحافظوا على مواقفهم) هم أهل إثارة.
.
.
.
لذلك يا صديقي ويا صديقتي، يا من أعرضتما عن سماعي ووضعتما أصابعكما في آذانكما حين بدأت بالكلام، أو سمعتما في أحسن الأحوال دون تدبّر لصدق مقالي وحكمته، أنا أفهمكما، فأنتما تريدان أن تحافظا على دوركما في القصة. تريدان أن تتجاوزا الفصل الحالي إلى الفصل الذي يليه. أما أنا كمتكلّم، فممل لدرجة أنني أفضل البقاء في الفصل نفسه، أشبعه تحليلا وتركيبا، وأعود إلى كل جملة فيه فأفسرها مرارا، لسد شعوري بالنقص إزاء انعدام الإثارة بخصوصي.
.
.
.
.
أنتما لا تتصوران مذاقي، تتصوران أن لا طعم لي، كونكما تعودتما على أنني أقتل الإثارة. لا تصدقان أنني الحمل القابع في بطن الحوت. النون الذي تختتم به كلمة “كن” التي جعلت من اللاشيء شيئاً. وواجهت وحشة الفراغ، قبل أن يكون هناك فعل وانفعال، يا من تعيّرانني بانعدام الإثارة. لكنني ملح الأرض، نعم أنا كمتكلم جيد ملح لهذه الأرض، ملح ينتج عن معاشرة حمضكم لقاعدتكم. ملح إذا فسد لم يعد مليحاً، ولا عاد يمكن أن يملّح به شيء، ولا لمواجهة العناد، بالكاد يصلح لقتل نكتة طويلة، تفسدها روايتها مرارا. لا يصلح الملح إذا فسد إلا لأن يطرح ويداس من الناس، كما قال المسيح.
.
.
.
.
أواجه إثارة عنادكم، وشبق الانفعال بإثارة عنادكم، بالسخرية من العناد، وبمن ينبهرون بالعناد. أواجهكم براوية النكات. فالكلام غير المتقن يقتل النكتة، ولكن النكتة بالأساس كلام، كلام منسوج بذكاء، خير مخرجات العقل، وزينته. فالنكتة وصف كلامي أيضا، وشهادة على الحلو وعلى المر.
.
.
.
.
رحم الله الشيخ إمام عيسى:
.
.
.

“ارمي الكلمة في بطن الضلمة، تحبل سلمى وتولد نور”….

.
.
.
تولد نون يا شيخ… تولد نون

.
.
.
العقبة/ الأردن 24-09-2016

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: